"ما إن ينتصف شهر يوليو (تموز) حتى تبدأ العائلة اللبنانية بتخزين المازوت في انتظار فصل الشتاء، ولكن هذا العام دهمنا موسم المطر والخزانات فارغة بسبب إنفاق كامل مداخيلنا بسبب الارتفاع المخيف لأسعار السلع الأساسية ومضاعفة فاتورة المولدات، قبل أن يأتي شهر المدارس والكتب والقرطاسية"، بهذا الواقع السيئ تستقبل عائلة هالة الشتاء وخزانات المازوت للـ"صوبيا" خاوية في منطقة الضنية، الواقعة في شمال لبنان.
تضيف، "كنا نجد صعوبة في تأمين المازوت عندما كان سعر التنكة (20 لتراً) 15 دولاراً، فكيف حالنا اليوم بعدما أصبح سعرها 32 دولاراً، وأقل منزل يحتاج إلى ما لا يقل عن برميلين إلى أربعة براميل مازوت على قدر ساعات التشغيل؟ أي قد تصل الكلفة إلى 1200 دولار سنوياً"، و"دون مبالغة سنقوم بتقنين تشغيل ’الصوبيا‘، وفي ساعات غياب الأطفال عن المنزل ووجودهم في المدرسة سنكتفي بالملابس السميكة ومعونة الأغطية الصوفية – الحرامات".
لا يختلف المشهد عند روجينا، ابنة قضاء الشوف (محافظة جبل لبنان)، التي تتحدث عن "هم مشترك لدى جميع ساكني المناطق الجبلية في لبنان، متمثل بتجهيز المنازل لبرد الشتاء، ووقاية كبار السن والأطفال من عقصات البرد"، لافتة إلى أن "غالبية العائلات عجزت عن تأمين المازوت بسبب الغلاء الفاحش، وهو أمر ينذر بمعاناة كبيرة، ذلك أن الشتاء يطول في هذه المناطق التي ترتفع أكثر من 800 متر عن سطح البحر، وتشهد الحياة اليومية شبه توقف للحركة، ويصبح السكان حبيسي المنازل لأشهر عدة بين ديسمبر (كانون الأول) ومارس (آذار) من كل عام، مما يزيد من هاجس فقدان المحروقات ونقص الحطب"، و"ينتظر كثير من الناس المبادرات الأهلية لمساعدتهم على تجاوز موسم الثلج والبرد".
من جهته، يؤكد مازن، وهو من سكان محافظة عكار (شمال لبنان)، أنه "في طور الانتقال إلى التدفئة بواسطة الحطب على غرار كثير من الأهالي الذين انتظروا منحة المازوت لعناصر الجيش، ولكنها لم تأت بعد"، لافتاً إلى أن "حل الحطب ليس جذرياً، وقد تكون له عواقب ولكنه أقل وطأة من المازوت، فهو سيشتري طن الحطب بـ300 دولار أميركي من أجل تدعيم المخزون الذي بدأ بجمعه منذ بداية موسم الصيف من خلال تقطيع بعض الأشجار اليابسة أو غير المثمرة".
النازحون في خطر
يتخذ "كابوس الشتاء" أبعاداً جديدة لدى النازحين والمهجرين قسرياً عن قراهم في الجنوب اللبناني، وتحديداً أولئك الواقعة منازلهم وأملاكهم في المنطقة المحتلة من الجيش الإسرائيلي.
ويشير المهندس طارق مزرعاني، ابن بلدة حولا الحدودية التي تعرضت إلى عمليات تدمير شديدة، إلى أن "أماكن إقامة النازحين ومراكز الإيواء تفتقر إلى التجهيزات الضرورية لمواجهة برد الشتاء"، و"لا يمتلك هؤلاء القدرة المالية لتأمين الكميات الكافية من المحروقات وأدوات التدفئة ومقاومة العواصف التي جاءت باكراً هذا العام". ويتطرق مزرعاني إلى بعض ملامح "النزوح الجنوبي"، حيث "بدأ النازحون بالتحضير لموسم الشتاء والبرد، وهم يعيشون على أمل العودة وأن يطول صيف نوفمبر (تشرين الثاني). ويخشى هؤلاء الصقيع، وهم يختبرون الشتاء للمرة الأولى في مناطق لم يألفوها بعد". وأضاف، "يتعايش النازحون مع مشهد الشتاء في ظل نقص بالملابس والمحروقات ووسائل التدفئة بسبب الإمكانات المادية المحدودة والوضع الاقتصادي الصعب، فهم غير قادرين على شراء الغاز والمازوت أو الحطب والملابس الشتوية. ومحبو الشتاء باتوا يكتمون ذلك لأنه أصبح موسماً لزيادة الأعباء ويتطلب كثيراً من التجهيزات التي تفتقر إليها بيوت الجنوب المتبقية وشبه المدمرة".
