لم يعد خافياً أن سلوك “الحزب” منذ أيام تجاوز مرحلة الضغط السياسي التقليدي ليتحول إلى إعلان عصيان أمني متكامل الأركان بوجه الشرعية؛ التي لا تواجه اعتراضاً على توقيفات قضائية ومصادرة شحنة متفجرات فحسب، بل عملية قرصنة موصوفة تهدف إلى إخضاع مؤسسات الدولة العسكرية والقضائية لمنطق الغابة. هذه الوقاحة المستجدة تضع لبنان أمام حقيقة داهمة لا تقبل التأجيل: إما انتفاضة شرعية شاملة تقودها الدولة بقواها الذاتية لتطبيق مندرجات قرار 2 آذار السيادي، وإما أن تسقط الدولة في فخ الإذعان لتهديدات “الحزب” التي لم تجلب للبنان سوى الحروب والكوارث والموت المستدام؛ وتُبشّر بالمزيد!
هذا المنعطف الخطير فرضه لجوء “الحزب” في الأيام الأخيرة إلى سياسة التصعيد المزدوج، سياسياً وميدانياً، في محاولة يائسة وبائسة للالتفاف على القرارات الحكومية وأحكام القانون ولجم الأجهزة الأمنية والعسكرية. والهدف المكشوف لهذا الاستنفار هو محاصرة التحقيقات المتواصلة في فضيحة شحنة “متفجرات الاغتيالات” المضبوطة في ضهر البيدر، ومنع القضاء من إصدار واستكمال الاستنابات القضائية وتوقيف المتورطين المباشرين من كوادره وعناصره، ما يعكس بوضوح حالة الذعر والإرباك التي تعيشها هذه المطابخ الحزبية أمام جدية الدولة والإجراءات الحاسمة هذه المرة كما يبدو؛ بدءاً من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة إلى مباشرة التنفيذ من قائد الجيش والأجهزة المعنية.
لم يتردد “الحزب” في رفع لواء العصيان العلني متجاوزاً كل الخطوط الحمر، حيث وجه عبر منابره وإعلامه ونوابه تهديدات مباشرة ووقحة للسلطة السياسية والعسكرية، متوعداً إياها من مغبة المضي في الإجراءات ومحذراً الأجهزة من تنفيذ القرارات القضائية. وفي تحدٍّ فجّ للشرعية، أعلن بالفم الملآن رفضه المطلق لقرار 2 آذار القاضي باعتبار أنشطته العسكرية والأمنية خارجة عن القانون، معتبراً نفسه فوق الدولة والقانون، ومهدداً بعواقب وخيمة وبأن “الضغط على ناسنا والتنمّر عليهم سيؤدي إلى انفجار بات على الحافة”، و”إيصال البلد إلى احتقان داخلي خطير”، ومتهماً الدولة ومحذراً إياها “من الخضوع للإملاءات الأميركية” لإجبارها على الرضوخ والتراجع.
ومن الواضح أن “الحزب” انتقل سريعاً إلى ترجمة التهديد اللفظي ميدانياً على الأرض، من خلال “البروفة” الترهيبية في غزوة الدراجات النارية والانتشار الكثيف لعناصر “الحزب” في شوارع بيروت الكبرى، في رسالة موجهة لإخضاع الدولة واللبنانيين وإثبات أن لغة السلاح ما تزال قادرة على لجم الإرادة الشرعية. لكن الدولة لم تتفرج هذه المرة، وانتشر الجيش في بيروت وفي الضاحية الجنوبية وعلى مداخلها وضبط الأمن.













