عندما قرّرت منظّمة التحرير الفلسطينيّة الانسحاب من بيروت عام 1982، عانت لأشهر قبل أن تجد دولا عربيّة مستعدّة لاستقبال مقاتليها. دول الخليج لم ترحّب بهم، ولا مصر. أمّا سوريا الأسد، فقبلت فقط بعناصر تابعة لها. وبعد جولات شاقّة من المفاوضات، توزّع الفلسطينيّون بين اليمنين وتونس والسودان، ودول أخرى قبلت أعدادًا محدودة منهم. لم يتفاجأ الإسرائيليّون من برودة العرب تجاه الفلسطينيّين، رغم الحماسة الخطابيّة التقليديّة لـ"القضيّة المركزيّة". يظهر الأرشيف الدبلوماسي الأميركي، الذي رُفعت عنه السريّة، أنّ موشيه آرنز، سفير إسرائيل في واشنطن، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للدفاع في بلاده، طمأن المسؤولين الأميركيّين القلقين على علاقتهم العربيّة إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلى أنّ الأنظمة العربيّة لا تذرف الدموع بسبب هزيمة منظّمة التحرير في بيروت.
بالحقيقة، كان آرنز على حقّ. الأنظمة العربيّة المختلفة تعاطت مع المنظّمات الفلسطينيّة، في الحدّ الأفضل، بوصفها أدوات يمكن توظيفها، وفي الحدّ الأسوأ، بوصفها جهات تخريبيّة ينبغي الحذر منها. أمّا التمويل الذي حصل عليه الفلسطينيّون، فكان عمومًا من باب درء الشرّ ورفع العتب. بل إنّ هناك من يذهب إلى أنّ الأنظمة العربيّة أنفقت على دعم المجاهدين الأفغان ضدّ السوفيات في ثمانينات القرن الماضي أكثر ممّا أنفقت على دعم الفصائل الفلسطينيّة طوال عقود.
ثمّ إنّ نظام حافظ الأسد ضرب الفلسطينيّين مرّة أولى عندما اجتاحت قوّاته لبنان عام 1976، ومرّة ثانية عندما سهّل انشقاق "أبو موسى" ومقاتليه عن قيادة ياسر عرفات، ومرّة ثالثة عندما حاصر الأسد عرفات في طرابلس، شمال لبنان، ومرّة رابعة عندما استخدم حركة "أمل" الشيعيّة ضدّ الفلسطينيّين طوال حرب المخيّمات. ولم يشكّل أيّ من ذلك أزمة للأسد في علاقاته بالعرب، لأنّ أحدًا منهم لم يكن مستعدًّا للمجازفة باستعدائه كرمى لعرفات.
لكن هل كانت الشعوب العربيّة مبالية بالقضيّة الفلسطينيّة أكثر بكثير من الأنظمة؟
عندما عبّر الشارع حقًّا عمّا يدور في خلده خلال الحركات الشعبيّة الضخمة عام 2011، في مصر، ودول عربيّة أخرى، كان الشعار: "عيش، حرّيّة، عدالة اجتماعيّة"، لا "زحفًا زحفًا حتّى القدس". وإذا ما استثنينا التماهي بين شرائح لبنانيّة والفلسطينيّين خلال ستّينات القرن الماضي وسبعيناته، فالواضح أنّ الدول العربيّة الأخرى، بأنظمتها وشعوبها، لم تكن مستعدّة، خلال العقود الخمسة الأخيرة من عمر القضيّة الفلسطينيّة، للمجازفة بأمنها واقتصادها على مذبحها. بالحقيقة، يمكن المحاججة أن حتّى التماهي اللبناني حرّكته حسابات الصراع الطائفي الدائم عندنا أكثر من الالتزام العميق باسترجاع فلسطين.
شكّل كلّ ما سبق، فضلً عن نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتّحاد السوفياتي، الخلفيّة المباشرة التي حكمت قرار ياسر عرفات دخول مسار أوسلو مطلع التسعينات والرهان على حلّ الدولتين عبر المفاوضات مع إسرائيل.
ولئن كانت المزايدة على عرفات سهلة، وتخوينه لقبوله الجلوس إلى الطاولة مع إسرائيل أكثر سهولة، فإنّ أحدًا من مخوّنيه لم يقدّم مرّة جوابًا مقنعًا عن السؤال المركزي الذي أحاط بقرار عرفات آنذاك: في ضوء كلّ الظروف الإقليميّة والدوليّة المحيطة بالقضيّة الفلسطينيّة، أيّ خيار جدّي آخر كان يملكه مطلع التسعينات غير الخيار الذي اتّخذه فعلا؟
(يتبع: المسألة الفلسطينيّة: ماذا الآن؟)












