لا يعرف المرء إن كان عليه أن يضحك أم يبكي حين يقرأ بيانًا لفصيل مُقولَب، أو يسمع تصريحًا لقائد أسير أوهامه، يظنّ أنّه يُطبّق خطّة إلهية لا تقبل الشكّ ولا تحتمل النقاش. وأفعال هؤلاء أفظع من كلماتهم المضلّلة؛ فقد عاثوا فسادًا أينما حلّوا. القضية معهم تتجاوز مسألة السلاح بكثير؛ إنّها "ثقافة موت" تتنافى مع أبسط قيم "ثقافة الحياة"، ولا تنسجم إطلاقًا مع متطلّبات عصر الذكاء الفائق. ومن حقّ أصحاب هذه الثقافة أن يعيشوا كما يريدون، لكن لا شرعية لهم في فرض ثقافتهم على الآخرين أو تحميلهم تبعات خياراتهم الانتحارية. وهنا يكمن جوهر المعضلة.
كيف يستطيع الساعون إلى السعادة والعيش الحرّ والآمن تحييد التأثيرات السلبية لأجندات عقائدية لا تعنيهم؟ ربّما تكمن الحقيقة المُرّة في استحالة التخلّص التامّ من تداعياتها، بيد أن "الحواجز الوقائية" قد تخفّف من وطأتها عليهم. ومن واجبهم اتّخاذ كلّ القرارات والخطوات الكفيلة بإبعادهم من حافة الهاوية وإنقاذ مجتمعاتهم وأجيالهم الصاعدة، مهما بلغت راديكاليّتها. تُعلّمنا تجارب التاريخ أن لا شيء مقدّس أمام حياة الإنسان وحرّيته وكرامته؛ لا دستور ولا نظام ولا حدود ولا أيّ "خط أحمر"، أيًّا كان من رسمه. ولكلّ مشروع، بالطبع، حساباته المعقّدة وتوقيته المناسب، لكن على المجتمعات الحرّة أن تبقى مهيّئة لمواجهة السيناريوات المتطرّفة، إن أرادت النجاة من الاضطهاد أو الاندثار.
لا يرحم التاريخ من يُساوم تنظيمات أو أنظمة لا تعترف به إنسانًا تتساوى حقوقه مع حقوق أتباعها، أو تراه كائنًا بيولوجيًّا لا يستحقّ الحياة! غريب كيف تُحوّل جماعات محيطها إلى جحيم لا يُطاق لأنّها موعودة بالجنّة في الآخرة! والمدهش حقًّا كيف يختار بعضهم، بدافع مصلحة ضيّقة أو غباوة لا حدود لها، أن يسوق مجتمعه إلى الذبح، فيما يُنظّر بفخر لرؤيته المُهلكة، ويُخوّن كلّ من يُحذّر من سلوك هذا المسار القاتل. إنّ الذمّي المختبئ خلف أقنعة الخداع المزخرفة أشدّ خطورة من جحافل جرّارة من السفّاحين والقتلة، وإنّ الإسخريوطي الماكر أشدّ خطرًا على بيئته من التهديدات الوجودية التي يُطلقها ألدّ أعدائها.
قد تكون الحقيقة قاسية، خصوصًا في المراحل المفصلية من حياة الأفراد والمجتمعات، إلّا أنّ الاعتراف بها كما هي يبقى شرطًا ضروريًّا في رحلة الشفاء الشاقّة. فلا يمكن لأيّ مجتمع حرّ أن يستعيد عافيته ما لم يُحسن تشخيص مرضه وعلاجه. غالبًا ما يُعمي الخوف بصيرة الإنسان، لكنّ الناقمين على واقعهم الظالم مدعوّون إلى تأمّل "الصورة الكبيرة" واغتنام فترات الاضطراب للخروج من مأزقهم والتحرّر من العقود التي فقدت صلاحيتها. فالفوضى سُلّم لا يتسلّقه إلّا من يُجيد اقتناص الفرص. ومن وضحت غايته لا تُثنيه المشقّات عن بلوغها، ومن اتّسع أفقه لا يرى في العقبات نهاية الطريق.










