🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

رشفة التمرّد - جوزيف حبيب | نداء الوطن

✍️ جوزيف حبيب

هذا يومٌ من نسج الخيال، لم نخترع من تفاصيله إلا الخيط الذي يجمعها. نقتفي ساعاته المعدودات في حياة صديقتين في طهران، تحمل كلٌّ منهما أمنية أن ترى إيران حين تنقشع عنها ظلمة الملالي. صباح الأربعاء...

هذا يومٌ من نسج الخيال، لم نخترع من تفاصيله إلا الخيط الذي يجمعها. نقتفي ساعاته المعدودات في حياة صديقتين في طهران، تحمل كلٌّ منهما أمنية أن ترى إيران حين تنقشع عنها ظلمة الملالي. صباح الأربعاء الفائت، الذي صادف ذكرى الاستيلاء على السفارة الأميركية عام 1979، خرجت إحداهما، مهسا، من منزلها بلا حجاب، متوجّهةً إلى مقهى عصريّ لاحتساء القهوة وقراءة كتاب تتناقض أفكاره جذريًّا مع العقيدة الشمولية للجمهورية الإسلامية. وأثناء سيرها في الشارع، حيث سالت دماء بريئة مطلع العام، أثار ريبتها رجال موالون لطغاة طهران، كانوا يحدّقون بها بازدراء لأنّها سافرة. واسترعت انتباهها أيضًا مسيرة قرب المقرّ السابق للسفارة الأميركية، رفع فيها متظاهرون مؤدلجون رايات الموت ولافتات الثأر، وردّدوا مرارًا، بأصوات عالية: "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"!

التقطت مهسا أطراف حديث بين مشاركَين مسنّين في التجمّع، خلاصته أن الجمهوريين هُزموا في الانتخابات النصفية الأميركية بفضل "سواعد أبطال إيران". وكانت البهجة ترتسم على محيّيهما احتفالًا بخسارة "حزب ترامب". تابعت الحسناء طريقها، متحسّرةً على حال إيران ومستوى الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من أبناء بلدها. وبعد دقائق، بلغت المقهى. دخلت وطلبت قهوتها، ثم جلست إلى طاولة صغيرة مستديرة قرب واجهة زجاجية ضخمة تطلّ على أحد شوارع طهران الراقية. فتحت كتابها واستأنفت القراءة من حيث توقّفت آخر مرّة. وفجأة، اقتربت صديقتها نرجس خلسةً من خلفها، وأطبقت كفّيها على عينيها. التفتت مهسا إليها، وتبادلتا القبل والضحكات.

بعد أن اطمأنّت كلٌّ منهما إلى أحوال الأخرى وعائلتها، سألت نرجس صديقتها بصوت خافت لا يخلو من التهكّم: "أرأيتِ التجمّع في الشارع القريب؟ إنّهم يحتفلون بهزيمة ترامب! ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم؟ ألا يعيشون بيننا ويعانون ما نعانيه يوميًّا؟". سارعت مهسا إلى الردّ بنبرة امتزجت فيها الثقة بالاشمئزاز: "أتظنّين أنّ من قتل عشرات الآلاف من مواطنيه العزّل في الساحات والشوارع خلال يومَين فقط بقي لديه أدنى قدر من الحياء؟"، ثم أضافت: "لقد جعلوا بلادنا عدوّة للعالم الحرّ منذ عام 1979، وأغرقوها في المآسي والمحن والفساد والعقوبات والحصار... لم يعد الوضع يحتمل مزيدًا من الاستنزاف، ولا سبيل إلى الخلاص منهم سوى إسقاط النظام، بطريقة أو بأخرى".

