في إطار سعي لبنان إلى استكمال المتطلبات المرتبطة بالخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وافقت لجنة المال والموازنة الأسبوع الماضي على
مشروع قانون تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015
، وذلك قبل أسابيع من موعد صدور تقرير مجموعة العمل المالي (FATF) التقييمي حول التقدّم الذي أحرزه لبنان في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والمرتقب بين 26 و30 الشهر الجاري.
«نداء الوطن» حصلت على نسخة من مشروع القانون المعدّل للقانون، الوارد بالمرسوم رقم ٢١٤١ الرامي الى تعديل القانون رقم ٤٤ (مكافحة تبييض الأموال و تمويل الإرهاب) رقم 2141 وأُحيل إلى مجلس النواب في كانون الأول 2025. ماذا تضمّنت التعديلات التي أُجريت على القانون الأساسي؟
لا تقتصر التعديلات المقترحة في مشروع القانون على تشديد العقوبات، بل تشمل توسيع تعريف الأموال غير المشروعة والجرائم المرتبطة بها، وتجريم أفعال إضافية تتعلق بحيازة الأموال واستخدامها وإخفاء مصادرها وحركتها وملكيتها. كذلك، توسّع التعديلات دائرة الجهات الخاضعة للرقابة لتشمل مزوّدي خدمات الأصول الافتراضية، وتفرض موجبات إضافية على المحامين في أنشطة محدّدة، فضلًا عن تشديد الغرامات وإدراج مكافحة تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل ضمن أحكام القانون.
النائب ألان عون الذي شارك في اجتماعات لجنة المال والموازنة للبحث في مشروع تعديل القانون رقم 44/2015 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، قال لـ"نداء الوطن" إن "إقرار هذه التعديلات هو خطوة أساسية لاستكمال لبنان الإجراءات المطلوبة من أجل تحصين وضعه في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ما سيفتح له الباب لرفعه عن اللائحة الرمادية في التقييم المقبل سنة 2027. ولكن ذلك سيبقى مرهونًا بالتنفيذ وبقيام السلطات الأمنية والقضائية بواجباتها بموجب هذا القانون للحدّ من هذه الجرائم المالية".
فما الذي تغيّر تحديدًا في النصوص القانونية، وكيف أصبحت صياغتها في المشروع الجديد؟
الأموال غير المشروعة
عرّفت المادة الأولى من القانون الأساسي رقم 44/2015 الأموال غير المشروعة. في مشروع القانون المعدّل، تمّ توسيع نطاق الأموال الواردة ليشمل المتحصّلات المباشرة وغير المباشرة، وبذلك أصبح النصّ:
"يُقصد بالأموال غير المشروعة، بمفهوم هذا القانون، الأصول المادية أو غير المادية، المنقولة أو غير المنقولة، بما فيها الوثائق أو المستندات القانونية التي تثبت حق ملكية تلك الأصول أو أية حصة فيها، أو المتحصلات، سواء أكانت بصورة مباشرة أو غير مباشرة ،
الناتجة عن ارتكاب أو محاولة ارتكاب جرائم معاقب عليها، أو من الاشتراك في أي من الجرائم الآتية، سواء حصلت هذه الجرائم في لبنان أو خارجه".
كما تمّت إضافة جريمتين إلى الأفعال التي اعتبرتها تلك المادة جرائم:
في البند 20 : تمّت إضافة فعل «إحداث جروح بدنية جسيمة» إلى القتل. كما أُضيف بند وهو رقم 22:"الاتجار بالسلع المسروقة أو الاتجار غير المشروع بالسلع". وهما من الأفعال التي يمكن أن تُعدّ الأموال الناتجة عنها أموالًا غير مشروعة بمفهوم القانون.
تعريف تبييض الأموال
في المادة الثانية، تمّ توسيع تعريف تبييض الأموال. في النص المعدّل، لم يعد تبييض الأموال يقتصر على فعل إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو إعطاء تبرير كاذب محصور بمصدر المال، بل أصبح يشمل مكانه وحركته وملكيته والحقوق المرتبطة به وكيفية التصرف فيه. وأصبحت المادة المعدّلة كما يلي:
"يُعتبر تبييض أموال كل فعل يُقصد منه إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها، أو إعطاء تبرير كاذب للمصدر، بأي وسيلة كانت، مع العلم بأن الأموال موضوع الفعل غير مشروعة".
في البند الثاني من المادة نفسها، والمتعلق بتحويل الأموال أو نقلها أو استبدالها، بقي النص كما هو، وأُدرج بند ثالث في النص المعدّل، وهو: "اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها، مع العلم وقت استلامها بأنها عائدات جرمية". وبذلك بات الاكتساب أو الحيازة أو الاستخدام ضمن الأفعال التي تشكّل جريمة تبييض الأموال، إذا توافر العلم بالطبيعة الجرمية للعائدات وقت استلامها.
المسؤولية الجزائية
في ما يتعلق بالمسؤولية الجزائية، وفترة العقوبة، تمّ في مشروع القانون المعدّل، توسيع الأفعال التي يرتبط بها التجريم لتشمل التواطؤ والتآمر وإبداء المشورة، وعدّلت العقوبة. وبات النصّ المعدّل كما ورد في مشروع القانون:"يعاقب كل من أقدم أو حاول الإقدام أو حرّض أو سهّل أو تدخّل أو اشترك أو تواطأ أو تآمر أو أبدى المشورة في سبيل ارتكاب أو تسهيل:
-عمليات تبييض الأموال
بالأشغال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 7 سنوات وبغرامة لا تزيد عن مثلي المبلغ موضوع عملية التبييض.
