كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.
في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)
أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.
ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)
عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.
حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.
شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)
وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.
درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)
فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.
بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.
أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)
فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.
تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.
وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.
كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.
مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.