تنهّدت نرجس بعمق، وأشعة الشمس تنعكس على شعرها الأشقر المنسدل، وقالت بأسى: "لا أمل لنا سوى مغادرة هذا المكان إلى أميركا، حيث نتمتّع بحقوقنا ونستطيع محاسبة المسؤولين من دون أن نتعرّض للاضطهاد أو السجن أو الإعدام أو القتل". صمتت برهة، ثم أضافت وعيناها مغرورقتان بالدموع: "قُتل أخي بدم بارد في كانون الثاني، على مقربة من هنا، لأنّه كان يطالب بحياة أفضل لنا جميعًا. والأنكى أنّهم ضيّقوا علينا وتدخّلوا حتى في ترتيبات الجنازة. أيُعقل هذا؟". وسخرت من تفاهة بروباغندا نظام آيات الله، معتبرةً أنّ المعارضين في أميركا يستطيعون قلب المعادلة عبر صناديق الاقتراع، فيما يُرسّخ الملالي سطوتهم بإرسال أبناء شعبهم إلى قبورهم قبل الأوان.

وضعت مهسا يدها على يد مَن تعدّها أختًا لها، وشدّت عليها مواسيةً: "لا تفقدي الأمل يا نرجس. لم يُقتل آزاد لنستسلم ونغادر الأرض التي ارتوت بدمائه ودماء شهدائنا. لا يحقّ لنا أن نستكين بعد كلّ ما قاسيناه. سيأتي يوم نُحرّر فيه بلادنا من حكم القتلة والمتخلّفين. لقد جارت علينا الأيّام منذ أن اغتصبت الثورة الإسلامية إيران، لكنّ المستقبل لن يرحم مَن يقف في وجه الأحرار متى عقدوا العزم على إكمال المهمّة. سننتزع حقّنا بأيدينا، ولو بعد حين". ابتسمت نرجس بفتور وأومأت موافقةً، ثم ارتشفت قهوتها، متخيّلةً إيران حرّة، بلا جمهورية إسلامية ولا مرشد ولا حرس. لا يُخطِئنَّ أحدٌ الحساب؛ فالمناضلون الحالمون وحدهم يصنعون التاريخ.

المصدر الأصلي

هذا يومٌ من نسج الخيال، لم نخترع من تفاصيله إلا الخيط الذي يجمعها. نقتفي ساعاته المعدودات في حياة صديقتين في طهران، تحمل كلٌّ منهما أمنية أن ترى إيران حين تنقشع عنها ظلمة الملالي. صباح الأربعاء الفائت، الذي صادف ذكرى الاستيلاء على السفارة الأميركية عام 1979، خرجت إحداهما، مهسا، من منزلها بلا حجاب، متوجّهةً إلى مقهى عصريّ لاحتساء القهوة وقراءة كتاب تتناقض أفكاره جذريًّا مع العقيدة الشمولية للجمهورية الإسلامية. وأثناء سيرها في الشارع، حيث سالت دماء بريئة مطلع العام، أثار ريبتها رجال موالون لطغاة طهران، كانوا يحدّقون بها بازدراء لأنّها سافرة. واسترعت انتباهها أيضًا مسيرة قرب المقرّ السابق للسفارة الأميركية، رفع فيها متظاهرون مؤدلجون رايات الموت ولافتات الثأر، وردّدوا مرارًا، بأصوات عالية: "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"!

التقطت مهسا أطراف حديث بين مشاركَين مسنّين في التجمّع، خلاصته أن الجمهوريين هُزموا في الانتخابات النصفية الأميركية بفضل "سواعد أبطال إيران". وكانت البهجة ترتسم على محيّيهما احتفالًا بخسارة "حزب ترامب". تابعت الحسناء طريقها، متحسّرةً على حال إيران ومستوى الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من أبناء بلدها. وبعد دقائق، بلغت المقهى. دخلت وطلبت قهوتها، ثم جلست إلى طاولة صغيرة مستديرة قرب واجهة زجاجية ضخمة تطلّ على أحد شوارع طهران الراقية. فتحت كتابها واستأنفت القراءة من حيث توقّفت آخر مرّة. وفجأة، اقتربت صديقتها نرجس خلسةً من خلفها، وأطبقت كفّيها على عينيها. التفتت مهسا إليها، وتبادلتا القبل والضحكات.

