أضاف: "لا يخبرنا الرب أن الغني سرق مال لعازر أو ضربه أو طرده، بل يكشف خطيئة أكثر هدوءا وخفاء، هي اللامبالاة. فقد عاش الغني وكأن ألم الفقير لا يعنيه، وكأن حاجته لا تستحق أن يوليها في رفاهيته شيئا من اهتمامه. هذه هي خطيئة إنسان اليوم أيضا، إذ قد لا نكون أغنياء بالأرجوان والذهب، لكننا نغلق أبوابنا وقلوبنا، ونمر بجانب المتألمين دون أن نتوقف، ونشاهد صور الجائعين والمرضى والمشردين وضحايا الحروب والإرهاب دون أن نتأثر، بل نتابع حياتنا وكأننا لم نر شيئا. نبرر ذلك بأن العالم مليء بالمآسي، وأننا عاجزون عن تغيير الواقع. لكن لعازر لم يطلب من الغني أن يخلص العالم، بل كان محتاجا لرحمة إنسان واحد، جالس إلى مائدة عامرة، وعلى مسافة خطوات منه".
وتابع: "حين مات الإثنان، إنقلب المشهد. فقد حملت الملائكة لعازر إلى حضن إبراهيم، أما الغني فوجد نفسه في العذاب. لم تكن هذه النهاية مجرد إنقلاب في الأحوال، بل أعلنت حقيقة أعمق، أن الموت يكشف خطايانا وقساوة قلوبنا، ويظهر إلى أين تقودنا إختياراتنا. فالمال الذي بدا للغني ضمانا للراحة والرفاهية لم يستطع أن ينقذه، وتقرحات لعازر لم تمنعه من أن يكون عزيزا في عيني الله. يقول الإنجيل بلسان إبراهيم للغني الذي يطلب الرحمة «أنك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بلاياه، والآن هو يتعزى وانت تتعذب»، وأن بين الموضعين «هوة عظيمة قد أثبتت حتى إن الذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون، ولا الذين هناك أن يعبروا إلينا». إنها صورة مخيفة لنتيجة أعمال قلب تمرس على رفض المحبة حتى صار عاجزا عنها. الإنسان لا يدان لأنه لا يمتلك ما يعطيه، بل لأنه يرفض أن يعطي مما لديه، ولو قليلا، ولا يدان لأنه لم يستطع إزالة كل آلام العالم، بل لأنه لم يسمح لآلام القريب أن تحرك قلبه".
وقال: "يقول الرسول بولس في رسالة اليوم: «إن كانت لي النبوة وكنت أعلم جميع الأسرار والعلم كله، وإن كان لي الإيمان كله حتى أنقل الجبال ولم تكن في المحبة فلست بشيء». المحبة ليست زينة في الحياة المسيحية، ولا فضيلة نمارسها في أوقات الفراغ، بل هي روح الحياة في المسيح. قد يعرف الإنسان الكتب المقدسة، ويحفظ الصلوات، ويشارك في الخدم الليتورجية، ويتكلم كلاما لاهوتيا سليما، لكن كل ذلك يفقد غايته إن لم يؤد به إلى محبة أخيه. الإيمان الذي لا يفتح العينين على لعازر الجالس عند الباب لم يبلغ كماله في المحبة بعد، والعبادة التي لا تجعلنا أكثر رحمة وتواضعا واستعدادا لخدمة المتألمين تبقى ناقصة وبلا ثمر. يشرح الرسول ماهية المحبة بقوله: «المحبة تتأنى وترفق، المحبة لا تتباهى ولا تأتي قباحة ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق وتحتمل كل شيء وتصبر على كل شيء». المحبة ليست مجرد عاطفة عابرة أو كلام لطيف، بل خروج من الذات، واحتمال لتعب الآخر، وبذل للوقت والجهد والمال من دون انتظار مقابل. لذا يكتسب تذكار القديسين قزما وداميانوس،الطبيبين الشافيين والماقتين الفضة، اللذين نقيم تذكارهما اليوم، معنى عميقا ومباشرا. فقد جعلا من موهبة الطب وسيلة لخدمة الإنسان، ولم يحولا علمهما إلى تجارة تستغل ضعف المريض لكسب المال، بل قدماه بروح المحبة والعطاء المجاني. الطب، في النظرة المسيحية، ليس طريقا لجمع الثروة بل خدمة لشخص يتألم، ويحتاج قبل الدواء إلى الكلمة الطيبة، وإلى من يصغي إليه ويحفظ كرامته. لقد أدرك القديسان أن نعمة الله لا تعطى ليحتكرها الإنسان، بل لتصبح بركة للآخرين. فالموهبة التي لا تخدم المحبة تتحول إلى وسيلة للمجد الشخصي، أما الموهبة التي تقدم بتواضع فتصير مشاركة في عمل الله الشافي".
أضاف: "أمهما ثاوذوتي التي نكرمها معهما، كانت شاهدة على أن القداسة تبدأ في البيت، حيث يتعلم الإنسان المحبة والخدمة وبذل الذات. فقبل أن يصير الأبناء قديسين يخدمون المرضى، تعلموا في بيتهم أن الإنسان الذي يستثمر موهبته للخير، لا لتحقيق المصالح، هو شخص محبوب من الله. الأمومة المسيحية، في عمقها، ليست مجرد تربية على النجاح والتفوق، بل تنشئة للقلب على الرحمة، وللضمير على الحق، وللإرادة على البذل. ما أحوج عالمنا اليوم، وبلدنا خصوصا، إلى بيوت لا تكتفي بتعليم أبنائها كيف ينجحون، أو يدافعون عن مصالحهم، أو يحتالون على القوانين، بل كيف يرحمون، وكيف يستخدمون علمهم ومواهبهم لخدمة الحياة لا لاستغلال ضعف الآخرين وكرامتهم. وما أحوجنا إلى مواطنين يثمرون مواهبهم للخير العام لا لخدمة مصالحهم، أو في أعمال لا ترضي الله والضمير. اليوم، أصبح هدف معظم الأمهات أن يبرزن أو يصرن نجمات على وسائل التواصل، فأهملن تربية الأبناء وتنشئتهم على القيم والفضائل، فأصبحت المدارس تعج بأولاد يفتقرون إلى أدنى معايير التهذيب واللياقة والترتيب والأخلاق".
وتابع: "يختم الإنجيل بطلب من الغني لتحذير إخوته الذين ما زالوا أحياء، فيجيبه إبراهيم بأن لديهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم. نحن أيضا لا ينقصنا صوت الله، فالإنجيل بين أيدينا، وتعاليم الكنيسة أمامنا، والمسيح يكلمنا يوميا في وجه الإنسان المحتاج. ليست المشكلة أن الله لم يعلن لنا طريق الحياة، بل أننا قد نعرف الطريق ولا نسلكه إما لأننا نراه صعبا أو لأنه لا يخدم مصالحنا. لذلك ينبغي أن لا نؤجل الرحمة إلى الغد، وألا ننتظر معجزة كي نمارس المحبة. فالنعيم الذي نعيش فيه اليوم ليس أبديا، والباب الذي يقف عنده لعازر اليوم قد يغلق دوننا، والفرصة التي نمتلكها لنحب قد لا تتكرر، فلنكن يقظين. المحبة التي نتحدث عنها تجمعنا اليوم بإخوتنا أعضاء الجالية اليونانية في لبنان، وعلى رأسهم سفيرة اليونان السيدة إيليني فاكالي، لكي نرفع الصلاة معا من أجل بلدهم الذي يحتفل بذكرى «أوخي» أي صرخة «لا» التي قالتها بلاد اليونان سنة 1940 في وجه المحتل الإيطالي. وقد استبسل الجيش اليوناني في الدفاع عن أرضه وتمكن من صد القوات الإيطالية وتحرير اليونان من المستعمر. وقد أصبح تاريخ 28 تشرين الأول عيدا وطنيا يرمز إلى التمسك بالسيادة ورفض الخضوع للتهديدات، ويعكس مدى ارتباط الشعب بتاريخه وهويته واستقلاله".
وختم: "نهنئ إخوتنا اليونانيين ونرفع الصلاة من أجل أن يبقى بلدهم حرا ومستقلا ومشعا إيمانا ووطنية وحضارة. كما نصلي من أجل أن يحفظ الرب لبنان ويصونه من كل معتد على أرضه وسيادته وحريته وأهله، ومن أجل أن يجعل اللبنانيين أكثر تعلقا بأرضهم وسيادتهم وجيشهم، وأشد حفاظا على هويتهم ووحدتهم، وأمانة لوطنهم ولتاريخهم، لكي يستحقوا المستقبل".










