"سنتمكن من تصدير المنتجات من دون تصدير الوظائف".. كان ذلك هو الوعد الذي قطعه الرئيس الأميركي بيل كلينتون أمام الجمهور المحتشد لسماعه في جامعة "جونز هوبكينز" في مارس 2000، أثناء ترويجه لخطط انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.

لم يخطر ببال كلينتون آنذاك أن ينجح دونالد ترمب في تحويل غضب الناقمين على تلك السياسة إلى أصوات يهزم بها هيلاري كلينتون، زوجة الرئيس السابق، ليصل إلى البيت الأبيض ويطلق حربه التجارية مع الصين.

كان رأي كلينتون في فتح السوق الصينية يتمثل في أنها فرصة لتوسع الشركات الأميركية في أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان.

وفي حال لم يكن التلويح بالمكاسب الاقتصادية كافياً، استعان الرئيس بنظرية شائعة في ذلك الوقت، مفادها أن دمج النظام الصيني في الاقتصاد العالمي بصورة دائمة قد يشجع بكين على الانفتاح السياسي أيضاً.

يتحمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستضيف نظيره الصيني شي جين بينغ يوم الخميس، مسؤولية شن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين في فترة ولايته الأولى، واستئنافها بعد عودته غير المتوقعة إلى البيت الأبيض العام الماضي.

قد يهمك أيضاً: بيسنت: واشنطن وبكين تمددان الهدنة التجارية لشهرين إضافيين

ويرى العديد من المحللين وخبراء الاقتصاد أن حروب ترمب التجارية ضد الصين وغيرها من الدول قد ألحقت الضرر بالاقتصاد الأميركي والعالمي على حد سواء، وهزت أركان نظام العولمة الذي ينسب إليه الكثيرون الفضل في ازدهار الاقتصادات الناشئة خلال الأربعين عاماً الأخيرة.

جذور أعمق للحرب التجارية

غير أن هذا التحليل يسعى لشرح كيف أن جذور تلك الحروب تعود، ولو جزئياً، إلى سياسات كلينتون والإدارات التي أعقبته، وإلى نظريات لا تزال تحظى بتأييد واسع بين الاقتصاديين رغم تداعياتها السياسية.

وقّع كلينتون قانون منح الصين وضع العلاقة التجارية الطبيعية الدائمة مع الولايات المتحدة بدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، قبل أن تنضم بكين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001.

لم يفتح ذلك سوقاً كانت مغلقة تماماً أمام الشركات الأميركية، لكنه ثبّت الرسوم المنخفضة التي كانت تُجدّد سنوياً، وهو ما قلّص خطر ارتفاعها بشكل مفاجئ، مما شجع الاستثمار وبناء علاقات طويلة مع الموردين الصينيين، وفقاً لدراسة صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

رصدت الدراسة، التي صدرت عام 2013، تراجعاً كلياً في التوظيف الصناعي الأميركي بنسبة 18% بين مارس 2001 ومارس 2007. وربطت خسائر أكبر في بعض الصناعات بإزالة خطر ارتفاع الرسوم، مستندة إلى الفجوة بين متوسط الرسوم الفعلية البالغ 4% عام 1999، ومتوسط قدره 36% كان سيُطبق من دون التجديد.

قد يهمك أيضاً: كيف تتصدى الصين لمساعي إعادة تشكيل شبكة التجارة العالمية؟

كما خلص البحث إلى أن أثر السياسات التي فتحت السوق الصينية أمام الواردات كان ضئيلاً بالمقارنة بتداعيات الاتفاق على التوظيف في الولايات المتحدة. وفي دراسة أخرى، قدّر الحائز على جائزة "نوبل" دارون أسيمغلو، والاقتصادي الأميركي ديفيد أوتور، أن تصاعد المنافسة من الواردات الصينية تسبب في خسارة صافية تتراوح بين مليوني وظيفة و2.4 مليون وظيفة في الفترة بين 1999 إلى 2011، مقارنة بمسار بديل من دون تلك الصدمة.

"كوب شاي وقطعة بسكويت"

أظهر تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" عام 2012 أن الأجور لم تكن العامل الوحيد الذي حسم المعادلة لمصلحة الصين ومصانعها.

فبعد نحو 11 عاماً من خطاب كلينتون، سأل الرئيس باراك أوباما مؤسس شركة "أبل" ستيف جوبز خلال مأدبة عشاء بكاليفورنيا عن إمكانية تصنيع هاتف "أيفون" في الولايات المتحدة. كان رد جوبز قاطعاً: "هذه الوظائف لن تعود"، وفقاً لما قاله أحد الحاضرين للصحيفة.

لم تكن المسألة تتعلق بالأجور فقط. فبحسب التحقيق، قدّرت "أبل" حاجتها إلى 8700 مهندس صناعي؛ توقعت أن يستغرق العثور عليهم في الولايات المتحدة تسعة أشهر، بينما استغرق الأمر 15 يوماً في الصين.

كما روى أحد التنفيذيين السابقين أنه عندما احتاجت الشركة إلى إعادة تصنيع "أيفون" بعد تعديل تصميم الشاشة قبل إطلاق النسخة الأولى بعدة أسابيع، تم إيقاظ ثمانية آلاف عامل من النوم "ومنح كل منهم كوباً من الشاي وقطعة من البسكويت" قبل التوجه للمصنع. وخلال 96 ساعة، كان المصنع ينتج أكثر من 10 آلاف "أيفون" يومياً. ("فوكسكون"، الشركة التي تولت تجميع "أيفون"، اعترضت على رواية الصحيفة عن النوبة الليلية.)

قد يهمك أيضاً: كيف سرقت الصين تقنيات تصنيع أجزاء الطائرات؟

قدمت تلك المنظومة فوائد جمة للمستهلك الأميركي والعالمي على حد سواء. حيث خلصت دراسة نشرت عام 2019 لخافيير جفاريل من "كلية لندن للدراسات الاقتصادية" وإيرك ساغر من الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن اختراق المنتجات الصينية للأسواق الأميركية تسبب في "تراجع كبير" في أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة.

مكاسب التجارة مع الصين

قدّر الباحثان أن زيادة حصة الواردات الصينية في السوق بمقدار نقطة مئوية واحدة تؤدي إلى انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية في الفئات المعنية بنسبة 1.91%، مع تراجع هوامش ربح السلع المنتجة محلياً تحت ضغط المنافسة.

وتشير تقديرات الدراسة إلى أن المكاسب الاقتصادية الإجمالية للمستهلكين الأميركيين من التجارة مع الصين، المقاسة بما يُعرف بـ"فائض المستهلك"، بلغت نحو 400 ألف دولار مقابل كل وظيفة فُقدت بسبب المنافسة من الواردات. (هذه المكاسب موزعة حسابياً على المستهلكين، وليست تعويضات تلقاها العمال الذين خسروا وظائفهم.)

اقرأ أيضاً: الصين تعدل قانون التجارة الخارجية لحماية مصالحها الوطنية

في المقابل، من المهم الإشارة إلى أن تراجع التوظيف في القطاع الصناعي الأميركي قد سبق صعود نجم الصين الاقتصادي.

فقد بلغت الوظائف الصناعية الأميركية ذروتها في يونيو 1979 عند 19.6 مليون، وفق مكتب إحصاءات العمل. كما خلصت دراسات حديثة لأسيمغلو إلى أن أثر التكنولوجيا والأتمتة على سوق العمل الأميركية أكبر من أثر توغل المنتجات الصينية.

سلاسة نظرية

غير أن المشكلة الرئيسية تكمن في السياسات التي تتعامل مع أثر تلك الصدمات التجارية أو التكنولوجية استناداً إلى فكرتين: الأولى هي أن المكاسب الإجمالية للاقتصاد كافية لتعويض الجميع، والثانية هي أن شخصاً خسر وظيفة في مصنع للسيارات في مسقط رأسه لن يتردد في شدّ الرحال إلى مدينة أخرى أو بلد آخر للعمل كسائق شاحنة نقل ثقيل.

هذه هي "السلاسة النظرية" التي ينتقدها أبيجيت بانيرجي وإستر دوفلو، الحائزان على جائزة "نوبل" في الاقتصاد، في كتابهما "اقتصاد جيد لأوقات عصيبة"، استناداً إلى أبحاث عديدة لباحثين آخرين. وتشرح دوفلو أن الكثير من الأشخاص يفضلون البقاء في المناطق المتضررة من اختفاء الوظائف بدلاً من ترك أسرهم والانتقال إلى مناطق أكثر رخاء.

قد يهمك أيضاً: يجدر بأميركا التخلي عن فكرة الفوز على الصين

يعني ذلك أن معدّل البطالة قد ينخفض على المستوى الكلي في هذا البلد أو ذاك، ويبقى مرتفعاً في "جيوب" خسرت مصانعها لصالح الصين أو الأتمتة. في تلك المناطق، يتجاوز أثر إغلاق المصنع العامل الذي تلقى إشعار الاستغناء عن خدماته، ويتحول إلى صدمة للاقتصاد المحلي.

ولم تنجح السياسات الحكومية في التعويض بشكل كاف، حيث أقر تقرير مشترك لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية عام 2017 بالأثر المحدود للبرامج التي تساعد العمالة على التكيّف مع أثر تحرير التجارة، وبأن الخسائر قد تكون "قاسية وممتدة زمنياً".

سؤال أوباما أصبح شعار ترمب

قبل صدور التقرير المشترك عام 2017 بأكثر من عام، كان ترمب قد حوّل مسألة عودة الوظائف المفقودة، التي دفعت أوباما إلى طرح سؤاله على جوبز، إلى وعد انتخابي ساهم في وصوله إلى البيت الأبيض، على حساب نخبة لم تعترف بحجم المشكلة أو تجعل من محاولة حلها أولوية سياسية.

غير أن دراسة لديفيد أوتور وعدد من الاقتصاديين نشرت هذا العام، رأت أن المناطق التي حظيت صناعاتها بالحماية الجمركية شهدت صعوداً في معدلات تأييد ترمب في الانتخابات الرئاسية عامي 2020 و 2024.

قد يهمك أيضاً: إلى أين تقودنا سياسة "أميركا أولاً"؟ جواب التاريخ لا يبشر بخير

المفارقة هي أن المكاسب السياسية هنا أيضاً لا تضمن التغيير للأفضل، فلم تجد الورقة البحثية أن رسوم ترمب الجمركية في عامي 2018 و2019 قد رفعت من معدلات التوظيف أو الدخل حتى عام 2023.

في النهاية، قد تنتج قمة واشنطن بين ترمب وشي هدنة أطول. أما استعادة ثقة المجتمعات التي دفعت كلفة التحوّل، فقد تحتاج إلى ما يتجاوز اتفاقاً بين رئيسين.

المصدر الأصلي