تشعر شرائح متزايدة من اليهود الأميركيّين باليُتم السياسي نتيجة صعود تيّارات جديدة داخل الحزبين الرئيسيّين في الولايات المتّحدة، الجمهوري والديموقراطي، تدفع المشهد السياسي في اتّجاهات يراها كثير من الأميركيّين اليهود خطرة، أو حتّى معادية لهم صراحة.
تقليديًا، مال معظم يهود أميركا إلى اليسار، بعيدًا عن التيّارات التفوّقيّة البيضاء، والاتّجاهات المعادية للمهاجرين، وعن المحافظين في الولايات الأميركيّة الجنوبيّة الذين صاروا جزءًا من الائتلاف الجمهوري منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. وعلى الرغم من أنّ الرئيس الحالي دونالد ترامب قريب جدًّا من إسرائيل، لا يزال معظم اليهود الأميركيّين ينفرون من الحزب الجمهوري الذي اقترب، في نظرهم، من تيّارات يمينيّة بيضاء يرونها معادية للسامية صراحةً.
وقد ضاعف صعود نجم الإعلامي والمؤثّر الأميركي الشهير تاكر كارلسون هذا الحذر اليهودي التقليدي من الجمهوريّين. فكثير من مواقفه أثار جدلا داخل الأوساط اليهوديّة، من رفضه، مثلا، اعتبار اليهود بمنأى عن الاتّهام التقليدي بقتل المسيح، إلى طرحه علنًا مسألة ولاء اليهود الأميركيّين لدولة أجنبيّة هي إسرائيل. كما يستضيف كارلسون على منصّته الإعلاميّة شخصيّات من التيّار التفوّقي الأبيض تنكر وقوع المحرقة، مثل الناشط والمؤثّر نيك فوينتس، المعروف بمواقفه المعادية للسامية. وتكتسب هذه المواقف أهميّة إضافيّة لأنّ كارلسون يُعدّ من أبرز نجوم المعسكر الجمهوري، وهو قريب من دونالد ترامب، الأمر الذي يعزّز المخاوف اليهوديّة التقليديّة من اليمين الجمهوري.
لكنّ الأمور ليست على ما يرام، بدورها، في الجانب الديموقراطي، من وجهة نظر يهوديّة، وهذا عامل جديد.
قبل أيّام، أثار الناشط اليساري حسن بايكر زوبعة عندما حذّر اليهود الأميركيّين من أنّ تعاطفهم مع إسرائيل قد يحمّلهم تبعات الكراهية التي باتت إسرائيل تثيرها لدى كثيرين. وبايكر من أصول تركيّة مسلمة، وله تأثير كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتابعه ملايين الأشخاص. كما يُعرف بقربه من عبدول السيّد، النجم الديموقراطي الصاعد والمرشّح لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. والسيّد من أصول مصريّة مسلمة، ويتبنّى مواقف شديدة العداء لإسرائيل وللصهيونيّة.
والأمر نفسه ينطبق، بدرجات متفاوتة، على عمدة نيويورك زهران ممداني، وعلى عضوتي الكونغرس رشيدة طليب عن ميشيغان وإلهان عمر عن مينيسوتا، وعلى المحامي والناشط أمير مقلّد من ميشيغان، المؤيّد لـ"حزب الله".
باختصار، برز جيل جديد من السياسيّين الديموقراطيّين، بعضهم من أصول مهاجرة مسلمة، يتبنّى القضيّة الفلسطينيّة ويعارض إسرائيل وأسس الصهيونيّة. ويرفد هذه الاتّجاهات حراكٌ طلّابي في الجامعات الأميركيّة معادٍ لإسرائيل، يلعب فيه طلّاب من أصول مسلمة دورًا محوريًا، كما أظهرت حالة الطالب الفلسطيني محمود خليل في جامعة كولومبيا، الذي تسعى إدارة ترامب إلى ترحيله من الولايات المتّحدة.
وتتداخل هذه التيّارات الطلابيّة مع الجناح اليساري الصاعد داخل الحزب الديموقراطي، الذي يُعدّ بيرني ساندرز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت، أحد أبرز رموزه. وقد خلق هذا التداخل حذرًا يهوديًا متزايدًا من اليسار الديموقراطي، يشبه، وإن لم يكن مطابقًا، الحذر اليهودي التقليدي من الجنوح اليميني داخل الحزب الجمهوري.
بالمحصّلة، يبدو أنّ اليهود الأميركيّين يعيشون زمنًا من القلق والحيرة السياسيّة. فقد اعتادوا، لعقود طويلة، النظر إلى الحزب الديموقراطي بوصفه بيتهم السياسي الطبيعي، فيما نظروا إلى الحزب الجمهوري بعين الريبة، ولا سيّما مع اقترابه من تيّارات يمينيّة اعتُبروها معادية لهم.
أما المفارقة الكبرى، فهي أنّ التيّار التقدّمي اليهودي ناضل تقليديًا من أجل فتح أبواب الولايات المتّحدة أمام المهاجرين، والدفاع عن التعدديّة وحقوق الأقليّات. ثمّ جاء جيل جديد من المهاجرين، وبينهم أميركيّون من أصول مسلمة، ليساهم في خلق واقع سياسي داخل الحزب الديموقراطي لم يكن في حسبان كثير من أولئك الذين دافعوا عن هذا الانفتاح.











