بعد ذلك، دخل صفير مباشرة في صلب الموضوع الذي جاء من أجله حتى لا ينقضي الوقت المخصص للمقابلة بالحديث في المجاملات. فمن خلال الأسئلة الأولى التي طرحها عليه الكاردينال سامي اتّضح لصفير تلقائياً أنّه أراد أن يقول له بصورة غير مباشرة أنّه ملمّ بتفاصيل الملف البطريركي. قال له صفير: «زيارتي لك هي للتعرّف وللتهنئة بالمنصب الجديد الذي تشغله، ولأضع نيافتك في جو الطائفة المارونية عامة»… شكره الكاردينال على عاطفته الشخصية وأشار بمتابعة الحديث، فتابع صفير: «المسيحيون في لبنان وفي المنطقة بخطر والظرف عصيب والحالة متأزمة، ويجب في الوقت الذي يتقرّر فيه مصير لبنان والكنيسة المارونية أن يكون هناك بطريرك يتحمّل مسؤولياته كاملة».سينُتخَب بطريرك ولكنهكذا اختصر له صفير الوضع بكلمات قليلة معبِّرة. أجاب سامي: «هذا صحيح ولذلك سُمِّي المدبّر المطران ابراهيم الحلو ليُعِدّ انتخاب بطريرك». سأله صفير: «هل اطلعتم على الكتاب الذي وجّهه المطارنة إلى قداسته»؟ وكأنّه كان يريد أن يقول له إنّ هناك معارضة لهذا التدبير من غير أن يصدر عنه هذا الكلام مباشرة. أجابه الكاردينال: «نعم». ثم نهض من وراء مكتبه وأتى بملف وفتحه وأراه نسخة عن هذا الكتاب. ثم قرأ أسماء الموقعين عليه معلّقاً: «إنهم عشرة». رد صفير: «لا بل إنهم أحد عشر وهم المطارنة الموارنة الموجودون في لبنان وسوريا، أما من هم في بلدان الاغتراب فلم ينفسح المجال للاتصال بهم للتوقيع». وكأنه أيضاً كان يريد أن يقول له إنّه لو تمّ الاتصال بهم لكانوا وقّعوا أيضاً. فكّر الكاردينال قليلاً ثم قال لصفير جازماً: «سينُتخَب بطريرك لكن بعد أن تهدأ الأفكار».بدا لصفير أنّ ثمة مكسباً تحقّق على جبهة انتخاب بطريرك جديد، فانتقل إلى موضوعه الشخصي، فقال للكاردينال سامي: «طلب سيادة المدبّر منّي ومن سيادة المطران رولان أبو جودة أن نختار بين الإقامة في الكرسي البطريركي أم في إحدى مناطق الأبرشية. فأجبناه أنّه لا يمكننا أن نجيب ونختار قبل معرفة من سيكون بطريركاً، لئلا يأتي من لا يريد أن يتعاون معنا أو نحن لا نريد أن نتعاون معه». فأجابه سامي: «هذا صحيح. لا يمكن الاختيار في هذه الحال قبل انتخاب بطريرك». ثم سأله: «وماذا أجابكم»؟ ردّ صفير: «لم يجب بشيء».بعد عشرين دقيقة تقريباً، اقترب اللقاء من نهايته. وقبل أن يقف صفير للمغادرة سأله الكاردينال عن المدة لتي ستستغرقها إقامته في روما، فقال له إنّه سيبقى أسبوعاً بعد. علّق الكاردينال: «ليس لي سوى أربعة أيام لأسافر بعدها مع قداسة البابا إلى الهند». تمنّى له صفير سفراً موفّقاً مع قداسته مدركاً أنّ عليه أن يلتقي قداسته قبل سفره، أي خلال أربعة أيام، ثم استأذن بالمغادرة وودّع الكاردينال الذي بدا له ذكيّاً، قريباً من الناس، ودوداً، أنيق الملبس على سمرة هندية حادقة ولهجة فرنسية متعثرة.مع المونسنيور منجد الهاشميوم الأحد 26 كانون الثاني 1986 العاشرة والنصف صباحاً، لم يفوِّت المطران صفير موعده مع القداس في كنيسة مار مارون وقد ترأسه المطران إميل عيد وعاونه خمسة آباء من الكهنة الدارسين في المدرسة. بعد القداس انتقل الجميع إلى قاعة الاستقبال، وكان طبيعياً أن تكون الأحاديث المتبادلة عن الوضع في لبنان. هناك التقى صفير المونسنيور منجد الهاشم، الذي كان يعمل في أمانة سر دولة الفاتيكان، والأب باسيل الهاشم، وقد تابعوا الحديث الى مائدة الغداء حول التدبير الفاتيكاني بتعيين المطران الحلو مدبّراً بطريركياً.فهم صفير من حديث المونسنيور الهاشم أنّ أمين السر المساعد في أمانة سر دولة الفاتيكان المطران أشيل سيلفستريني أبدى تعجبه من وجود المطارنة الموارنة في حفلة تطويب الطوباوية رفقا بعدما كانوا أبدوا رغبة في تعذر مجيئهم إلى روما لانعقاد مجمع ماروني فيها، وأنّ هناك تناقضاً بين الموقفين. وعلم صفير منه أيضاً أنّ الكتاب الذي وجّهه المطارنة الموارنة إلى قداسة البابا ويطلبون فيه الإذن بانتخاب بطريرك جديد، قد وصل إلى أمانة سر الدولة البابوية قبل عشرة أيام، وأنّه على أثر ذلك قال سيلفستريني للهاشم: «أهكذا يكتب المطارنة الموارنة إلى البابا»؟ وقد ردّ عليه الهاشم: «يجب أن تكونوا مكانهم لتفهموا موقفهم. لقد كان عدد منهم في روما عندما تمّ اتخاذ التدبير ولم يسألهم أحد رأيهم. ماذا كان حصل لو جمعتموهم يومذاك وأخبرتموهم بالأمر وسألتموهم أن يتقبّلوه ويعاونوا المدبّر؟ لكنتم وفرتم عليكم وعليهم الإحراج القائم».سأل صفير الهاشم عما إذا كان من المناسب أن ينتظر سيلفستريني للاجتماع به، خصوصاً أنّه، أي سيلفستريني، عرف أنّه في روما بعدما تناول، أي صفير، طعام الغداء مع المونسنيور لويجي غاتي وجان لوي توران بدعوة من المحامي محسن سليم، وخصوصاً أيضاً أنّ غاتي لم يطلب منه أن يراه ولا تحدّث معه في موضوع لبنان. وقال صفير للهاشم: «لا أريد أن أتطفل على أحد ولست طالباً أي شيء. لكنّني طلبت مقابلة البابا لأقدّم له مجموعة رسائله التي ترجمتها إلى العربية. هذا كل شيء».