بعد أن اطمأنّت كلٌّ منهما إلى أحوال الأخرى وعائلتها، سألت نرجس صديقتها بصوت خافت لا يخلو من التهكّم: "أرأيتِ التجمّع في الشارع القريب؟ إنّهم يحتفلون بهزيمة ترامب! ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم؟ ألا يعيشون بيننا ويعانون ما نعانيه يوميًّا؟". سارعت مهسا إلى الردّ بنبرة امتزجت فيها الثقة بالاشمئزاز: "أتظنّين أنّ من قتل عشرات الآلاف من مواطنيه العزّل في الساحات والشوارع خلال يومَين فقط بقي لديه أدنى قدر من الحياء؟"، ثم أضافت: "لقد جعلوا بلادنا عدوّة للعالم الحرّ منذ عام 1979، وأغرقوها في المآسي والمحن والفساد والعقوبات والحصار... لم يعد الوضع يحتمل مزيدًا من الاستنزاف، ولا سبيل إلى الخلاص منهم سوى إسقاط النظام، بطريقة أو بأخرى".

تنهّدت نرجس بعمق، وأشعة الشمس تنعكس على شعرها الأشقر المنسدل، وقالت بأسى: "لا أمل لنا سوى مغادرة هذا المكان إلى أميركا، حيث نتمتّع بحقوقنا ونستطيع محاسبة المسؤولين من دون أن نتعرّض للاضطهاد أو السجن أو الإعدام أو القتل". صمتت برهة، ثم أضافت وعيناها مغرورقتان بالدموع: "قُتل أخي بدم بارد في كانون الثاني، على مقربة من هنا، لأنّه كان يطالب بحياة أفضل لنا جميعًا. والأنكى أنّهم ضيّقوا علينا وتدخّلوا حتى في ترتيبات الجنازة. أيُعقل هذا؟". وسخرت من تفاهة بروباغندا نظام آيات الله، معتبرةً أنّ المعارضين في أميركا يستطيعون قلب المعادلة عبر صناديق الاقتراع، فيما يُرسّخ الملالي سطوتهم بإرسال أبناء شعبهم إلى قبورهم قبل الأوان.

وضعت مهسا يدها على يد مَن تعدّها أختًا لها، وشدّت عليها مواسيةً: "لا تفقدي الأمل يا نرجس. لم يُقتل آزاد لنستسلم ونغادر الأرض التي ارتوت بدمائه ودماء شهدائنا. لا يحقّ لنا أن نستكين بعد كلّ ما قاسيناه. سيأتي يوم نُحرّر فيه بلادنا من حكم القتلة والمتخلّفين. لقد جارت علينا الأيّام منذ أن اغتصبت الثورة الإسلامية إيران، لكنّ المستقبل لن يرحم مَن يقف في وجه الأحرار متى عقدوا العزم على إكمال المهمّة. سننتزع حقّنا بأيدينا، ولو بعد حين". ابتسمت نرجس بفتور وأومأت موافقةً، ثم ارتشفت قهوتها، متخيّلةً إيران حرّة، بلا جمهورية إسلامية ولا مرشد ولا حرس. لا يُخطِئنَّ أحدٌ الحساب؛ فالمناضلون الحالمون وحدهم يصنعون التاريخ.

المصدر الأصلي

هذا يومٌ من نسج الخيال، لم نخترع من تفاصيله إلا الخيط الذي يجمعها. نقتفي ساعاته المعدودات في حياة صديقتين في طهران، تحمل كلٌّ منهما أمنية أن ترى إيران حين تنقشع عنها ظلمة الملالي. صباح الأربعاء الفائت، الذي صادف ذكرى الاستيلاء على السفارة الأميركية عام 1979، خرجت إحداهما، مهسا، من منزلها بلا حجاب، متوجّهةً إلى مقهى عصريّ لاحتساء القهوة وقراءة كتاب تتناقض أفكاره جذريًّا مع العقيدة الشمولية للجمهورية الإسلامية. وأثناء سيرها في الشارع، حيث سالت دماء بريئة مطلع العام، أثار ريبتها رجال موالون لطغاة طهران، كانوا يحدّقون بها بازدراء لأنّها سافرة. واسترعت انتباهها أيضًا مسيرة قرب المقرّ السابق للسفارة الأميركية، رفع فيها متظاهرون مؤدلجون رايات الموت ولافتات الثأر، وردّدوا مرارًا، بأصوات عالية: "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"!

