وطنية - عُقد لقاء زراعي موسّع، في مشروع الجورد للسياحة البيئية، بدعوة من مدير المشروع حسين علوه، وفي حضور عشرات المزارعين والفعاليات الزراعية الذين قدموا من مناطق عكار والضنية والهرمل.

شارك في اللقاء البروفيسور حسان مخلوف، رئيس الحركة البيئية في لبنان وعضو اتحاد Arab Watch، حيث قدّم محاضرة عن مشروع التحول الأخضر من أجل التعافي الاقتصادي (GATE)، تناول فيها أهمية المشروع بالنسبة إلى القطاع الزراعي اللبناني والفرص التي يتيحها للمزارعين لتطوير حيازاتهم وتحسين قدراتهم الإنتاجية، ضمن رؤية تجمع بين الجدوى الاقتصادية والممارسات الزراعية السليمة والاستدامة.

وجاء اللقاء في إطار التعريف بمراحل مشروع GATE وفوائده من الناحيتين الإدارية والعملية، إلى جانب التوعية بالممارسات الزراعية السليمة الهادفة إلى تحسين الإنتاج، وهي المحاور التي تضمنتها الدعوة المشتركة الصادرة عن "الحركة البيئية في لبنان" و"مشروع الجورد للسياحة البيئية".

وشدد مخلوف خلال اللقاء على أهمية تسجيل المزارعين في السجل الزراعي لدى وزارة الزراعة، باعتبار أن تنظيم القطاع الزراعي وتحديد حاجاته بصورة دقيقة يتطلبان وجود قاعدة واضحة للمزارعين والحيازات والأنشطة الزراعية القائمة. وأوضح أن التسجيل يشكل خطوة مهمة بالنسبة إلى المزارع في علاقته مع المؤسسات والبرامج المخصصة لدعم القطاع، داعيًا المزارعين إلى عدم البقاء خارج الأطر الرسمية التي تسمح لهم بإثبات نشاطهم الزراعي ومتابعة الفرص والمشاريع المتاحة لهم.

كما وأكد ضرورة أن تصل المعلومات المتعلقة بالمشاريع الزراعية إلى المزارعين في مختلف المناطق، وأن يكونوا على دراية بحقوقهم وشروط الاستفادة منها، بما يساهم في تحقيق قدر أكبر من الشفافية وتكافؤ الفرص والعدالة في توزيع الدعم.

وتناول مخلوف بصورة خاصة سبل مقاربة المزارعين للفرص التي يوفرها مشروع GATE، مشددًا على أن الهدف ينبغي ألّا يقتصر على الحصول على مساعدة أو دعم، بل على استخدام هذه الفرصة لإحداث تطوير حقيقي ومستدام في الحيازة الزراعية.

ودعا المزارعين إلى إعداد دراسات جدوى واقعية تنطلق من الاحتياجات الفعلية لكل حيازة، وتأخذ في الاعتبار طبيعة الإنتاج، ومساحة الأرض، وخصائص التربة، وتوافر المياه، والتجهيزات الموجودة، وكلفة الإنتاج، والمشكلات التي تحد من الإنتاجية. وأكد أن المشروع الناجح هو الذي يترك أثرًا واضحًا بعد انتهاء فترة الدعم، سواء من خلال رفع الإنتاجية، أو تحسين نوعية المنتج، أو خفض الكلفة، أو تطوير تقنيات الري والإنتاج، أو تعزيز قدرة المزارع على الاستمرار والمنافسة. وبذلك تتحول المساعدة من دعم آني إلى استثمار فعلي في مستقبل الحيازة الزراعية.

وتطرق مخلوف، انطلاقًا من اختصاصه الأكاديمي في مجال التربة والنبات، إلى أهمية التحول الأخضر في الممارسات الزراعية، باعتباره مسارًا يهدف إلى تطوير الإنتاج وتحسين كفايته، بالتوازي مع حماية التربة والمياه والتنوع الحيوي والحد من الاستخدام غير الرشيد للمدخلات الكيميائية.

وأوضح أن رفع الإنتاجية ينبغي ألّا يتحقق على حساب خصوبة التربة أو نوعية المياه أو سلامة المنتج الزراعي، داعيًا إلى تحول تدريجي ومدروس من النظم الزراعية ذات الاستخدام الكيميائي المفرط نحو نظم أكثر طبيعية وتوازنًا، تعتمد الإدارة السليمة للتربة والمياه، وترشيد استخدام الأسمدة والمبيدات، والمحافظة على خصوبة الأرض، والاستفادة من البدائل والممارسات البيولوجية والطبيعية المناسبة.

وشدد في شكل خاص، على أهمية أن يشمل التحول الأخضر العمل على إنتاج محاصيل زراعية سليمة وخالية، قدر الإمكان، من متبقيات المبيدات والمواد الكيميائية الضارة، معتبرًا أن سلامة المنتجات الزراعية تمثل تحديًا أساسيًا أمام القطاع الزراعي اللبناني، وبخاصة في ظل الاستخدام غير المنضبط أو المفرط لبعض المبيدات والأسمدة، وعدم الالتزام دائمًا بالجرعات الموصى بها وفترات الأمان قبل القطاف.

