🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

انتخابات الكنيست الإسرائيلي وحدود الرهان اللبناني على التغيير

✍️ سوسن مهنا

تتصل أهمية الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أخيراً بقدرة الحكومة المقبلة على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان يكمن في أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية.

تتصل أهمية الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أخيراً بقدرة الحكومة المقبلة على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان يكمن في أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية.

دخلت إسرائيل بعد اكتمال فرز الأصوات معركة على شرعية الحكم وحدود التفويض الذي تمنحه الانتخابات، فيما بقيت هوية رئيس الحكومة المقبلة معلقة.

واحتفظ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزبه "الليكود" بالصدارة، وتقدم معسكره على كتلة مرشح المعارضة غادي آيزنكوت، لكنه فقد الأكثرية التي تتيح له الحكم، أما المعارضة، فحصلت مع الأحزاب العربية على مقاعد تكفي لإطاحته، من دون أن تتوصل بعد إلى اتفاق يتيح لها استخدام هذه الأكثرية. وربما تمنح هذه الفجوة، بين الحساب النيابي والقدرة السياسية، نتنياهو فرصة البقاء، وتجعل وصف النتيجة بأنها انتصار محسوم له.

أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023

وتتجاوز أهمية الانتخابات مصير الرجل الذي حكم إسرائيل فترة أطول من أي رئيس حكومة آخر، إذ إنها أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحروب التي تلته، ولذلك حملت سؤال المحاسبة على الإخفاق الأمني، وسؤال ما إذا كانت العمليات العسكرية حققت أمناً قابلاً للاستمرار، ويأتي ذلك في ما لا تزال ملفات إيران ولبنان وغزة مفتوحة، وعليه فإن الحكومة المقبلة ستقرر كيف ستتعامل مع نتائج الحرب، هل تفاوض على ترتيبات تثبتها، أم تعتبر أن أهدافها لم تتحقق بعد وتواصل استخدام القوة؟ ولهذا تحديداً، يتابع لبنان والمنطقة مفاوضات الائتلاف الإسرائيلي بالاهتمام نفسه الذي تابع به فرز الأصوات.

أين أصبحت النتائج؟

اكتمل الفرز، بما فيه أصوات المظاريف المزدوجة، واستقر توزيع الكتل على 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و48 للمعارضة، و19 للأحزاب العربية، وبلغت المشاركة، وفق آخر البيانات المنشورة، 77.9 في المئة، أما تسليم النتائج الرسمية المعتمدة إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ فمقرر في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يؤدي الكنيست الجديد اليمين في العاشر منه، وكان "الليكود" حصل على 27 مقعداً، وحزب "يشار" بقيادة آيزنكوت على 21، وتحالف "معاً" على 12، ونالت "القائمة المشتركة" 11 مقعداً، و"الديمقراطيون" و"القائمة العربية الموحدة" ثمانية لكل منهما، و"إسرائيل بيتنا" و"يهدوت هتوراة" و"القوة اليهودية" سبعة لكل منها، فيما حصل "شاس" الحريدي السفاردي و"الصهيونية الدينية" على ستة لكل منهما.

هذا التوزيع لمقاعد الكنيست الإسرائيلي له مغزى سياسي واضح، إذ يحتاج نتنياهو إلى تأييد إضافي من خارج معسكره، فيما تحتاج المعارضة إلى تسوية خلافاتها حول التعاون مع الأحزاب العربية، ولم يقلب فرز أصوات الجنود وسائر المظاريف الخاصة ميزان الكتل، بل رفع الليكود مقعداً على حساب "شاس"، ورفع "الموحدة" مقعداً على حساب "المشتركة"، أي إن التبدل وقع داخل المعسكرات، وبقي مأزق تشكيل الحكومة قائماً.

ماذا قالت القوى الإسرائيلية في الساعات الماضية؟

انتقلت أبرز التصريحات خلال نهار الـ29 من أكتوبر وليلته، من المنافسة على تشكيل الحكومة إلى النزاع على تفسير النتائج ونزاهة الاقتراع، إذ صعد الليكود من حدة اتهاماته وقال إن الانتخابات "سرقت"، وربطها بشبهات تدخل خارجي، ولكن تبقى هذه الاتهامات سياسية ولم تثبتها نتائج تحقيق معلنة.

من جهته اتهم آيزنكوت، نتنياهو والليكود بإدارة حملة منظمة لنزع الشرعية عن النتائج، مؤكداً رفض أي تعطيل لانعقاد الكنيست.

بدوره دعا الرئيس هرتسوغ إلى تحقيق كامل في الشبهات، وحذر من تلطيخ سمعة المجتمع العربي بأسره، وجدد مطالبة الأحزاب بخوض مفاوضات الائتلاف بعقل منفتح، وشددت لجنة الانتخابات و"الشاباك" على الفصل بين التحقيق والنتائج، وأكدت اللجنة أن التحقيق لا يؤثر في النتائج التي سترفع إلى الرئيس، فيما رفض "الشاباك" تعميم الشبهات على المواطنين العرب الذين مارسوا حقهم في التصويت.

