صدى الارز

مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

قواعد الإمساك بمطرقة “النواب اللبناني”

بقلم : فدى مكداشي - درجت العادة في لبنان بتغليب الأعراف على القوانين، وحتى على الدستور الذي يعتبر السلطة الأسمى في البلاد، وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح عندما تصبح هذه الأعراف أدوات ضرورية تعرض البلاد لحالة من الاضطراب القانوني، إذ يوظف الدستور في هذا السياق بما يخدم مصالح سياسية وطائفية بدلاً من الالتزام بمضمونه وروحه.

على رغم أن الدستور اللبناني ينص بوضوح على ضرورة استمرار الجلسات البرلمانية لانتخاب رئيس للبلاد، يتجه الواقع في البلاد نحو اعتماد الاجتهادات الشخصية وتطبيق الأعراف بشكل يتيح تجاوز الالتزامات الدستورية، كما في حالة إقرار موازنة 2024. هذه الممارسة، التي كان ينبغي تأجيلها لمصلحة انتخاب رئيس جمهورية جديد، تعكس تفضيلاً للأعراف على الأولويات الواضحة في الدستور، بخاصة أن الغالبية البرلمانية كانت حاضرة وجاهزة للانتخاب.

النقاش الذي حدث بين رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري وعضو البرلمان ملحم خلف، حول تفسير الدستور خلال جلسة الموازنة، والذي انتهى بتهديد بري بإخراج خلف من الجلسة، يبرز التحديات التي تواجه الحكومة اللبنانية في تطبيق القانون بشكل فعال، وهذا الصدام يطرح تساؤلات حول الصلاحيات الممنوحة لرئيس البرلمان وكيف تتم إدارتها، بخاصة عندما يتعلق الأمر بتقديم الأعراف على النظام القانوني المعترف به رسمياً.

القانون في إدارة الجلسات

وعما يرعى علاقة إدارة الجلسات داخل المجلس وأعمال اللجان وكل ما يطاول عمل المجلس النيابي، قال نقيب المحامين السابق في لبنان النائب ملحم خلف، في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، إن “هناك قانوناً صدر في 18 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1994 يعرف بالنظام الداخلي لمجلس النواب، وهذا النظام ينظم تلك الأمور”. وأضاف، “ووفقاً للمادة 69 من النظام الداخلي، يمنح كل نائب الحق في الكلام مرة واحدة في كل أمر طارئ يتعلق بالنظام الداخلي مما يعني أن لكل نائب أن يطرح أمراً يرى فيه ضرورة وأولوية عندما يبدأ افتتاح الجلسة وعندما نتكلم بالنظام هو تنبيه لما قد يكون مخالف ليس فقط للنظام إنما أيضاً لأمر أكبر وهو بالتأكيد ما يطاول تطبيق الدستور”.

ويرى خلف أن “هذا الأمر هو حق أساسي للنائب، وينبغي توفيره قبل بدء أي نقاش، لأنه قد يؤدي إلى اتخاذ قرار استناداً إلى ما يطرحه في شأن الإجراءات النظامية. لكن في بعض الأحيان، يلاحظ أن الأساس القانوني للجلسة لم يعلن أو أن الأساس المذكور لا يتوافق مع ما يفترض اتباعه، مما يستدعي الانتباه إلى اتباع مسار دستوري وقانوني صحيح قبل الشروع في المناقشات”.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

واعتبر أن “النائب يمثل الأمة جمعاء ووكالته لا تقيض ولا شرط عليها حتى من قبل منتخبيه”، موضحاً أنه “عندما طلب الكلام لم يعط الحديث وهنا حدث إصرار على الحق بالأولوية في هذا الكلام. وبالتالي، إن الإصرار لا يقارب بأي وقت من الأوقات بالتمرد ولا بتخطي نظام الجلسات والكلام لأن هناك مادة في النظام تقول إن تمرد النائب على نظام الجلسات (أي المادة 99) أو نظام الكلام فيها ينزل الرئيس منفرداً أي من العقوبتين وهي تشمل أولاً التنبيه للعودة إلى النظام والتنبيه مع التسجيل في محضر الجلسة”.

وتابع نقيب المحامين السابق، “أما في حال رغب رئيس البرلمان بفرض العقوبة الأشد، وهي الإخراج من الجلسة، لا يمكن تطبيقها من دون الرجوع أولاً إلى هيئة المكتب للتشاور. لذا، لا يسمح بتنفيذ مثل هذه العقوبة بشكل فردي ويتطلب الأمر تمرداً فعلياً والإصرار على الحق في التحدث لا يعتبر تمرداً. بناءً عليه، لا يمكن لأي شخص، مهما كان مركزه، أن يخرج نائباً يتقدم بطلب للحديث بطريقة نظامية من القاعة العامة، فهذا يتجاوز كل التوقعات ولا يتفق مع الإجراءات المقبولة ما لم يكن هناك تمرد واضح، مما يعني أننا خارج نطاق الإجراء النظامي”.