وأكد أن جودة المحصول لا تُقاس فقط بحجمه أو إنتاجيته أو مظهره، وإنما أيضًا بسلامته بالنسبة إلى المستهلك. ومن هنا، فإن تطوير القطاع الزراعي اللبناني يجب أن يربط بين زيادة الإنتاج وتحسين نوعيته وضمان سلامته، بما يعزز ثقة المستهلك بالمنتج المحلي ويرفع قدرته على المنافسة في الأسواق.

وأشار إلى أن التحول الأخضر لا يعني التخلي عن التكنولوجيا الزراعية الحديثة أو العودة إلى ممارسات أقل إنتاجية، وإنما يعني توظيف العلم والتكنولوجيا بصورة أكثر كفاءة ومسؤولية، بما يحقق للمزارع مردودًا اقتصاديًا جيدًا، ويؤمن في الوقت نفسه غذاءً أكثر سلامة ويحافظ على الموارد الطبيعية التي يقوم عليها مستقبل الزراعة.

وشهد اللقاء نقاشًا مباشرًا مع المزارعين حول واقع الزراعة في عكار والضنية والهرمل والتحديات التي تواجه الحيازات الزراعية، وبخاصة في المناطق الريفية والجبلية.

وأكد مخلوف خلال النقاش أن المزارع يجب ألا يكون مجرد متلقٍ للمساعدات، وإنما شريكًا فعليًا في تحديد حاجاته وفي عملية تطوير القطاع الزراعي، لأن أي برنامج لا ينطلق من الواقع الفعلي للحيازات ومن احتياجات أصحابها قد لا يحقق الأثر التنموي المطلوب.

كما وشدد على أهمية بناء قنوات تواصل دائمة بين المزارعين والجهات الرسمية والمؤسسات والهيئات المعنية بالمشاريع الزراعية، بما يسمح بنقل احتياجات المناطق ومشكلاتها بصورة مباشرة، وفي الوقت نفسه إيصال المعلومات والفرص المتاحة إلى المزارعين.

واكتسب النشاط بعدًا خاصًا من موقع انعقاده في منطقة جردية مرتفعة تشكل نقطة تلاقٍ بين عكار والضنية والهرمل، ومن التنوع الجغرافي للمزارعين والفعاليات الزراعية المشاركة فيه. فاللقاء لم يقتصر على تقديم المعلومات المتعلقة بمشروع GATE، بل أتاح مساحة للحوار بين مزارعين ينتمون إلى مناطق تتقاطع في العديد من التحديات الزراعية، مع اختلاف خصائصها البيئية والإنتاجية.

كما وأظهر الحضور أهمية تنظيم المزيد من اللقاءات الميدانية في المناطق الزراعية نفسها، بحيث تنتقل عملية التوعية إلى الأماكن التي يعيش ويعمل فيها المزارعون، ويصبح الحوار معهم جزءًا أساسيًا من عملية التخطيط لتطوير القطاع.

الحركة البيئية في لبنان

وأكدت "الحركة البيئية في لبنان"، من خلال هذا النشاط أن العمل البيئي لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الريفية، وأن حماية الموارد الطبيعية يجب أن تسير بالتوازي مع تعزيز قدرة المزارع على الإنتاج والاستمرار. فحماية التربة والمياه والتنوع الحيوي تحتاج إلى قطاع زراعي قادر على الاستمرار، كما وأن استمرارية المزارع تحتاج إلى موارد طبيعية سليمة تضمن له القدرة على الإنتاج في المستقبل. ومن هنا يأتي اهتمام الحركة بالعمل الميداني مع المزارعين، والتوعية بالممارسات الزراعية السليمة، وتشجيعهم على الاستفادة من المشاريع التنموية المتاحة لتحديث حيازاتهم، بالتوازي مع نشر ثقافة الإدارة المستدامة للموارد والانتقال نحو زراعة أكثر نظافة وسلامة واستدامة.

وفي ختام اللقاء، تم الاتفاق على متابعة هذه اللقاءات وتوسيعها خلال المرحلة المقبلة، ومواصلة الجهود الهادفة إلى مساعدة المزارعين على التعرف إلى حقوقهم والفرص المتاحة لهم، وتشجيعهم على تطوير مشاريع زراعية قابلة للاستمرار وقائمة على احتياجات فعلية ودراسات جدوى سليمة.

كما جرى تأكيد أهمية تعزيز التعاون بين المزارعين والفعاليات المحلية والمؤسسات الزراعية والهيئات البيئية، بما يساهم في تحصين القطاع الزراعي في مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والمناخية التي يشهدها لبنان.


المصدر الأصلي