كثيرة هي المجتمعات و البلدان التي تعرضت عبر التاريخ لاعتداءات و احتلالات و حروب و مجتمعنا واحد منها ، دائماً و عند تلك الاعتداءات تنبري قلّة صلبة ترفض الخضوع للمحتل فتطلق مقاومة لصدّ الغرباء و الحفاظ على الهوية و هذا ما حصل عندنا أيضاً.المفارقة الوحيدة أن أغلب تلك المقاومات حافظت على إرث مقاوميها و كرّمت شهدائها بمحاولة تحقيق ما استشهدوا من أجله و هذا بالتحديد ما لم يحصل عندنا نحن فكيف ذلك ؟ربما لم يشهد مجتمع في التاريخ جحوداً و نكراناً كالجحود الذي تعرض له شهداء المقاومة اللبنانية من بعض أو أغلب أهلهم و ناسهم بالتحديد , ذلك الجحود الذي وصل أحياناً الى حدّ الجلد فحوّلهم البعض و بخفة و غباء قلّ نظيره من أبطال و حراس للمجتمع و الوطن الى سارقين صغار و تجار مخدرات و ما الى هنالك من صفات قذرة تشبه عقول مطلقيها فما السبب ؟لقد نجح المحتل في تفخيخ المجتمع المسيحي المتعب قبل نهاية الحرب بلغم كبير قسم ظهر هذا المجتمع عندما انفجر بوجه الجميع ، هذا اللغم (العملاء) الذي ربما و بتوجيه من مشغليه استغل في مكان ما الحالة العواطفية الغوغائية المعروفة عند المسيحيين ليجرّهم وراءه بشعارات فضفاضة طنانة رنانة فارغة من المضمون لم تجرّ عليهم سوى الهزائم و الويلات .استغل المحتل أيضاً و من خلال عملائه المزروعين داخل المجتمع بعض الأحقاد الدفينة الموجودة طبيعياً نتيجة صراعات سلطوية قديمة بين أبناء الصف الواحد و عمل على تغذيتها ، فقد رأى هؤلاء فيهم المتنفس المناسب و الفرصة السانحة لينفثوا سمومهم المكبوتة داخل المجتمع و يلوثوا هواءه بمكنوناتهم القديمة العفنة ، و من هنا نجح المحتل بتجميع عدد كبير من الناس تجمهروا حول هؤلاء العملاء إما بالعاطفة الغبية التي تعطّل العقل أو ببعض الحاقدين ليحقق من خلالهم و بعد  تحصينهم جيدا بالغطاء الشعبي اللازم مآربه المزمنة بتدمير المجتمع وهدم كل شيء فيه تمهيدا للبدء بتغيير هوية لبنان من خلال ضرب العصب الأساسي لتلك الهوية .العتب ليس على العملاء ، فهم بالنهاية أداوات و أصحاب أدوار رسمها لهم مشغليهم و قد أتقنوها و برعوا بها ، العتب على مجتمع تنكّر لأبطاله و شهدائه و مقاوميه قبل صياح الديك .العتب على مجتمع لم يبع مقاومته بثلاثين من الفضة انما تنازل عنها مجاناً دون أن يرفّ له جفن .العتب و الغضب على من تتصّلوا من ماضيهم و ماضي آبائهم المشرّف و ارتضوا أن يكونوا أدوات صغيرة في مشاريع مشبوهة لا تشبه حضارتهم و مجتمعهم و تاريخهم بشيء .العتب على من تبنّى خطاب أخصامه و جعله خطاباً له بعد انقلابه على خياراته و الانتقال الى الضفة الأخرى فحوّل شهدائنا الى ضحايا و رفع قتلتهم الى مصافي القديسين و الأبطال .العتب على مجتمع يدّعي المعرفة و الحضارة ، تمكن بعض الصغار من نقله من ضفة الى أخرى نقيضة لكل ما قام عليه هذا المجتمع من قيم و مثل على مدى مئات السنين ، و هو صاغر صامت لا يسأل و لا يحاسب .ربما يقول قائل أن هؤلاء الشهداء سقطوا من أجل لا شيء ، فمجتمعهم غدر بهم قبل أي أحد آخر ، لكن الزمن أجيال و المجتمعات أجيال و إن مرّت بعض الأجيال العاق و الجبانة الذمية المتنكرة لماضيها المشرّف فلا بد أن تأتي أجيال من المقاومين و الأبطال لتعيد الأمور الى نصابها ، و هذا بالتحديد ما بدأت بشائره تظهر بعد الانتخابات الأخيرة عندما رد هذا المجتمع نفسه الاعتبار لمقاومته بإعطائه أحزابها التمثيل الأكبر داخله .هم استشهدوا لتبقى لنا الحرية و نحن نعدهم باننا سنصون تلك الحرية و نحفظها .. فمن دونها لا حياة لنا .