تتناول المقالة تداعيات قرار مجلس الأمن الدولي إنهاء مهمة قوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان "يونيفيل" بنهاية عام 2026، مستعرضاً تاريخ القوات الدولية الممتد منذ عام 1978 والتحديات الهيكلية والسياسية التي أفشلت دورها الميداني. وأوضح التحليل أن القوى الإقليمية والمحلية - من الفصائل الفلسطينية وإسرائيل وصولاً إلى "حزب الله" - أعاقت باستمرار بسط سيادة الدولة، مما جعل وجود القوات شكلياً أمام الترسانات والأنفاق والحروب المتكررة. ويحذر الكاتب من الفراغ الأمني والاقتصادي الصعب الذي سيتركه انسحاب أكثر من 10 آلاف جندي في ظل عدم جاهزية الجيش اللبناني للانتشار الكامل، مخافة العودة لسيناريو الصراع المباشر بين الاحتلال والسلاح غير الشرعي.
ليس من السهل شفاء لبنان من إدمان القوات الدولية المنتشرة في الجنوب منذ عام 1978. ولا شيء يوحي أنه يريد الشفاء أو يبحث عن علاج مناسب. فالكل تقريباً ينطلق من القول إن البلد في حاجة إلى وجود دولي. والقاسم المشترك بين الموقف الرسمي والشعبي والمواقف الأوروبية والعربية هو البحث عن بديل من قوات "يونيفيل" التي قرر مجلس الأمن الدولي إنهاء وجودها في اليوم الأخير من العام الحالي (2026). والتحركات الدبلوماسية تقترح وتناقش البدائل، وسط ضغط الحاجة إلى أي بديل خوفاً من تحديات ما بعد الفراغ الدولي.
ولا يبدل في الأمر أن الدرس أمامنا مكتوب على الجدار، حرص قوى نافذة على فعل أي شيء لفرض الفشل على القوات الدولية لكي يبقى لبنان ساحة وملعباً لحروب وصراعات ولاعبين أكبر منه، وأحياناً من المنطقة. فالنجاح ممنوع، على افتراض أنه كان احتمالاً ممكناً. والسبب أنه كان يعرقل حرية العمل العسكري للمنظمات الفلسطينية بعد "اتفاق القاهرة" عام 1969، وحرية العمليات العسكرية الإسرائيلية، ثم صار يزعج نشاط "حزب الله" المقاوم وعمله للمشروع الإيراني، ويحد من قدرة سوريا على توظيف المقاومتين الفلسطينية والإسلامية، وبقي يزعج إسرائيل ودولاً عربية إلى جانب واشنطن وموسكو.
عام 1978 بعد عملية عسكرية إسرائيلية ضد المنظمات الفلسطينية، أصدر مجلس الأمن القرار 425 الذي أنشأ قوات دولية في الجنوب وطلب انسحاب إسرائيل. وأول ما فعلته حركة "فتح" وفصائل أخرى هو افتعال صدام عسكري مع أقوى كتيبة ضمن القوات الدولية، هي القوة الفرنسية، لتسجيل سابقة تخيف الفرنسيين وسواهم وتجعل مهمة القوات الدولية صورية. وحين اجتاحت إسرائیل لبنان عام 1982 بدت القوات الدولية خارج اللعبة. وعندما تقرر إرسال قوة متعددة الجنسيات بعد إخراج الفصائل الفلسطينية من لبنان، تولت خلايا تضم انتحاريين قبل الإعلان الرسمي عن قيام "حزب الله" الاقتحام بسيارات ملغومة لثكنة القوات الأميركية وثكنة القوات الفرنسية، مما أوقع مئات القتلى والجرحى، وأدى إلى انسحاب القوة متعددة الجنسيات.
عام 2000 انسحب الاحتلال الإسرائيلي وتحرر الجنوب، لكن "حزب الله" استمر في مهمة تجاورت لبنان. وفي حرب عام 2006 بين "الحزب" وإسرائيل أصدر مجلس الأمن القرار1701 وأنشأ "يونيفيل" المعززة، لكن القوات المعززة، كما القوات السابقة لها عجزت من القيام بالمهمة الموكلة إليها لمساعدة الجيش اللبناني في بسط السيادة على کامل الأرض. فتحت أنظارها أقام "حزب الله" بنية عسكرية تحتية غير عادية داخل أنفاق هائلة بينها أنفاق مرتفعات علي الطاهر وسواها، وشن حربين لإسناد غزة وإيران. وأعادت إسرائيل احتلال الجنوب ولم توقف النار بعد "اتفاق الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائیل برعاية أميرکا. حتى بعد الاتفاق على "وقف الأعمال العدائية" في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 وإعلان الجيش بمساعدة "يونيفيل" بسط السيطرة العملانية على جنوب الليطاني، فإن ما ظهر من قوى وأسلحة وبنية تحتية في حرب إسناد إيران كشف عن تلاعب "الحزب" بكل شيء.
قبل كل هذا كان الهدوء شبه كامل بين اتفاق الهدنة عام 1949 واتفاق القاهرة عام 1979 تحرسه مجموعة صغيرة من مراقبي الهدنة. والعودة إلى تلك الأيام صارت حلماً. فالسيناريوهات أمامنا واضحة. إذا قادت المفاوضات المباشرة إلى اتفاق على "وقف العداء" بين لبنان وإسرائيل، فلا حاجة إلى قوة دولية كبيرة بل إلى وجود دولي معقول، کما بعد کامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. وإذا فرط كل شيء وبقي لبنان ملعباً، فلا معنى لقوات دولية محكوم علیها بالفشل، فلم تمنع إسرائيل من اجتياح البلد ولا حالت دون إقامة الحزب بنية تحتية.
لكن البكاء على "يونيفيل" ليس كله أمنياً وسياسياً. فوجود أكثر من 10 آلاف جندي من جنسيات عدة تحت علم الأمم المتحدة هو من الوجهة العملية نوع من "سياحة" دولية دائمة أسهمت في إنعاش الجنوب اقتصادياً. معظم هذه القوات لعب دوراً في مساعدة السكان صحياً عبر مستوصفات، كما في إقامة منشآت كهربائية ومائية في غياب الدولة، فضلاً عن توظيف مئات اللبنانيين حين عزَّت فرص العمل في البلد. وعلى رغم أن "حزب الله" قاد تحت عنوان "الأهالي" صدامات مع القبعات الزرق، سواء بالحجارة والعصي أو بالرصاص وقتل عدد من الجنود، فإن هذه القوات أقامت علاقات اجتماعية جيدة مع سكان القرى، وبعض أفرادها تزوج من بنات الجنوب.
أما خوف الدولة من الفراغ الدولي بعد عقود من ملء القبعات الزرق فراغ السلطة في الجنوب، فإنه حقيقي لا وهمي. وأما ما يزيد في منسوب القلق الأمني فإنه اللايقين حول تطور الأحداث في الجنوب والنقص في عدد الجنود الذين يستطيع الجيش نشرهم مكان "يونيفيل" حتى بعد تقديم المساعدات الموعود بها له ولقوى الأمن الداخلي. ومن واجب الدولة البحث عن وجود دولي لأن من الصعب أن تلغي من حساباتها سيناريو ملء الفراغ بما هو أخطر منه عبر "التساكن والتصارع" بين الاحتلال الإسرائيلي وسلاح "حزب الله".
و"فات الوقت على التمني لشخص بصحة جيدة وأنت تسير في جنازته"، بحسب مثل روسي.