مبادئ القانون الدستوري

وعن المبادئ الأساسية للقانون الدستوري، يشير ملحم خلف إلى أنها “تنطلق من مبدأ استمرارية السلطة أو ما يعرف باستمرارية الدولة، فلا يمكن تحت أي ذريعة أو سبب أن يذهب بنا التعطيل كقاعدة لتعطيل المؤسسات والدولة. وضمن هذا المفهوم، فإن كل تفسير أو مقاربة لإنفاذ النصوص القانونية يجب أن تذهب إلى تسيير العمل بالدستور”.

ورأى أن “الدستور واضح وضوحاً لا جدلية حوله وهذه بموافقة الفقهاء الدستوريين. مثلاً، الدكتور وليد عبلا يشرح المادة 74 وهي تقول (عندما تخلو سدة الرئاسة لأي سبب، لانتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً وبحكم القانون أي لا يوجد إمكانية إلا أن ينتخب رئيس للجمهورية، فمبدأ استمرارية الدولة يتنافى بطبيعته مع الحق بالتعطيل، مما يعني إذا اجتمعوا بغالبية النواب، أي في حال اجتمع 86 نائباً كما حدث في الجلسة الأخيرة داخل قبة البرلمان وكان رئيس المجلس موجوداً، تفرض عليه انتخاب رئيس للجمهورية وهذه تبقى منعقدة لحين انتخاب رئيس جديد)”.

ومضى خلف في شرحه، “قلت للرئيس بري نحن نمتلك أكثر من 86 نائباً حاضرين، ووفقاً للدستور، فإن الجلسة باتت إلزامية لتكون مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية قبل التطرق لأي مسألة أخرى، كما تنص المادة 75. وبالتالي، الجلسة تصبح بمثابة هيئة انتخابية بدلاً من تشريعية مع التزام فوري ببدء عملية التصويت لاختيار رئيس للدولة من دون الخوض في أي نقاشات أخرى”، معتبراً أن “وضوح الدستور يلزمنا بالمضي قدماً نحو انتخاب رئيس، وهذا ما كنت مصراً عليه قبل البدء بمناقشة تقرير رئيس لجنة المال والموازنة”.

التصويت الإلكتروني

وعن أهمية تفعيل التصويت الإلكتروني، أشار ملحم خلف إلى “حدوث فوضى في عملية التصويت الأخيرة إذ لم يعرف أي نائب على ماذا صوت”، مؤكداً في الوقت عينه “أهمية أن يصبح هذا الأمر ضرورياً لأن التصويت يعبر عن إرادة النائب وهي ذات أهمية لأنها تؤكد اتجاه التشريع”. وتمسك بـ”ضرورة التطور لتحديث عملية التشريع وتحسين صورتها لمواكبة العصر، بخاصة أن المجلس مجهز بالأدوات اللازمة لهذا الغرض”.

وختم خلف حديثه بتأكيد “أهمية تطبيق النظام الداخلي بطريقة تحترم سيادة القانون”، مشدداً على أن “السلطة التشريعية مسؤولة عن رقابة القوانين وضمان تنفيذها بكفاءة، وأن تحديث وسائل التصويت يعد جزءاً لا يتجزأ من إدارة هذه المسؤولية”.

في السياق، لفت نائب رئيس المجلس الوطني للإعلام، إبراهيم عوض، الانتباه إلى أن “النظام الداخلي لمجلس النواب نص على أنه في حال ارتكب أحد النواب مخالفات أو تصرف بشكل يسيء إلى البرلمان أو زملائه، أو تعدى على كرامات شخصية، يحق لرئيس المجلس الطلب من النائب المعني الخروج من الجلسة بعد توجيه إنذار له”.

أما في شأن النص الدستوري المتعلق بمجلس النواب، فقال “أنا لست خبيراً دستورياً، ولكن عندما ننظر إلى موقف النواب الذين صوتوا لمصلحة الموازنة، من غير المعقول الاعتقاد أن جميعهم خرقوا الدستور. مع كامل الاحترام لملحم خلف وخبرته الدستورية، يبدو أن قرار مجلس النواب كان صحيحاً بنسبة مئة في المئة”. وأضاف، “لا بد من ملاحظة بعض التوترات والمواجهات الكلامية إضافة إلى التصرفات التي تخرج عن حدود اللياقة العامة، وذلك خلال جلسات التصويت وعند الإعلان عن قرارات تعكس إرادة الشعب اللبناني”.

ورداً على سؤال حول رأيه عن التصويت الإلكتروني، قال “من الضروري التوجه نحو هذا التطور التكنولوجي في جميع جوانب حياتنا اليومية. ومع ذلك، يبدو أن هناك تحديات مالية وتقنية تعوق التقدم بهذا الاتجاه وتتطلب المزيد من الوقت لتحضير العملية بشكل مناسب”.

وتناول الانتقادات الموجهة إلى مجلس النواب، مشيراً إلى أن “برلمانات العالم العربي تظهر أن بعضها لا يحظى بالحريات نفسها، ويبدو أن البرلمان اللبناني هو من بين الأفضل في العالم العربي، إذ يتمتع بحريات مكفولة دستورياً ومذكورة في مقدمة الدستور، على رغم بعض العيوب القائمة”.

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكتشاف المزيد من صدى الارز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading