من سيدة النجاة في الزوق إلى بشرّيمشهد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في كنيسة السيدة في بشرّي مترئّساً مراسم تشييع مالك وهيثم طوق، أعاد إلى الأذهان مشهد ترؤس البطريرك مار نصرالله بطرس صفير مراسم تشييع شهداء تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 28 شباط 1994. وقتها تحدّث صفير عن صليب المسيحية في هذا الشرق، وعن خيار الإستشهاد في هذه الجبال، وقال «إذا خُيِّرنا بين العيش المشترك والحرية سنختار الحرية». لا تقلّ مسألة ما حصل في جرود بشرّي خطورة عمّا حصل بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة. ثمّة محاولة جديدة ومستمرة لفرض أمر واقع على اللبنانيين والمسيحيين. الذين حرّضوا وما زالوا يحرّضون على موضوع حقوق الملكية في القرنة السوداء معروفون ومعلنون وأهدافهم مكشوفة. وهم يحاولون أن يخلقوا أسباباً للخلاف بين منطقتي بشرّي والضنية، وسحب هذا الخلاف على المسيحيين والسنّة بعد التلاحم الذي حصل قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعده، على رغم أنّ هذا الأمر ليس خافياً وعلى رغم أنّ القيادات السنية مدركة له.ما حصل في القرنة السوداء هو استكمال لمسار يبدأ من استباحة الأراضي والمشاعات العامة والأملاك الخاصة من رميش في الجنوب إلى أقصى الشمال مروراً بكنيسة لاسا وأملاك البطريركة المارونية في جرود جبيل، امتداداً إلى تنورين والعاقورة التي تجرى محاولات السيطرة عليها بقوة سلاح «حزب الله». صحيح أنّ الخلافات حول الحدود العقارية موجودة في كل المناطق وحتى بين البلدات المتجانسة طائفياً أو مذهبياً، بين الحازمية وبعبدا مثلاً، وبين فنيدق وعكار العتيقة حيث سقط قتيل بالرصاص قبل ايام من مقتل هيثم ومالك طوق. ولكن ما يحصل في الجرود له طابع مختلف تماماً يتعلّق بتركيبة البلد الداخلية وبمحاولة الإستفادة من الفراغ في الحكم ومن استضعاف المسيحيين لضرب وحدة القوى السيادية وتكريس الأمر الواقع واستعادة ما يعتبره البعض حقوقاً تاريخية لإعادة رسم الخرائط والحدود الداخلية بين المناطق والأقضية من دون الأخذ بالإعتبار لا السجلات ولا الوثائق ولا الحقوق.العبث بالسلم الأهليما حصل في القرنة السوداء لم يكن ابن ساعته. ثمّة دعوات سابقة، معروفة المصادر، إلى تحديد هوية الأرض الدينية وإلى أداء صلاة الجماعة فيها، وإلى اعتبارها بمثابة قضية إسلامية أولاً. وعلى رغم محاولات استيعاب هذه الدعوات من خلال البحث عن حلول لمسألة المياه والري، إلا أن العبث بالسلم الداخلي يتخطّى هذه المحاولات لأهداف عدة منها:- خلق خلاف مسيحي سني من خلال إثارة مسألة حقوق الملكية العقارية بعيداً عن الوثائق والإيحاء بأنّ المسيحيين يقطعون المياه عن مسلمي الضنية بهدف إسقاط كل المساحات المشتركة بين القوى المسيحية والسنية السيادية لمصلحة التابعين لـ»حزب الله».- الإعتقاد بأنّ «القوات اللبنانية» يمكن أن تقوم بردة فعل لاتهامها بالإخلال بالأمن وبالسعي إلى الأمن الذاتي وربما لخلق إشكال بينها وبين الجيش على الأرض. الأمر الذي حصل عكسه.- تحميل قيادة الجيش مسؤولية التقصير في أنّها لم تحل دون حصول الإشكال ولم تطبّق بقوة على الأرض قرار الإبتعاد عن موقع القرنة السوداء، ورعاية الحل السابق الذي تمّ التوصل إليه، ومنع المحاولات الفردية لتخطّيه والمحاولات المقابلة لمنعها. وهذا الأمر يرتبط بمسألة التشكيك بدور الجيش وبإمكان تزكية قائده كمرشح نهائي لرئاسة الجمهورية.قلب السحر على الساحرولكن من خلال التحقيق الجدّي وإعلان نتائجه وحزم قيادة الجيش وفرض الحل المائي على الأرض وقراءة الأهداف التي يريد مثيرو هذه المشاكل الوصول إليها، يمكن أن تكون هناك نتائج معاكسة:- يخرج الجيش من هذه المشكلة كأنّه ضامن الأمن والإستقرار. كما حصل في قضايا مماثلة من حادث شويّا إلى حوادث خلده والطيونة. وبالتالي يحوِّل محاولة إغراقه وتوريطه إلى نقطة قوة لتثبيت دوره الإنقاذي بينما تنهار كل مقومات الدولة.- يخرج تحالف وليم طوق وسليمان فرنجية وفريد الخازن من محور الممانعة حتى لا يكونوا غطاء لعملية استضعاف الوجود المسيحي في الدولة وعلى الأرض.- تخلّي البطريركة المارونية عن الحياد في موضوع الفراغ في قصر بعبدا والإتجاه إلى تسمية المعطّلين وتحميلهم المسؤولية والدعوة المباشرة إلى تحرير الرئاسة من أسر حزب الله وفريق الممانعة. إذ لا يجوز أن يدعو البطريرك الراعي الرئيس ميشال عون إلى تحرير قرار الشرعية وهو رئيس للجمهورية، وأن تكون بكركي مدركة لأخطار ما يحصل على صعيد مصادرة القرار المسيحي والأراضي، وأن لا تكون هناك خطة عملية للخروج من الفراغ وتثبيت الحضور على الأرض وفي الواقع. وعلى الأقل العمل من أجل إقناع فرنجية بسحب ترشيحه.- توسيع دائرة التلاقي المسيحي السني حول القضايا الوطنية وإسقاط محاولات دقّ الأسافين بين الطرفين.- أن يعاد النظر في مسألة انتخاب رئيس للجمهورية والإتجاه نحو فرض عقد جلسة انتخاب بكل الوسائل الممكنة وعدم الإكتفاء بالمشاركة في المسار الذي يكتفي رئيس مجلس النواب بتحديده وبالخروج منه.لقد برهنت القوى الفاعلة في بشري والضنية وفي البطريركية المارونية ودار الفتوى أنّها واعية لمخاطر ما حصل من خلال التأكيد على أن السلم الأهلي خيار نهائي وأن لا إنجرار إلى أي ردود فعل. ومن الطبيعي أن يكون هناك اقتناع أن استباحة موقع رئاسة الحكومة سبقت استباحة موقع رئاسة الجمهورية وأن المطلوب أن يبدأ التحرير من فوق إلى تحت.الخبر من المصدر










