أصبحت الأسعار الباهظة للمواد الغذائية والنقص في هذه المواد – وفي مرحلة معيّنة، الطوابير الطويلة أمام الأفران لشراء الخبز – الواقع السائد في لبنان إثر الانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد في العام 2019، والذي أسفر عن تداعيات ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية وأدخلت البلاد في دوّامة التضخم المفرط.وبحلول ديسمبر 2022، واجه 1.29 مليون مواطن لبناني (ثلث السكان المقيمين) و700,000 لاجئ سوري (نحو نصف مجموع اللاجئين السوريين في لبنان) حالة انعدام شديد للأمن الغذائي، فيما أشارت التقديرات إلى استمرار هذا المنحى في العام 2023.وقد سُجّلت مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في أوساط المواطنين اللبنانيين المقيمين في عكار وبعلبك وطرابلس، وكذلك في أوساط اللاجئين السوريين، الذين تتضاءل قدرتهم على استيفاء الحدّ الأدنى من حاجاتهم من أجل تأمين سبل العيش.وتقول نور عرفة، زميلة في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط، إنه يُنظَر إلى المأزق الذي يتخبّط فيه لبنان على الصعيد الغذائي بصورة أساسية بأنه من تبعات الانهيار الاقتصادي، إلا أنه في الواقع ناجمٌ عن أربعة مشاكل متجذّرة هيكليًا في النظام الغذائي في البلاد وتتفاعل في ما بينها بما يزيد من حدّتها.وتضيف عرفة أن هذه المشاكل هي: انعدام الأمن الغذائي، والنقص في الإنتاج الغذائي، واستغلال اليد العاملة في القطاع الزراعي، وغياب الاستدامة البيئية.وتقتضي معالجة هذه المشاكل الأربعة المترابطة إعادة النظر في النظام الغذائي اللبناني وبلورة رؤية غذائية جديدة تكون متجذّرة في مبادئ العدالة الغذائية، وتتيح للمواطنين اللبنانيين العاديين سيطرة أكبر على النظام الغذائي، وتعزّز حماية اليد العاملة الزراعية، وتعالج مسائل التوزيع والاستدامة.والمشاكل الأربعة التي تقف وراء المأزق الغذائي الذي يعاني منه لبنان راهنًا ناجمة إلى حدٍّ كبير عن طبيعة النظام الاقتصادي في البلاد الذي لطالما اتّسم بالرأسمالية التجارية والاحتكارية.
انعدام الأمن الغذائي
أدّت الأزمة الاقتصادية والمالية التي يشهدها لبنان راهنًا، والتي بدأت في أواخر العام 2019، إلى تدهور قيمة العملة اللبنانية بعدما حافظت على استقرارها زهاء عقدَين من الزمن، من خلال تثبيت سعر الصرف عند 1,500 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي.وأدّى التدهور المستمر في قيمة العملة، إضافةً إلى التضخم المفرط ووقف دعم المواد الغذائية، إلى تراجع حادّ في القدرة الشرائية للمستهلكين، ما حدّ بشدة من إمكانية الحصول على الغذاء.وعلى سبيل المثال، بعدما بات 85 في المئة من اللبنانيين عاجزين عن تأمين المواد الغذائية الأساسية، وأصبح أكثر من ثلث البالغين يفوّتون بعض وجبات الطعام اليومية.ولم تعد بعض الأسر تحرص على جودة الغذاء، فباتت تلجأ إلى وجبات طعام أرخص ثمنًا وأقل تغذية – ما يُعرِّض الأطفال لخطر الإصابة بسوء التغذية – فيما تضحي أسر أخرى بالرعاية الصحية والتعليم من أجل جمع المال اللازم لتوفير الطعام.وخلال العامَين الأوّلين من الأزمة، تحوّل النقص في المواد الغذائية إلى واقع جديد في لبنان الذي يعتمد على الاستيراد، وفي تلك الفترة أيضًا رُفِع الدعم عن المواد الأساسية.وعلى الرغم من أن مشكلة النقص في المواد انحسرت إلى حدٍّ كبير، تُسجّل أسعار السلع الأساسية مستويات مرتفعة جدًّا في الوقت الراهن بسبب الزيادة في تكاليف الاستيراد والانخفاض في احتياطي العملات الأجنبية. وقد وقعت أحداث عدة فاقمت أزمة انعدام الأمن الغذائي في لبنان، وعلى رأسها انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، والاختلالات التي طالت سلاسل الإمداد بسبب تفشّي وباء كورونا، والحرب في أوكرانيا.