ويلفت مزرعاني إلى "تركز النازحين القاطنين في مراكز الإيواء ضمن محيط مدينة صور وصيدا (جنوب) وبصورة أقل في البقاع (شرق)، حيث تستمر مئات العائلات بالإقامة هناك، وهم قادمون من قرى بيت ليف، والضهيرة، ويارين، ومروحين، وبستان، والزلوطية، وأم التوت، والقرى الأخرى الخاضعة لتهديد قوة البطش الإسرائيلية. ويقيم هؤلاء في مدارس وفي حرَم بعض الجامعات، ويعيشون حالاً من القلق بسبب إنذارهم بالإخلاء واعتراضهم على خطة لنقلهم إلى مراكز إيواء غير مجهزة".
ويوضح مزرعاني أنه "في ظل أوضاع لبنان الراهنة، يعاني من يقيم في منزله بشدة، فكيف حال النزيل في مركز إيواء ويعيش ضمن فصل دراسي غير مؤهل للسكن؟ ويستخدم دورات مياه مشتركة"، لافتاً إلى "عيش حال من القلق الجماعي بسبب عدم الاستقرار والخوف من التهجير مجدداً. وانطلاقاً من تجربة شخصية أجبرنا على تغيير 10 بيوت وسبع مدارس خلال ثلاثة أعوام من الحرب، وهو أمر غير طبيعي، ناهيك عن خسارة المنازل، والممتلكات، ومشقة التنقل داخل دوامة النزوح المستمرة حيث يستمر البعض بالعيش في الشوارع والسيارات".
فاتورة القهر
"لا شيء يؤرق اللبناني حالياً كفاتورة المحروقات التي ازدادت عدة أضعاف خلال عام واحد"، حقيقة يدركها جميع العاملين في الحقل العام في لبنان. وبحسب دراسة أعدتها نقابة أصحاب المحروقات في لبنان، فإن سعر صفيحة البنزين (20 لتراً) ارتفع منذ بداية عام 2026 الحالي ولغاية نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، من 14.97 دولار أميركي إلى 31.70 دولار، وتضاعفت قيمة متوسط حاجة المواطن العادي المقدرة بأربع تنكات (80 لتراً) من 60 دولاراً إلى 127 دولاراً. أما صفيحة المازوت المستخدم في التدفئة والنقل وتشغيل المولدات والصناعة، فازداد سعرها من 13.95 دولار أميركي إلى 31.50 دولار، وسعر الـ16 صفيحة للتدفئة والنقل في المناطق الجبلية من 223 دولاراً إلى 504 دولارات. أي إن فاتورة المحروقات الشهرية، ارتفعت قيمتها من 283 دولاراً إلى 631 دولاراً أميركياً، أي باتت توازي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
أمام هذا الواقع، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها مضطرة إلى اتخاذ خطوات محدودة لتلقف كرة النار من قبيل إقرار مشروع قانون لمساعدة السائقين العموميين، وزيادة بدل النقل ليصبح مساوياً لقيمة خمسة ليترات بنزين يومياً، بينما أجّلت إلغاء رسم 300 ألف ليرة، وهي ضريبة سبق لها أن أقرتها في الـ17 من فبراير (شباط) الماضي، بذريعة تغطية الزيادات والعطاءات للعسكريين وموظفي القطاع العام.
لا ضمانات
يتأثر سيناريو المحروقات في لبنان بالمشهد العام المتوتر عالمياً، ويؤكد رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان، الدكتور جورح براكس أن "التأثير الشديد للحرب في البحر الأسود في سوق المحروقات المحلي بسبب تصاعد الحرب الروسية – الأوكرانية وتدمير مصافي النفط وخزانات البنزين والمازوت، لإيلام موسكو ورفع استمرار كلفة الحرب، حيث طاول طابور البنزين في روسيا وأصبح يمتد لكيلومترات عدة، ناهيك عن توجه أكثر الدول لتقييد تصدير الديزل، إذ منعت روسيا التصدير، وسارت على نهجها دول أخرى كالبرازيل والإكوادور التي منعت تصدير الديزل، إضافة إلى دعوة مشابهة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما ينذر بشح المحروقات والديزل على أبواب الشتاء واتجاه الدول الكبرى لإقامة احتياطات استراتيجية تحسباً للأيام المقبلة".
ويشير براكس إلى أن "كمية المشتقات النفطية المكررة أصبح المعروض منها قليل والمنافسة على المصادر البديلة شديدة، ولكن رغم ذلك لا تزال الشركات اللبنانية قادرة على تأمين كميات للسوق المحلية، وتأمين مخزون يحتاج إلى التجديد باستمرار"، لافتاً إلى وجود حاجة للديزل من أجل التدفئة والنقل، وتشغيل المولدات وتحريك بواخر الشحن.