وبالتوازي، أفادت تقارير إعلامية باجتماع نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش لتنسيق خطواتهما بعد الانتخابات، وتكشف هذه المواقف أن معركة الأكثرية بدأت قبل التكليف الرسمي، فنتنياهو يسعى إلى إبقاء معسكره متماسكاً ورفع الكلفة السياسية، لأي تعاون بين خصومه والأحزاب العربية، أما المعارضة فتحاول تثبيت نتيجة الاقتراع ومنع احتكار القرار البرلماني، لكنها لم تحل بعد تناقضها الأساس، فكيف تطيح نتنياهو وهي ترفض، أو تتحفظ على الشراكة مع قوى تحتاج إلى أصواتها؟

قرارات أمنية تمس دول الجوار

وفي موازاة ذلك، لماذا يعطي لبنان والمنطقة الانتخابات الإسرائيلية الحالية أهمية قصوى؟

تتزامن المفاوضات الحكومية في الداخل الإسرائيلي مع قرارات أمنية يمكن أن تمس دول الجوار مباشرة، ففي لبنان، يتعلق الأمر باستمرار العمليات الإسرائيلية، وشروط الانسحاب، ومستقبل سلاح "حزب الله"، وفي إيران، يتعلق باحتمال العودة إلى التصعيد أو اختبار التفاوض، أما في الملف الفلسطيني فتركيبة الحكومة ستؤثر في قدرة أي رئيس لها، على قبول ترتيبات تعارضها قوى اليمين المتشدد.

تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني

ولكن يحتاج الربط بين النتيجة الانتخابية واتجاه الحرب إلى دقة أكبر، فحكومة أوسع برئاسة نتنياهو قد تمنحه قدرة على تمرير اتفاق يصعب فرضه على شركائه الحاليين، وقد تمنحه أيضاً غطاءً أوسع لعملية عسكرية، كذلك فإن تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني، إذ يبقى نتنياهو في منصبه خلال المرحلة الانتقالية، لذلك ينبغي مراقبة مضمون التفاهمات الائتلافية، إلى جانب أسماء المشاركين فيها.

الخلاف حول نتنياهو لا يغير الإجماع الإسرائيلي على مواجهة "حزب الله"

في السياق يصبح اهتمام لبنان بهذه الانتخابات مبرراً، لأن قرارات الحكومة المقبلة ستؤثر في أرضه وأمن مواطنيه، أما تعليق القرار اللبناني عليها فيمنح إسرائيل وإيران وقتاً إضافياً لتحديد شروط المرحلة، فيما تواصل بيروت انتظار ما يقرره الآخرون، ولا يملك لبنان مصلحة في اختزال خياراته بانتظار هزيمة نتنياهو، فالخلاف الإسرائيلي على قيادته ومحاسبته، لا يثبت وجود خلاف مماثل على منع إعادة بناء قدرات "حزب الله" العسكرية.

وقد يكون التباين بين حكومة وأخرى في شروط الاتفاق وتوقيته وآلية تنفيذه، وهي فروق مهمة للبنان، لكنها لا تسمح بافتراض أن تغيير رئيس الحكومة سيلغي المطالب الأمنية الإسرائيلية، وكان الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، قال في بيان صدر في الـ28 من أكتوبر الجاري "لا يعنينا من يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب، لكن فليعلم أنه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا"، وأكد أن "المقاومة مستمرة، وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محل للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً"، لافتاً إلى أن "على العدو أن ينسحب وفق اتفاق الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والقرار 1701، وينتشر الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني"، والأهم في بيان قاسم أنه أعطى أهمية مباشرة للتفاهم الأميركي - الإيراني، واعتبره مصدراً للقوة إلى جانب صمود الحزب وبيئته، وقال إن هذا التفاهم هو "مصدر القوة الوحيد المتاح إلى جانب صمود المقاومة"، ورأى أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أسهمت في خفض مستوى الهجمات على لبنان، ووضع رهانه خارج صناديق الاقتراع الإسرائيلية، مشيراً إلى أن تبدل الحكومة الإسرائيلية لا يغير موقف الحزب، بينما يمنحه مسار واشنطن وطهران وزناً في تحديد ظروف المواجهة اللبنانية. ومن هنا تبرز المشكلة التي تواجه الدولة اللبنانية، إذا بقي قرار السلاح مرتبطاً بما تحققه إيران في تفاوضها، فستظل قدرة لبنان على التفاوض باسمه منقوصة، مهما كانت هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية.

نتنياهو يتقدم في معركة البقاء، ولبنان أمام ضغط قد يتجاوز نتائج الانتخابات

وعليه ومع ارتفاع حظوظ نتنياهو في البقاء على رأس الحكومة الإسرائيلية، تضيق مساحة الرهان اللبناني على تغيير سياسي في إسرائيل، يخفف شروطها الأمنية، لكنه يفتح سؤالاً آخر، هل يستخدم نتنياهو بقاءه لمواصلة الضغط العسكري على لبنان وإيران، أم لتحويل المكاسب العسكرية إلى اتفاقات برعاية أميركية؟ وتتوقف الإجابة عن الحكومة التي يستطيع تشكيلها، وعلى ما يريده منه بعد الانتخابات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعلن تأييده الكامل لنتنياهو، وكتب عبر منصته "تروث سوشيال"، رسالة إلى الإسرائيليين، وقال إنه "إذا اختارت إسرائيل أي شخص غير نتنياهو فسيكون الزعيم الخطأ". ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي، فدعم ترمب لنتنياهو يمنحه سنداً سياسياً، لكنه قد يمنح واشنطن أيضاً قدرة على مطالبته بائتلاف أكثر ملاءمة لترتيباتها الإقليمية، وقد تناولت قراءة في صحيفة "جيروزاليم بوست" احتمال أن يستخدم ترمب دعمه للضغط في اتجاه حكومة تخدم أولوياته، في غزة ولبنان وسوريا، ولو تطلب ذلك إبعاد بعض الوزراء المتشددين.

نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية

من هنا تصبح رهانات بعض الداخل اللبناني أضعف، لا سيما من يعلق خروجه من الأزمة على اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، إذ صحيح أن نتنياهو يجعل التشدد الأمني جزءاً من خطابه السياسي، لكن رحيله، إذا حصل، لا يعني أن حكومة يقودها آيزنكوت ستقبل ببقاء قدرة عسكرية مستقلة لـ"حزب الله" عند الحدود، ونقل الإعلام اللبناني عن مصدر أميركي، قبيل الانتخابات، قوله إن الاختلاف المحتمل بين الرجلين يتعلق بأسلوب التفاوض وشروط الانسحاب وتوقيته، فيما يبقى نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية، وهذا ما ينسجم مع ضرورة الفصل بين الخلاف الإسرائيلي على القيادة، والخلاف على أهداف الأمن القومي، ذلك أن المعارضة الإسرائيلية لنتنياهو ليست معارضة لضرب "حزب الله"، وقد يكون هناك اعتراض على توقيت العملية، أو على إدارتها، أو على غياب خطة سياسية بعدها، ومن يراهن في لبنان على أن آيزنكوت سيكون أكثر تساهلاً مع سلاح الحزب، يحتاج إلى دليل يتجاوز رغبته في هزيمة نتنياهو، وبقاء الأخير يرجح استمرار التشدد في تطبيق المعادلة التي تتبناها حكومته، أي الانسحاب المرتبط بإزالة التهديد والتحقق من ذلك، وهنا تكمن المواجهة المقبلة مع الدولة اللبنانية، حول تعريف "الإنجاز الأمني الكافي"، والجهة التي تقرر أن شروط الانسحاب تحققت، وينص اتفاق الإطار والموقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في الـ26 من يونيو (حزيران) الماضي، على نزع سلاح "حزب الله" تدريجاً، وانتشار الجيش اللبناني، وانسحاب القوات الإسرائيلية، لكن تنفيذه بقي محدوداً، وتقول إسرائيل إن وجود قواتها مرتبط باستمرار التهديد، وهذا التباعد بين الاتفاق وتطبيقه هو المساحة التي يمكن أن تتسع فيها السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

"حزب الله" أمام ضيق الخيارات

سياسياً، يضع تقدم نتنياهو "حزب الله" أمام احتمال استمرار القيادة الإسرائيلية نفسها وشروطها، ولا يوفر تعثر تشكيل الحكومة ضمانة لهدوء عسكري، فالقيادة القائمة تستمر في إدارة الملفات الأمنية. ومن الخطأ افتراض أن الانقسام الإسرائيلي يساوي عجزاً عن استخدام القوة، لذلك، لا يستطيع الحزب بناء حساباته على أن إسرائيل منشغلة بنفسها.

في المقابل، يصبح استمرار السلاح خارج الدولة أكثر كلفة على لبنان، كلما ربطت إسرائيل انسحابها بإزالته، إذ يقول الحزب إنه يحتفظ بسلاحه بسبب الاحتلال، وإسرائيل تستخدم السلاح لتبرير بقائها. ويتطلب كسر هذه الدائرة قراراً لبنانياً مستقلاً، يضع السلاح تحت سلطة الدولة ويطالب بانسحاب مقابل، وبضمانات ومواعيد وآلية تحقق.

أما في حال استخدم الحزب الجنوب مجدداً للرد على مواجهة تخص إيران، فسيضع اللبنانيين أمام حرب لا يقررون توقيتها ولا نهايتها، والانتخابات الإسرائيلية لا تغير هذه الحقيقة، وسبق لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن هدد بتوسيع العمليات البرية في لبنان، إذا انضم "حزب الله" إلى هجوم إيراني على إسرائيل.

إيران هي الملف الأشد تأثيراً في المرحلة المقبلة

إقليمياً، يستطيع نتنياهو استخدام التهديد الإيراني لتبرير تشكيل حكومة وحدة، أو للدفاع عن استمرار قيادته خلال الفراغ الائتلافي، لكن الانتقال من هذا الخطاب إلى هجوم جديد، يتوقف بدرجة كبيرة على الموقف الأميركي، وعلى تقدير الرد الإيراني وكلفته، وفي تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، أشير إلى أن الانسداد الانتخابي لا يستبعد تحركاً عسكرياً جديداً ضد إيران، وأن بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية لا يشل بالضرورة القرار الأمني، وتناول التقرير خططاً وتقديرات ومواقف متخصصين، ونقلت عن المحلل السابق لشؤون إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، أنه "لم يعد هناك قيود قانونية، ولا يزال بإمكانه (نتنياهو) فعل ما يراه مناسباً ولا يستطيع قادة الجيش الرفض، وهم يستعدون"، وقد "كان الجيش الإسرائيلي ضد بدء الحرب الآن، ولكن عندما يتصل به ترمب ويقول: هذا هو الوقت المناسب، فلن يقولوا لا"، وأضاف سيرينوفيتش أنه لو حصل تحالف المعارضة اليهودية على غالبية عاملة "لكان الأمر أصعب عليه من ناحية الشرعية" أما "الآن وقد أصبح لديه أكبر حزب (في الكنيست) فهذه ثقة إضافية".

سوريا وغزة والضفة الغربية

وبالنسبة إلى الملفات الداخلية، إذا عاد نتنياهو معتمداً على حلفائه في اليمين المتشدد، فقد يضيق هامش التسوية في غزة، ويتعزز الضغط لتوسيع الاستيطان، وفرض وقائع ضم في الضفة الغربية، بما يزيد صعوبة قيام دولة فلسطينية، وأهم ما ينبغي مراقبته هو قدرة نتنياهو على جذب شركاء جدد، ومدى استعداد المعارضة للتعاون مع الأحزاب العربية، ثم طبيعة الرسائل الأميركية في شأن إيران، وصحيح أن نتنياهو لم يحسم رئاسة الحكومة بعد، لكنه أثبت أن إخراجه أصعب مما توقع خصومه.

وستكون مشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مؤشراً إلى حجم الضغط الداخلي على أي تسوية، وإخراجهما، إذا حصل، قد يخفف عائقاً ائتلافياً، لكنه لا يثبت وحده تغير سياسة نتنياهو.

أما في سوريا فالسؤال الذي ينبغي متابعته هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستقبل ترتيبات أمنية، تحد من وجودها العسكري مقابل ضمانات، أم ستفضل استمرار حرية التحرك.

وهذا يهم لبنان مباشرة، لأن ملف الحدود، وحركة السلاح، والانتشار العسكري، يتأثر بما يجري على جانبيه.

موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل

وبالنسبة إلى لبنان، هذا يعني أن الوقت السياسي لا ينتظر تبدل الأسماء في إسرائيل، وكل شهر يتأخر فيه القرار اللبناني المستقل يضيف وقائع عسكرية يصعب التراجع عنها، وتطرح الانتخابات الإسرائيلية سؤالاً عن موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل، هل تدخل بيروت صاحبة القرار هذا المسار، أم تنتظر ما تتفق عليه العواصم في شأن أرضها وسلاح "حزب الله"؟ وإذا بقي الملف اللبناني مربوطاً بمفاوضات طهران، فستحاول إيران احتساب التهدئة في لبنان تنازلاً تقدمه، والمطالبة بثمن مقابل ضبط سلاح يفترض أن يخضع أصلاً لسلطة الدولة اللبنانية، عندها يصبح أمن اللبنانيين جزءاً من تفاوض على مصالح إيرانية، وتبقى بيروت مطالبة بتنفيذ ترتيبات لم تشارك في تحديد شروطها.

من هنا، تقرأ احتمالات بقاء نتنياهو من زاوية قدرته على التأثير في حدود أي اتفاق مع طهران، فهل تقبل إسرائيل بتفاهم يعالج الملف النووي، ويترك قدرات إيران العسكرية ونفوذها عبر الجماعات المسلحة خارج المعالجة؟ أم تضغط لربط التسوية بقيود تشمل هذه الملفات؟

وأي اتفاق يخفض التصعيد، ويبقي قرار الحرب خارج الدولة قد يمنح اللبنانيين هدنة، لكنه يترك أسباب تعريضهم لحرب جديدة قائمة، وتبرز هنا أهمية الدور العربي في دعم تفاوض تقوده الدولة اللبنانية، ويضع انسحاب إسرائيل وحصر السلاح في يد مؤسساتها ضمن التزامات واضحة، والمطلوب منع طهران من التصرف بلبنان كورقة تملك حق تقديمها أو الاحتفاظ بها، ومنع إسرائيل من اتخاذ النفوذ الإيراني ذريعة لفرض وجود عسكري دائم.

وسيظهر أثر الانتخابات في الشروط التي ستوضع أمام لبنان، وفي مقدار ما تستطيع بيروت تعديله منها، ذلك أن الانتظار يستهلك قدرة الدولة على التفاوض، خصوصاً إذا بقي قرار السلاح خارج سلطتها، وبقي تنفيذ التزاماتها خاضعاً لموافقة "حزب الله".

وزن بيروت في المرحلة المقبلة يتوقف على قدرتها على التفاوض باسم لبنان

في المحصلة تقدم نتنياهو لا يعني أنه حسم تشكيل الحكومة، لكنه أبقى خصومه أمام معضلة تحويل مقاعدهم إلى أكثرية قادرة على إطاحته.

أما لبنان فلا يستطيع التعامل مع احتمال رحيله باعتباره انفراجاً أمنياً، والخلاف الإسرائيلي على قيادة نتنياهو ومحاسبته، لا يعني استعداد منافسيه لقبول استمرار سلاح "حزب الله" خارج الدولة.

إقليمياً تتصل أهمية الانتخابات بقدرة الحكومة المقبلة في تل أبيب على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية، وقول نعيم قاسم إن هوية من يحكم إسرائيل لا تعنيه، مقابل تعويله على التفاهم الأميركي - الإيراني، يكشف أين يضع الحزب رهانه.

لذلك يتوقف وزن بيروت في المرحلة المقبلة على قدرتها على التفاوض باسم لبنان، وتنفيذ التزاماتها، والمطالبة بانسحاب إسرائيل بضمانات واضحة، وإلا ستفاوض على أمن البلد بسلطة منقوصة، وتترك للآخرين تحديد الثمن والشروط.

المصدر الأصلي

تتصل أهمية الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أخيراً بقدرة الحكومة المقبلة على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان يكمن في أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية.

دخلت إسرائيل بعد اكتمال فرز الأصوات معركة على شرعية الحكم وحدود التفويض الذي تمنحه الانتخابات، فيما بقيت هوية رئيس الحكومة المقبلة معلقة.

واحتفظ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزبه "الليكود" بالصدارة، وتقدم معسكره على كتلة مرشح المعارضة غادي آيزنكوت، لكنه فقد الأكثرية التي تتيح له الحكم، أما المعارضة، فحصلت مع الأحزاب العربية على مقاعد تكفي لإطاحته، من دون أن تتوصل بعد إلى اتفاق يتيح لها استخدام هذه الأكثرية. وربما تمنح هذه الفجوة، بين الحساب النيابي والقدرة السياسية، نتنياهو فرصة البقاء، وتجعل وصف النتيجة بأنها انتصار محسوم له.

أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023

وتتجاوز أهمية الانتخابات مصير الرجل الذي حكم إسرائيل فترة أطول من أي رئيس حكومة آخر، إذ إنها أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحروب التي تلته، ولذلك حملت سؤال المحاسبة على الإخفاق الأمني، وسؤال ما إذا كانت العمليات العسكرية حققت أمناً قابلاً للاستمرار، ويأتي ذلك في ما لا تزال ملفات إيران ولبنان وغزة مفتوحة، وعليه فإن الحكومة المقبلة ستقرر كيف ستتعامل مع نتائج الحرب، هل تفاوض على ترتيبات تثبتها، أم تعتبر أن أهدافها لم تتحقق بعد وتواصل استخدام القوة؟ ولهذا تحديداً، يتابع لبنان والمنطقة مفاوضات الائتلاف الإسرائيلي بالاهتمام نفسه الذي تابع به فرز الأصوات.

أين أصبحت النتائج؟

اكتمل الفرز، بما فيه أصوات المظاريف المزدوجة، واستقر توزيع الكتل على 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و48 للمعارضة، و19 للأحزاب العربية، وبلغت المشاركة، وفق آخر البيانات المنشورة، 77.9 في المئة، أما تسليم النتائج الرسمية المعتمدة إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ فمقرر في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يؤدي الكنيست الجديد اليمين في العاشر منه، وكان "الليكود" حصل على 27 مقعداً، وحزب "يشار" بقيادة آيزنكوت على 21، وتحالف "معاً" على 12، ونالت "القائمة المشتركة" 11 مقعداً، و"الديمقراطيون" و"القائمة العربية الموحدة" ثمانية لكل منهما، و"إسرائيل بيتنا" و"يهدوت هتوراة" و"القوة اليهودية" سبعة لكل منها، فيما حصل "شاس" الحريدي السفاردي و"الصهيونية الدينية" على ستة لكل منهما.

هذا التوزيع لمقاعد الكنيست الإسرائيلي له مغزى سياسي واضح، إذ يحتاج نتنياهو إلى تأييد إضافي من خارج معسكره، فيما تحتاج المعارضة إلى تسوية خلافاتها حول التعاون مع الأحزاب العربية، ولم يقلب فرز أصوات الجنود وسائر المظاريف الخاصة ميزان الكتل، بل رفع الليكود مقعداً على حساب "شاس"، ورفع "الموحدة" مقعداً على حساب "المشتركة"، أي إن التبدل وقع داخل المعسكرات، وبقي مأزق تشكيل الحكومة قائماً.

ماذا قالت القوى الإسرائيلية في الساعات الماضية؟

انتقلت أبرز التصريحات خلال نهار الـ29 من أكتوبر وليلته، من المنافسة على تشكيل الحكومة إلى النزاع على تفسير النتائج ونزاهة الاقتراع، إذ صعد الليكود من حدة اتهاماته وقال إن الانتخابات "سرقت"، وربطها بشبهات تدخل خارجي، ولكن تبقى هذه الاتهامات سياسية ولم تثبتها نتائج تحقيق معلنة.

من جهته اتهم آيزنكوت، نتنياهو والليكود بإدارة حملة منظمة لنزع الشرعية عن النتائج، مؤكداً رفض أي تعطيل لانعقاد الكنيست.

بدوره دعا الرئيس هرتسوغ إلى تحقيق كامل في الشبهات، وحذر من تلطيخ سمعة المجتمع العربي بأسره، وجدد مطالبة الأحزاب بخوض مفاوضات الائتلاف بعقل منفتح، وشددت لجنة الانتخابات و"الشاباك" على الفصل بين التحقيق والنتائج، وأكدت اللجنة أن التحقيق لا يؤثر في النتائج التي سترفع إلى الرئيس، فيما رفض "الشاباك" تعميم الشبهات على المواطنين العرب الذين مارسوا حقهم في التصويت.

وبالتوازي، أفادت تقارير إعلامية باجتماع نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش لتنسيق خطواتهما بعد الانتخابات، وتكشف هذه المواقف أن معركة الأكثرية بدأت قبل التكليف الرسمي، فنتنياهو يسعى إلى إبقاء معسكره متماسكاً ورفع الكلفة السياسية، لأي تعاون بين خصومه والأحزاب العربية، أما المعارضة فتحاول تثبيت نتيجة الاقتراع ومنع احتكار القرار البرلماني، لكنها لم تحل بعد تناقضها الأساس، فكيف تطيح نتنياهو وهي ترفض، أو تتحفظ على الشراكة مع قوى تحتاج إلى أصواتها؟

قرارات أمنية تمس دول الجوار

وفي موازاة ذلك، لماذا يعطي لبنان والمنطقة الانتخابات الإسرائيلية الحالية أهمية قصوى؟

تتزامن المفاوضات الحكومية في الداخل الإسرائيلي مع قرارات أمنية يمكن أن تمس دول الجوار مباشرة، ففي لبنان، يتعلق الأمر باستمرار العمليات الإسرائيلية، وشروط الانسحاب، ومستقبل سلاح "حزب الله"، وفي إيران، يتعلق باحتمال العودة إلى التصعيد أو اختبار التفاوض، أما في الملف الفلسطيني فتركيبة الحكومة ستؤثر في قدرة أي رئيس لها، على قبول ترتيبات تعارضها قوى اليمين المتشدد.

تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني

ولكن يحتاج الربط بين النتيجة الانتخابية واتجاه الحرب إلى دقة أكبر، فحكومة أوسع برئاسة نتنياهو قد تمنحه قدرة على تمرير اتفاق يصعب فرضه على شركائه الحاليين، وقد تمنحه أيضاً غطاءً أوسع لعملية عسكرية، كذلك فإن تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني، إذ يبقى نتنياهو في منصبه خلال المرحلة الانتقالية، لذلك ينبغي مراقبة مضمون التفاهمات الائتلافية، إلى جانب أسماء المشاركين فيها.

