لكن علينا أن نكون واضحين: صفر عجز لا يعني بالضرورة مالية عامة سليمة، والتوازن المحاسبي لا يعني بالضرورة توازناً اقتصادياً. فالمشكلة ليست فقط في حجم الموازنة، بل في نوعية إيراداتها، تركيبة نفقاتها، وقدرتها على تحفيز النمو والاستثمار وخلق فرص العمل.

يُقدّر مشروع موازنة 2027 الإيرادات والنفقات بنحو 614,95 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يقارب 6,87 مليارات دولار، من دون عجز مقدّر. لكنّ الرقم الذي يجب التوقُّف عنده هو أنّ نحو 86% من إجمالي الإيرادات تأتي من الضرائب، مع حصّة كبيرة للضرائب على السلع والخدمات.

وهنا يُطرح السؤال الأساسي: هل نريد زيادة إيرادات الدولة من خلال تكبير الاقتصاد، أم من خلال زيادة الضرائب على الإقتصاد الموجود أصلاً؟

إنّ الاعتماد المفرط على الضرائب، ولا سيما الضرائب غير المباشرة المرتبطة بالاستهلاك، قد يؤمّن إيرادات إضافية للخزينة على المدى القصير، لكنّه يضغط في المقابل على القدرة الشرائية وعلى المؤسسات.

لذلك، يجب التعامل بحذر شديد مع أيّ زيادة جديدة في الضريبة على القيمة المضافة، فالهدف يجب ألّا يكون فقط كيف نجبي أكثر، بل كيف نُنتج أكثر لنجبي بصورة أكثر استدامة.

لقد دفع القطاع الخاص اللبناني ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية. إذ واجه الإنهيار المالي والمصرفي، وخسر جزءاً كبيراً من قدرته على الوصول إلى التمويل، وتحمّل ارتفاع كلفة التشغيل وتراجع الاستهلاك والاستثمار، بالإضافة إلى تداعيات الحروب وعدم الاستقرار.

ومع ذلك، بقي القطاع الخاص المحرّك الأساسي للإنتاج والتوظيف، لذلك، لا يجوز أن يتحوَّل إلى المصدر الأسهل والدائم لتمويل حاجات الدولة.

المطلوب قبل فرض أعباء إضافية، هو توسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرُّب، وتحسين الجباية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتطوير الإدارة الضريبية. فالعدالة الضريبية لا تتحقّق عندما ندفع الملتزم أكثر، بل عندما يُصبح الجميع ملتزمين.

أمّا على جانب النفقات، فتظهر مشكلة أخرى، فالرواتب والأجور والتعويضات تُمثل نحو 24,6% من الموازنة، والتقديمات والمنافع الاجتماعية نحو 28,9%، وعند جمعهما، نصل إلى حوالى 53,5% من إجمالي الإنفاق العام.

لا أحد يُناقش ضرورة إعطاء موظفي القطاع العام والمتقاعدين حقوقهم وتأمين الحدّ الأدنى من العيش الكريم لهم، خصوصاً بعد الانهيار الكبير في القدرة الشرائية. لكنّ هذه الأرقام تكشّف حجم العبء البنيوي على المالية العامة.

وفي المقابل، تبلغ النفقات الإستثمارية والرأسمالية نحو 10,8% فقط، فيما تشكّل النفقات الجارية حوالى 89,2%. وهنا يجب أن نسأل: كيف يُمكن بناء اقتصاد جديد إذا كنّا نستثمر نحو عُشر الموازنة فقط في المستقبل؟

لبنان يحتاج إلى استثمارات في البنُى التحتية، الكهرباء والطاقة، الطرق، المياه، الاتصالات، التحوُّل الرقمي، تحديث الإدارة، إعادة الإعمار، التعليم، والتكنولوجيا. فهذه ليست مجرّد نفقات، بل استثمارات قادرة على رفع إنتاجية الاقتصاد، وخفض كلفة الأعمال، وجذب الاستثمارات الخاصة وخلق فرص العمل.

ومن اللافت أيضاً، أنّ مشروع الموازنة لا يلحظ سلفة مباشرة لمؤسسة كهرباء لبنان، بعدما شكّل قطاع الكهرباء لسنوات أحد أبرز مصادر استنزاف المالية العامة. لكنّ ذلك لا يلغي الحاجة إلى إصلاح جذري ومستدام للقطاع، لأنّ الكهرباء تبقى عنصراً أساسياً في كلفة الانتاج وتنافسية الاقتصاد.

ويبقى السؤال الأهم: أين النمو في موازنة 2027؟ وأين الحوافز للاستثمار وتوسيع المؤسسات وخلق الوظائف؟ وأين دعم القطاعات الانتاجية والتصديرية؟ وأين الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ وأين السياحة والصناعة والزراعة واقتصاد المعرفة؟

الموازنة ليست مجرّد جدول للإيرادات والنفقات، إنّها إحدى أهم أدوات السياسة الاقتصادية، لذلك، علينا الانتقال من «موازنة محاسبية» إلى «موازنة اقتصادية واستراتيجية» مع رؤية استراتيجية مرتبطة بخطة واضحة للنمو والاستثمار والتوظيف.

كما لا يُمكن فصل الموازنة عن الإصلاحات الكبرى: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، معالجة الدين العام، إيجاد حل عادل ومستدام لمشكلة الودائع، إصلاح الإدارة، تحسين الجباية واستعادة الثقة بالاقتصاد والمؤسسات.

لبنان يحتاج بالتأكيد إلى موازنة متوازنة، لكنّه يحتاج قبل كل شيء إلى موازنة للنمو، وتالياً يحتاج إلى التوازن المالي، لكن ليس على حساب النمو، كما يحتاج إلى زيادة إيرادات الدولة، لكن ليس من خلال استنزاف القطاع الخاص والمستهلك، ويحتاج أيضاً إلى ضبط الإنفاق، لكن أيضاً إلى الاستثمار في اقتصاد الغد.

في المحصّلة، يجب أن تتغيَّر فلسفة النقاش الاقتصادي من «كيف نزيد الضرائب؟»، إلى السؤال الأهم: «كيف نُكبّر حجم الاقتصاد؟»، لأنّ الاقتصاد الأكبر، الأكثر إنتاجاً واستثماراً وتصديراً، هو في النهاية المصدر الأقوى والأكثر استدامة لإيرادات الدولة.

المصدر الأصلي