التقطت مهسا أطراف حديث بين مشاركَين مسنّين في التجمّع، خلاصته أن الجمهوريين هُزموا في الانتخابات النصفية الأميركية بفضل "سواعد أبطال إيران". وكانت البهجة ترتسم على محيّيهما احتفالًا بخسارة "حزب ترامب". تابعت الحسناء طريقها، متحسّرةً على حال إيران ومستوى الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من أبناء بلدها. وبعد دقائق، بلغت المقهى. دخلت وطلبت قهوتها، ثم جلست إلى طاولة صغيرة مستديرة قرب واجهة زجاجية ضخمة تطلّ على أحد شوارع طهران الراقية. فتحت كتابها واستأنفت القراءة من حيث توقّفت آخر مرّة. وفجأة، اقتربت صديقتها نرجس خلسةً من خلفها، وأطبقت كفّيها على عينيها. التفتت مهسا إليها، وتبادلتا القبل والضحكات.

بعد أن اطمأنّت كلٌّ منهما إلى أحوال الأخرى وعائلتها، سألت نرجس صديقتها بصوت خافت لا يخلو من التهكّم: "أرأيتِ التجمّع في الشارع القريب؟ إنّهم يحتفلون بهزيمة ترامب! ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم؟ ألا يعيشون بيننا ويعانون ما نعانيه يوميًّا؟". سارعت مهسا إلى الردّ بنبرة امتزجت فيها الثقة بالاشمئزاز: "أتظنّين أنّ من قتل عشرات الآلاف من مواطنيه العزّل في الساحات والشوارع خلال يومَين فقط بقي لديه أدنى قدر من الحياء؟"، ثم أضافت: "لقد جعلوا بلادنا عدوّة للعالم الحرّ منذ عام 1979، وأغرقوها في المآسي والمحن والفساد والعقوبات والحصار... لم يعد الوضع يحتمل مزيدًا من الاستنزاف، ولا سبيل إلى الخلاص منهم سوى إسقاط النظام، بطريقة أو بأخرى".

تنهّدت نرجس بعمق، وأشعة الشمس تنعكس على شعرها الأشقر المنسدل، وقالت بأسى: "لا أمل لنا سوى مغادرة هذا المكان إلى أميركا، حيث نتمتّع بحقوقنا ونستطيع محاسبة المسؤولين من دون أن نتعرّض للاضطهاد أو السجن أو الإعدام أو القتل". صمتت برهة، ثم أضافت وعيناها مغرورقتان بالدموع: "قُتل أخي بدم بارد في كانون الثاني، على مقربة من هنا، لأنّه كان يطالب بحياة أفضل لنا جميعًا. والأنكى أنّهم ضيّقوا علينا وتدخّلوا حتى في ترتيبات الجنازة. أيُعقل هذا؟". وسخرت من تفاهة بروباغندا نظام آيات الله، معتبرةً أنّ المعارضين في أميركا يستطيعون قلب المعادلة عبر صناديق الاقتراع، فيما يُرسّخ الملالي سطوتهم بإرسال أبناء شعبهم إلى قبورهم قبل الأوان.

وضعت مهسا يدها على يد مَن تعدّها أختًا لها، وشدّت عليها مواسيةً: "لا تفقدي الأمل يا نرجس. لم يُقتل آزاد لنستسلم ونغادر الأرض التي ارتوت بدمائه ودماء شهدائنا. لا يحقّ لنا أن نستكين بعد كلّ ما قاسيناه. سيأتي يوم نُحرّر فيه بلادنا من حكم القتلة والمتخلّفين. لقد جارت علينا الأيّام منذ أن اغتصبت الثورة الإسلامية إيران، لكنّ المستقبل لن يرحم مَن يقف في وجه الأحرار متى عقدوا العزم على إكمال المهمّة. سننتزع حقّنا بأيدينا، ولو بعد حين". ابتسمت نرجس بفتور وأومأت موافقةً، ثم ارتشفت قهوتها، متخيّلةً إيران حرّة، بلا جمهورية إسلامية ولا مرشد ولا حرس. لا يُخطِئنَّ أحدٌ الحساب؛ فالمناضلون الحالمون وحدهم يصنعون التاريخ.

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment