إذا سقطت مرتفعات علي الطاهر عسكريًا بيد إسرائيل، فلن تكون المسألة بالنسبة إلى إيران مجرد خسارة موقع جغرافي في جنوب لبنان، بل اختبارًا لمصداقية معادلة الردع التي بنتها خلال سنوات. فطهران أرسلت، بحسب مصادر لبنانية وإسرائيلية، رسائل واضحة بأن الهجوم على المنطقة قد يستدعي دخولها المباشر على خط التصعيد، فيما تشير تقديرات إسرائيلية إلى وجود عناصر من "حزب الله" وضباط من الحرس الثوري داخل المنشأة الموجودة في المرتفعات.
لكن هل يعني ذلك أن إيران ستنفذ تهديدها فورًا؟ الاحتمال موجود، لكنه ليس حتميًا. فإيران تدرك أن الرد المباشر من أراضيها على إسرائيل سيحوّل معركة محلية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو سيناريو سبق أن أثبت كلفته العالية. كما أن طهران تخوض أصلا مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتعرض لضغوط اقتصادية وعسكرية شديدة؛ ولذلك فإن هامش المناورة لديها ليس مفتوحًا بلا حدود. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران تملك أدوات تصعيد متعددة، من استهداف المصالح والقواعد الأميركية إلى الضغط على الملاحة والطاقة في الخليج والهجمات السيبرانية.
الأرجح، لذلك، أن يكون الرد الإيراني مدروسًا ومتدرجًا بدل أن يكون ضربة شاملة ومباشرة. قد تختار طهران عملية صاروخية أو بالمسيّرات ضد هدف إسرائيلي، أو تسمح لحلفائها برفع مستوى العمليات، بحيث تحقق معادلة "الرد" من دون فتح حرب لا تستطيع التحكم بمسارها. فالمشكلة الأساسية أمام إيران ليست القدرة على الضرب، بل القدرة على تحديد سقف التصعيد بعد الضربة الأولى.
في المقابل، ستنظر إسرائيل إلى أي رد إيراني باعتباره مبررًا لتوسيع عملياتها، وربما نقل المعركة إلى أهداف إيرانية مباشرة. وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي يجعل معركة علي الطاهر شديدة الحساسية؛ إذ إن تقديرات إسرائيلية حذّرت من أن مقتل عدد كبير من عناصر الحرس الثوري في المنطقة قد يدفع طهران إلى الرد، بما يفتح الطريق أمام جولة إقليمية جديدة تشمل إيران والخليج والقواعد الأميركية.
أما التداعيات اللبنانية، فستكون الأخطر. سقوط علي الطاهر قد يعني انهيار الترتيب القائم حول المنطقة وعودة جبهة الجنوب إلى التصعيد، خصوصًا أن مستقبل المرتفعات مرتبط أيضًا بالخلاف حول تسليمها للجيش اللبناني والانسحاب الإسرائيلي منها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سترد إيران؟ بل: كيف سترد، وبأي سقف؟ المرجح أن تختار طهران ردًا يحفظ صورتها كقوة لا تتراجع عن تهديداتها، لكنه لا يمنح إسرائيل ذريعة سهلة لفتح حرب أوسع. غير أن الخطر يكمن في أن الحسابات قد تنهار بعد الضربة الأولى؛ فحين تدخل الصواريخ والمسيّرات والقواعد الأميركية والخليج في المعادلة، يصبح التحكم بمسار التصعيد أصعب بكثير من التحكم بقرار بدايته.