- عمليات تمويل الإرهاب أو الأعمال المرتبطة بها، بالعقوبات المنصوص عليها بالمادة 316 مكرر والمواد 212 لغاية 222 ضمناُ من قانون العقوبات".
وبذلك توسّعت الأفعال لتشمل التواطؤ أو التآمر أو إبداء المشورة في سبيل ارتكاب أو تسهيل عمليات تمويل الإرهاب، وعدّلت العقوبة وتمّ تشديدها لتشمل "الأشغال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 7 سنوات...".
المؤسسات الخاضعة للرقابة
حدّدت المادة الرابعة من القانون المؤسسات الخاضعة للرقابة، وتمّت في النص المعدّل شمول الجهات الملزمة بموجبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مزوّدي خدمات الأصول الافتراضية. وبات النص المعدّل على الشكل التالي:
"على المصارف والمؤسسات المالية وشركات الإيجار التمويلي والمؤسسات التي تصدر وتروّج بطاقات الإيفاء أو الائتمان والمؤسسات التي تتعاطى التحاويل النقدية إلكترونيًا ومؤسسات الصرافة والشركات التي تتعاطى الوساطة المالية وهيئات الاستثمار الجماعي ومزوّدي خدمات الأصول الافتراضية ،
وأية مؤسسات تخضع لترخيص أو لرقابة مصرف لبنان، التقيّد بالموجبات المعدّدة أدناه وبالنصوص التنظيمية التي تصدر عن مصرف لبنان لغايات تطبيق أحكام هذا القانون".
توسيع موجبات المحامين
تضمّنت المادة الخامسة من قانون تبييض الأموال وتمويل الإرهاب إخضاع خدمات محدّدة يقدّمها المحامون للقانون، ولا سيما الخدمات المتعلقة بتأسيس الشركات وإدارتها وتمثيل أصحاب المصالح فيها، لموجبات مكافحة تبييض الأموال، ضمن آلية تراعي خصوصية المهنة. وأصبح النص المعدّل:
"أما المحامون، فعند قيامهم بالخدمات المبينة آنفًا"-(بيع وشراء...)-، "وعند قيامهم بالعمل كوكيل في تكوين الشركات أو العمل كمدير أو سكرتير شركة أو بتعيين مدير أو سكرتير للشخص المكلّف للقيام بعمل إداري وتنظيمي وتوثيقي وحفظ المطلوب، أو كشريك في شركة تضامن أو في منصب مماثل له علاقة بشركات أخرى، أو العمل كحامل أسهم لمصلحة شخص آخر (nominee)، أو العمل كوصي لبنية قانونية أو ائتمانية وظيفية مماثلة، أو الترتيب لشخص آخر للقيام بهذه الأعمال، تسري عليهم الموجبات نفسها المبينة أعلاه، على أن تحدّد أصول تطبيق هذه الموجبات بموجب آلية تضعها نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مهنة المحاماة وأنظمتها".
الغرامات المالية
لم يحصل أي تعديل على سائر المواد في القانون التي تلي المادة الخامسة، باستثناء المادة 13 التي تتعلق بالغرامات، وذلك في ما يخصّ من يخالف أحكام المواد 4 و5 و7 و10 و11، التي تتعلق بموجبات المصارف والمؤسسات المالية وشركات الإيجار التمويلي (المادة 4)، والمؤسسات غير الخاضعة لقانون سرية المصارف، مثل شركات التأمين ونوادي القمار وتجار ووسطاء العقارات وتجار السلع المرتفعة القيمة، مثل الحلي والذهب والأحجار الكريمة، والمحاسبين المجازين وكتّاب العدل (المادة 5)، وإبلاغ رئيس هيئة التحقيق الخاصة عن تفاصيل العمليات المنفّذة (المادة 7).
وتمّ تعديل قيمة الغرامة وباتت "لا تقل عن مئة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور". و في ما يلي نص الفقرة الأولى من المادة 13 كما عدّلت:
"يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة لا تقل عن
100 ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يخالف أحكام المواد الرابعة والخامسة والسابعة والعاشرة والحادية عشرة من هذا القانون".
كما جرى تعديل الغرامة في الفقرة المتعلقة بغرامات الهيئة المصرفية العليا، لتصبح: "للهيئة المصرفية العليا فرض غرامة مالية على المخالفين إليها لعدم تقيّدهم بالنصوص التنظيمية الصادرة لتطبيق أحكام هذا القانون، على ألّا تقل عن مئة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، وتُستوفى هذه الغرامات لصالح مصرف لبنان".
تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل
تمّت إضافة مادتان على القانون المعدّل وهما 19و20 وتتعلقان بتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل وبدء العمل بالقانون، وجاء فيهما:
المادة 19، تنصّ على التالي:"تُطبّق، حيث يلزم، موجبات هذا القانون لمنع وإيقاف انتشار أسلحة الدمار الشامل وتمويله".
المادة 20: «يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية».
إذًا، التعديلات التي أُجريت على قانون تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الصادر عام 2015 هي تعديلات لا تعتبر كبيرة ولكن تهدف إلى مواكبة متطلبات مجموعة العمل المالي. علماً أنه يمكن فعلًا ملاحظة الجهات المعنية الالتزام بموجبات القانون طوال العام الجاري، ولو ببطء، بهدف التمكّن من الخروج من اللائحة الرمادية، من خلال الصرّافين وشركات تحويل الأموال والمحاسبين العموميين وكتّاب العدل والمحامين...، الذين يتّبعون نموذج المساءلة ويطلبون المستندات التعريفية المطلوبة للتحاويل التي تتعدّى، مثلًا، الـ1000 دولار، كلّ ذلك بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة.