وثمة جانب أساسي آخر يجب تسليط الضوء عليه في النقاش عن أزمة النظام الغذائي، وهو مشكلة الإنتاج الغذائي المستمرة منذ وقت طويل، والتي تعود إلى طبيعة الرأسمالية اللبنانية. وعلى الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي يتمتع بها لبنان لتحقيق الاكتفاء الذاتي، تعاني البلاد من ضعف شديد في الإنتاج الزراعي. ويُعزى ذلك بصورة أساسية إلى القطاع الزراعي غير المتطوّر الخاضع للسيطرة الاحتكارية والمُوجَّه نحو المحاصيل النقدية العالية القيمة، والتصدير.وكان إهمال الدولة المستمر للقطاع الزراعي سببًا مباشرًا في الاعتماد على الاستيراد، الذي لا يزال لبنان يعاني منه حتى يومنا هذا.وفي ظل إحكام المموّلين ومالكي الأراضي قبضتهم على السوق في ما يشبه احتكار القلة، وتركُّز ملكية أراضٍ شاسعة في أيدي حفنة من الأشخاص، تفاقمت أوجه التفاوت المنهجي في مختلف المناطق اللبنانية، وعانى المزارعون من الإفقار.ويرتبط جانب آخر من جوانب الأزمة الغذائية في لبنان باليد العاملة في القطاع الزراعي. فقد أدّت أنماط ملكية الأراضي وتوزيعها، وسياسات الدولة الداخلية، والحروب، والتركيز على المحاصيل النقدية، إلى نزوح عدد هائل من سكان المناطق الريفية إلى المدن. وبحلول أوائل العام 1975، قُبيل اندلاع الحرب الأهلية، كانت عملية النزوح الداخلي، المستمرة منذ عقود آنذاك، قد أسفرت عن انتقال 40 في المئة تقريبا من سكان الأرياف إلى مدينة بيروت على وجه الخصوص.وعلى مرّ السنوات، تم تعويض تناقص اليد العاملة الزراعية من خلال توظيف مهاجرين ولاجئين كانوا يتألفون تاريخيًا من الفلسطينيين، ومن المهاجرين السوريين بدءًا من تسعينيات القرن المنصرم، ثم من اللاجئين السوريين بعد العام 2011.وقد فاقم هذا الاعتماد على العمّال المهاجرين تدهور قيمة العمل الزراعي، واستغلال العمّال ومن ضمنهم الأطفال، نظرًا إلى أن معظم القوى العاملة في الزراعة تتألّف من عمّال موسميين يعملون بشكل غير نظامي.وعلاوةً على ذلك، لم تمتلك فئة “المزارعين” يومًا وضعًا قانونيًا في البلاد. وهكذا، لا يتمتّع العمّال الزراعيون بظروف عمل لائقة وحماية اجتماعية، وهم أيضًا عرضةٌ لممارسات تمييزية على مستويَي التعويضات والمعاملة.وأدّت طبيعة الإنتاج الذي يحتاج إلى رأسمال كثيف في لبنان إلى حدوث أزمة استدامة بيئية، ولا سيما أن ممارسات الإنتاج الغذائي غير مستدامة في البلاد. فقد ألحق الاستخدام الكثيف للمواد الكيميائية الزراعية، على غرار المبيدات والأسمدة الصناعية، بهدف إنتاج أقصى قدر من المحاصيل والمكاسب، أضرارًا كبيرة بالبيئة، إذ أن هذه المواد الكيميائية تتغلغل في التربة وتلوّثها، ما يقوّض نمو المحاصيل ويقلّص الإنتاجية الزراعية.وتبرز المشاكل البيئية أيضًا بسبب الاعتماد المتزايد على الزراعة الأحادية المحصول، وهي مقاربة تجارية واسعة النطاق تشمل زراعة محصول واحد في مساحة كبيرة. ويؤدّي ذلك إلى فقدان التربة مواد مغذّية أساسية وخسارة التنوّع البيولوجي، ما يزيد من احتمال فشل المحاصيل، ويقلّص الإنتاجية الزراعية، ويفاقم مخاطر نقص المواد الغذائية. وأسفرت الزراعة الواسعة النطاق أيضًا عن إزالة الغابات، ملحقةً ضررًا إضافيًا بالتنوّع البيئي، فضلًا عن تراجع خصوبة التربة ووفرة المياه.وتتجلّى مشكلة الاستدامة البيئية في لبنان بأوضح صورها في النقص المتزايد في المياه العذبة. فقد أدّى الاستخدام الكبير للمواد الكيميائية الزراعية، والضخّ المفرط للمياه الجوفية، وتفريغ مياه الصرف الصحي غير المُعالجة، والمخلّفات الصناعية، ومياه الصرف الزراعي في الأنهر، إلى تلوّث المياه في لبنان.وقد تزامنت مشكلة تلوّث المياه مع نقص المياه بصورة متزايدة في لبنان نتيجة أنظمة الريّ غير الفعّالة. فقد شهدت العقود الأربعة الماضية تراجع مصادر المياه السطحية بأكثر من 55 في المئة، وتدنّي تصريف المياه من نهرَي الليطاني والدامور والنهر الكبير بنسبة 40 في المئة. وخلال الفترة نفسها، جفّت نسبة 60 في المئة من الينابيع في لبنان.