الخلاف حول نتنياهو لا يغير الإجماع الإسرائيلي على مواجهة "حزب الله"

في السياق يصبح اهتمام لبنان بهذه الانتخابات مبرراً، لأن قرارات الحكومة المقبلة ستؤثر في أرضه وأمن مواطنيه، أما تعليق القرار اللبناني عليها فيمنح إسرائيل وإيران وقتاً إضافياً لتحديد شروط المرحلة، فيما تواصل بيروت انتظار ما يقرره الآخرون، ولا يملك لبنان مصلحة في اختزال خياراته بانتظار هزيمة نتنياهو، فالخلاف الإسرائيلي على قيادته ومحاسبته، لا يثبت وجود خلاف مماثل على منع إعادة بناء قدرات "حزب الله" العسكرية.

وقد يكون التباين بين حكومة وأخرى في شروط الاتفاق وتوقيته وآلية تنفيذه، وهي فروق مهمة للبنان، لكنها لا تسمح بافتراض أن تغيير رئيس الحكومة سيلغي المطالب الأمنية الإسرائيلية، وكان الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، قال في بيان صدر في الـ28 من أكتوبر الجاري "لا يعنينا من يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب، لكن فليعلم أنه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا"، وأكد أن "المقاومة مستمرة، وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محل للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً"، لافتاً إلى أن "على العدو أن ينسحب وفق اتفاق الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والقرار 1701، وينتشر الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني"، والأهم في بيان قاسم أنه أعطى أهمية مباشرة للتفاهم الأميركي - الإيراني، واعتبره مصدراً للقوة إلى جانب صمود الحزب وبيئته، وقال إن هذا التفاهم هو "مصدر القوة الوحيد المتاح إلى جانب صمود المقاومة"، ورأى أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أسهمت في خفض مستوى الهجمات على لبنان، ووضع رهانه خارج صناديق الاقتراع الإسرائيلية، مشيراً إلى أن تبدل الحكومة الإسرائيلية لا يغير موقف الحزب، بينما يمنحه مسار واشنطن وطهران وزناً في تحديد ظروف المواجهة اللبنانية. ومن هنا تبرز المشكلة التي تواجه الدولة اللبنانية، إذا بقي قرار السلاح مرتبطاً بما تحققه إيران في تفاوضها، فستظل قدرة لبنان على التفاوض باسمه منقوصة، مهما كانت هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية.

نتنياهو يتقدم في معركة البقاء، ولبنان أمام ضغط قد يتجاوز نتائج الانتخابات

وعليه ومع ارتفاع حظوظ نتنياهو في البقاء على رأس الحكومة الإسرائيلية، تضيق مساحة الرهان اللبناني على تغيير سياسي في إسرائيل، يخفف شروطها الأمنية، لكنه يفتح سؤالاً آخر، هل يستخدم نتنياهو بقاءه لمواصلة الضغط العسكري على لبنان وإيران، أم لتحويل المكاسب العسكرية إلى اتفاقات برعاية أميركية؟ وتتوقف الإجابة عن الحكومة التي يستطيع تشكيلها، وعلى ما يريده منه بعد الانتخابات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعلن تأييده الكامل لنتنياهو، وكتب عبر منصته "تروث سوشيال"، رسالة إلى الإسرائيليين، وقال إنه "إذا اختارت إسرائيل أي شخص غير نتنياهو فسيكون الزعيم الخطأ". ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي، فدعم ترمب لنتنياهو يمنحه سنداً سياسياً، لكنه قد يمنح واشنطن أيضاً قدرة على مطالبته بائتلاف أكثر ملاءمة لترتيباتها الإقليمية، وقد تناولت قراءة في صحيفة "جيروزاليم بوست" احتمال أن يستخدم ترمب دعمه للضغط في اتجاه حكومة تخدم أولوياته، في غزة ولبنان وسوريا، ولو تطلب ذلك إبعاد بعض الوزراء المتشددين.

نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية

من هنا تصبح رهانات بعض الداخل اللبناني أضعف، لا سيما من يعلق خروجه من الأزمة على اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، إذ صحيح أن نتنياهو يجعل التشدد الأمني جزءاً من خطابه السياسي، لكن رحيله، إذا حصل، لا يعني أن حكومة يقودها آيزنكوت ستقبل ببقاء قدرة عسكرية مستقلة لـ"حزب الله" عند الحدود، ونقل الإعلام اللبناني عن مصدر أميركي، قبيل الانتخابات، قوله إن الاختلاف المحتمل بين الرجلين يتعلق بأسلوب التفاوض وشروط الانسحاب وتوقيته، فيما يبقى نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية، وهذا ما ينسجم مع ضرورة الفصل بين الخلاف الإسرائيلي على القيادة، والخلاف على أهداف الأمن القومي، ذلك أن المعارضة الإسرائيلية لنتنياهو ليست معارضة لضرب "حزب الله"، وقد يكون هناك اعتراض على توقيت العملية، أو على إدارتها، أو على غياب خطة سياسية بعدها، ومن يراهن في لبنان على أن آيزنكوت سيكون أكثر تساهلاً مع سلاح الحزب، يحتاج إلى دليل يتجاوز رغبته في هزيمة نتنياهو، وبقاء الأخير يرجح استمرار التشدد في تطبيق المعادلة التي تتبناها حكومته، أي الانسحاب المرتبط بإزالة التهديد والتحقق من ذلك، وهنا تكمن المواجهة المقبلة مع الدولة اللبنانية، حول تعريف "الإنجاز الأمني الكافي"، والجهة التي تقرر أن شروط الانسحاب تحققت، وينص اتفاق الإطار والموقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في الـ26 من يونيو (حزيران) الماضي، على نزع سلاح "حزب الله" تدريجاً، وانتشار الجيش اللبناني، وانسحاب القوات الإسرائيلية، لكن تنفيذه بقي محدوداً، وتقول إسرائيل إن وجود قواتها مرتبط باستمرار التهديد، وهذا التباعد بين الاتفاق وتطبيقه هو المساحة التي يمكن أن تتسع فيها السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

"حزب الله" أمام ضيق الخيارات

سياسياً، يضع تقدم نتنياهو "حزب الله" أمام احتمال استمرار القيادة الإسرائيلية نفسها وشروطها، ولا يوفر تعثر تشكيل الحكومة ضمانة لهدوء عسكري، فالقيادة القائمة تستمر في إدارة الملفات الأمنية. ومن الخطأ افتراض أن الانقسام الإسرائيلي يساوي عجزاً عن استخدام القوة، لذلك، لا يستطيع الحزب بناء حساباته على أن إسرائيل منشغلة بنفسها.

في المقابل، يصبح استمرار السلاح خارج الدولة أكثر كلفة على لبنان، كلما ربطت إسرائيل انسحابها بإزالته، إذ يقول الحزب إنه يحتفظ بسلاحه بسبب الاحتلال، وإسرائيل تستخدم السلاح لتبرير بقائها. ويتطلب كسر هذه الدائرة قراراً لبنانياً مستقلاً، يضع السلاح تحت سلطة الدولة ويطالب بانسحاب مقابل، وبضمانات ومواعيد وآلية تحقق.

أما في حال استخدم الحزب الجنوب مجدداً للرد على مواجهة تخص إيران، فسيضع اللبنانيين أمام حرب لا يقررون توقيتها ولا نهايتها، والانتخابات الإسرائيلية لا تغير هذه الحقيقة، وسبق لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن هدد بتوسيع العمليات البرية في لبنان، إذا انضم "حزب الله" إلى هجوم إيراني على إسرائيل.

إيران هي الملف الأشد تأثيراً في المرحلة المقبلة

إقليمياً، يستطيع نتنياهو استخدام التهديد الإيراني لتبرير تشكيل حكومة وحدة، أو للدفاع عن استمرار قيادته خلال الفراغ الائتلافي، لكن الانتقال من هذا الخطاب إلى هجوم جديد، يتوقف بدرجة كبيرة على الموقف الأميركي، وعلى تقدير الرد الإيراني وكلفته، وفي تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، أشير إلى أن الانسداد الانتخابي لا يستبعد تحركاً عسكرياً جديداً ضد إيران، وأن بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية لا يشل بالضرورة القرار الأمني، وتناول التقرير خططاً وتقديرات ومواقف متخصصين، ونقلت عن المحلل السابق لشؤون إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، أنه "لم يعد هناك قيود قانونية، ولا يزال بإمكانه (نتنياهو) فعل ما يراه مناسباً ولا يستطيع قادة الجيش الرفض، وهم يستعدون"، وقد "كان الجيش الإسرائيلي ضد بدء الحرب الآن، ولكن عندما يتصل به ترمب ويقول: هذا هو الوقت المناسب، فلن يقولوا لا"، وأضاف سيرينوفيتش أنه لو حصل تحالف المعارضة اليهودية على غالبية عاملة "لكان الأمر أصعب عليه من ناحية الشرعية" أما "الآن وقد أصبح لديه أكبر حزب (في الكنيست) فهذه ثقة إضافية".

سوريا وغزة والضفة الغربية

وبالنسبة إلى الملفات الداخلية، إذا عاد نتنياهو معتمداً على حلفائه في اليمين المتشدد، فقد يضيق هامش التسوية في غزة، ويتعزز الضغط لتوسيع الاستيطان، وفرض وقائع ضم في الضفة الغربية، بما يزيد صعوبة قيام دولة فلسطينية، وأهم ما ينبغي مراقبته هو قدرة نتنياهو على جذب شركاء جدد، ومدى استعداد المعارضة للتعاون مع الأحزاب العربية، ثم طبيعة الرسائل الأميركية في شأن إيران، وصحيح أن نتنياهو لم يحسم رئاسة الحكومة بعد، لكنه أثبت أن إخراجه أصعب مما توقع خصومه.

وستكون مشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مؤشراً إلى حجم الضغط الداخلي على أي تسوية، وإخراجهما، إذا حصل، قد يخفف عائقاً ائتلافياً، لكنه لا يثبت وحده تغير سياسة نتنياهو.

أما في سوريا فالسؤال الذي ينبغي متابعته هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستقبل ترتيبات أمنية، تحد من وجودها العسكري مقابل ضمانات، أم ستفضل استمرار حرية التحرك.

وهذا يهم لبنان مباشرة، لأن ملف الحدود، وحركة السلاح، والانتشار العسكري، يتأثر بما يجري على جانبيه.

موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل

وبالنسبة إلى لبنان، هذا يعني أن الوقت السياسي لا ينتظر تبدل الأسماء في إسرائيل، وكل شهر يتأخر فيه القرار اللبناني المستقل يضيف وقائع عسكرية يصعب التراجع عنها، وتطرح الانتخابات الإسرائيلية سؤالاً عن موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل، هل تدخل بيروت صاحبة القرار هذا المسار، أم تنتظر ما تتفق عليه العواصم في شأن أرضها وسلاح "حزب الله"؟ وإذا بقي الملف اللبناني مربوطاً بمفاوضات طهران، فستحاول إيران احتساب التهدئة في لبنان تنازلاً تقدمه، والمطالبة بثمن مقابل ضبط سلاح يفترض أن يخضع أصلاً لسلطة الدولة اللبنانية، عندها يصبح أمن اللبنانيين جزءاً من تفاوض على مصالح إيرانية، وتبقى بيروت مطالبة بتنفيذ ترتيبات لم تشارك في تحديد شروطها.

