أبعد من النفوذ السياسي؟
منذ أن أصبحت وزارة المالية تحت سيطرة \"الثنائي الشيعي\" عام 2014، تعرّضت هذه الحقيبة الوزارية لاتهامات داخلية ودولية بسبب ما اعتبر توظيفاً لدورها لخدمة أجندات خاصة على حساب المصلحة العامة.كانت البداية مع تسليم الحقيبة إلى معاون الرئيس بري، علي حسن خليل، الذي شغل المنصب حتى استقالة حكومة سعد الحريري عقب انتفاضة 17 أكتوبر 2019، حيث فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه عام 2020، متهمة إياه بـ\"التعاون مع حزب الله والتورط في قضايا فساد\".وجاء في بيان الخزانة الأميركية أن خليل \" عمل على نقل الأموال من الوزارات الحكومية إلى المؤسسات المرتبطة بحزب الله بطريقة جنّبت فرض العقوبات الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، استخدم منصبه كوزير للمالية لمحاولة تخفيف القيود المالية الأميركية على حزب الله حتى تواجه المجموعة صعوبة أقل في نقل الأموال\".كما استخدم خليل، بحسب الخزانة الأميركية، \"نفوذ منصبه لإعفاء أحد منتسبي حزب الله من دفع معظم الضرائب المستحقّة على الإلكترونيات المستوردة إلى لبنان، في مقابل دفع جزء من ذلك لدعم حزب الله، واعتباراً من أواخر عام 2019، رفض خليل كوزير للمالية التوقيع على شيكّات مستحقة الدفع للموردين الحكوميين في محاولة للحصول على عمولات. وطالب بدفع نسبة من العقود له مباشرة\".وعلى الرغم من السجل المثير للجدل لوزارة المالية منذ إسنادها إلى \"الثنائي الشيعي\"، يبرر الثنائي تمسكه بها بالقول إن اتفاق الطائف خصصها للطائفة الشيعية، غير أن هذا الادعاء يتجاوز وفق ما يقوله الصحفي والباحث الاقتصادي، منير يونس، المسار الدستوري، مؤكداً أن \"محاضر اتفاق الطائف لم تتضمن أي تخصيص لوزارة المالية لهذه الطائفة\".كلام يونس يؤكده الوزير والنائب السابق بطرس حرب، الذي شارك في صياغة بنود الطائف، حيث أوضح في بيان، نشر في 24 يناير، أن الاتفاق لم يقر إيلاء وزارة المالية لأي طائفة بعينها، بل أكد مبدأ المداورة بين الطوائف في الحقائب الوزارية، \"بحيث لا تكون أيّ وزارة حكراً على طائفة معيّنة، كما ليس من وزارة محظّرة على طائفة ما\".ويقول يونس لموقع \"الحرة\" إن \"الثنائي يعتبر وزارة المالية، وسيلة لتأمين مشاركة فعلية في السلطة التنفيذية من خلال ما يعرف بالتوقيع الثالث على المراسيم، إلى جانب توقيعي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة\".كذلك يرى الكاتب الباحث السياسي، مكرم رباح، في حديث لموقع \"الحرة\"، أن \"إصرار الرئيس بري على وزارة المالية يعكس سعيه لترسيخ مفهوم المثالثة، مستغلاً موقع الوزارة لتعزيز نفوذ الطائفة الشيعية في السلطة التنفيذية\".ويضيف على ذلك الباحث في الشأن السياسي نضال السبع، في حديث لموقع \"الحرة\" أن \"الثنائي الشيعي\" يربط تمسكه بهذه الحقيبة بخساراته السياسية على صعيد رئاستي الجمهورية والحكومة، موضحاً أن \"الثنائي يعتبر وزارة المالية ضمانة أساسية للطائفة، بعد تحوّل حزب الله من لاعب يفرض الحكومات إلى طرف يسعى للحفاظ على مكتسباته\".اختلاس وفساد
لا يتعلق تمسك \"الثنائي الشيعي\" بوزارة المالية فقط بحماية الطائفة كما يروّج، بل يبدو مرتبطاً بحماية ملفات حساسة، حيث يتمتع وزير المالية بصلاحيات بارزة، أبرزها اقتراح أسماء حاكم مصرف لبنان ونوابه على مجلس الوزراء، وفقاً للمادة 18 من قانون النقد والتسليف.هذا الدور يفسّر رفض بري استبدال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال فترة ولايته، على الرغم من اتهامه في قضايا فساد محلياً ودولياً، وتحميله مسؤولية كبيرة عن الأزمة المصرفية والمالية التي تعصف بالبلاد.وبسبب اتهامه بالاختلاس والفساد، أصدر النائب العام التمييزي القاضي، جمال الحجار، قراراً بتوقيف سلامة في سبتمبر 2024.وسبق ذلك فتح دول أوروبية والولايات المتحدة تحقيقات في أنشطة سلامة، متهمة إياه بالتورط في \"جرائم اختلاس أموال عامة، تبييض أموال، وفساد\"، وتعتبر هذه الجهات سلامة أحد المسؤولين الرئيسيين عن الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان.وفي هذا السياق، يرى يونس أن وزارة المالية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية في لبنان، موضحاً أن \"دورها لا يقل أهمية عن دور مصرف لبنان، إذ إنها الجهة الوصية عليه\".ويضيف \"وزارة المالية مسؤولة عن تعيين مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان وتدقق في ميزانيته السنوية، لكنها لم تقم بمهامها، مما يجعلها شريكة في الأزمة\".على العكس من ذلك، يشير الخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي إلى أن شركة \"ألفاريز ومارسال\"، المكلفة بإجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، \"لم تطلب معلومات من وزارة المالية، بل اقتصرت في طلبها على حاكم مصرف لبنان، لإجراء وإتمام التدقيق الجنائي\".ويشدد فحيلي، في حديث لموقع \"الحرة\"، على أن \"السرية المصرفية إحدى العقبات الرئيسية أمام مكافحة الفساد في لبنان\".ويشير إلى أن \"التعديلات الأخيرة على قانون السرية المصرفية لم تكن كافية لتحقيق الشفافية المطلوبة\"، مستشهداً بتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في الربع الأول من عام 2023، والذي شدد على ضرورة إجراء تعديلات إضافية لتحويل القانون إلى أداة فعالة لمحاربة الفساد.وكان رئيس حزب \"القوات اللبنانية\"، سمير جعجع، أكد أن \"نقطة ارتكاز كل الفساد الذي شهده البلد طيلة الـ 15 عاماً هي وزارة المالية ومصرف لبنان\".وأضاف، في مقابلة مع قناة mtv في 23 يناير، أنه \"يمكن أن يكون وزير المالية شيعياً، ولكن أن لا يكون له أي علاقة بالتركيبة التي كانت قائمة\".