من هنا، تقرأ احتمالات بقاء نتنياهو من زاوية قدرته على التأثير في حدود أي اتفاق مع طهران، فهل تقبل إسرائيل بتفاهم يعالج الملف النووي، ويترك قدرات إيران العسكرية ونفوذها عبر الجماعات المسلحة خارج المعالجة؟ أم تضغط لربط التسوية بقيود تشمل هذه الملفات؟

وأي اتفاق يخفض التصعيد، ويبقي قرار الحرب خارج الدولة قد يمنح اللبنانيين هدنة، لكنه يترك أسباب تعريضهم لحرب جديدة قائمة، وتبرز هنا أهمية الدور العربي في دعم تفاوض تقوده الدولة اللبنانية، ويضع انسحاب إسرائيل وحصر السلاح في يد مؤسساتها ضمن التزامات واضحة، والمطلوب منع طهران من التصرف بلبنان كورقة تملك حق تقديمها أو الاحتفاظ بها، ومنع إسرائيل من اتخاذ النفوذ الإيراني ذريعة لفرض وجود عسكري دائم.

وسيظهر أثر الانتخابات في الشروط التي ستوضع أمام لبنان، وفي مقدار ما تستطيع بيروت تعديله منها، ذلك أن الانتظار يستهلك قدرة الدولة على التفاوض، خصوصاً إذا بقي قرار السلاح خارج سلطتها، وبقي تنفيذ التزاماتها خاضعاً لموافقة "حزب الله".

وزن بيروت في المرحلة المقبلة يتوقف على قدرتها على التفاوض باسم لبنان

في المحصلة تقدم نتنياهو لا يعني أنه حسم تشكيل الحكومة، لكنه أبقى خصومه أمام معضلة تحويل مقاعدهم إلى أكثرية قادرة على إطاحته.

أما لبنان فلا يستطيع التعامل مع احتمال رحيله باعتباره انفراجاً أمنياً، والخلاف الإسرائيلي على قيادة نتنياهو ومحاسبته، لا يعني استعداد منافسيه لقبول استمرار سلاح "حزب الله" خارج الدولة.

إقليمياً تتصل أهمية الانتخابات بقدرة الحكومة المقبلة في تل أبيب على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية، وقول نعيم قاسم إن هوية من يحكم إسرائيل لا تعنيه، مقابل تعويله على التفاهم الأميركي - الإيراني، يكشف أين يضع الحزب رهانه.

لذلك يتوقف وزن بيروت في المرحلة المقبلة على قدرتها على التفاوض باسم لبنان، وتنفيذ التزاماتها، والمطالبة بانسحاب إسرائيل بضمانات واضحة، وإلا ستفاوض على أمن البلد بسلطة منقوصة، وتترك للآخرين تحديد الثمن والشروط.

المصدر الأصلي

تتصل أهمية الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أخيراً بقدرة الحكومة المقبلة على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان يكمن في أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية.

دخلت إسرائيل بعد اكتمال فرز الأصوات معركة على شرعية الحكم وحدود التفويض الذي تمنحه الانتخابات، فيما بقيت هوية رئيس الحكومة المقبلة معلقة.

واحتفظ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزبه "الليكود" بالصدارة، وتقدم معسكره على كتلة مرشح المعارضة غادي آيزنكوت، لكنه فقد الأكثرية التي تتيح له الحكم، أما المعارضة، فحصلت مع الأحزاب العربية على مقاعد تكفي لإطاحته، من دون أن تتوصل بعد إلى اتفاق يتيح لها استخدام هذه الأكثرية. وربما تمنح هذه الفجوة، بين الحساب النيابي والقدرة السياسية، نتنياهو فرصة البقاء، وتجعل وصف النتيجة بأنها انتصار محسوم له.

أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023

وتتجاوز أهمية الانتخابات مصير الرجل الذي حكم إسرائيل فترة أطول من أي رئيس حكومة آخر، إذ إنها أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحروب التي تلته، ولذلك حملت سؤال المحاسبة على الإخفاق الأمني، وسؤال ما إذا كانت العمليات العسكرية حققت أمناً قابلاً للاستمرار، ويأتي ذلك في ما لا تزال ملفات إيران ولبنان وغزة مفتوحة، وعليه فإن الحكومة المقبلة ستقرر كيف ستتعامل مع نتائج الحرب، هل تفاوض على ترتيبات تثبتها، أم تعتبر أن أهدافها لم تتحقق بعد وتواصل استخدام القوة؟ ولهذا تحديداً، يتابع لبنان والمنطقة مفاوضات الائتلاف الإسرائيلي بالاهتمام نفسه الذي تابع به فرز الأصوات.

أين أصبحت النتائج؟

اكتمل الفرز، بما فيه أصوات المظاريف المزدوجة، واستقر توزيع الكتل على 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و48 للمعارضة، و19 للأحزاب العربية، وبلغت المشاركة، وفق آخر البيانات المنشورة، 77.9 في المئة، أما تسليم النتائج الرسمية المعتمدة إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ فمقرر في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يؤدي الكنيست الجديد اليمين في العاشر منه، وكان "الليكود" حصل على 27 مقعداً، وحزب "يشار" بقيادة آيزنكوت على 21، وتحالف "معاً" على 12، ونالت "القائمة المشتركة" 11 مقعداً، و"الديمقراطيون" و"القائمة العربية الموحدة" ثمانية لكل منهما، و"إسرائيل بيتنا" و"يهدوت هتوراة" و"القوة اليهودية" سبعة لكل منها، فيما حصل "شاس" الحريدي السفاردي و"الصهيونية الدينية" على ستة لكل منهما.

هذا التوزيع لمقاعد الكنيست الإسرائيلي له مغزى سياسي واضح، إذ يحتاج نتنياهو إلى تأييد إضافي من خارج معسكره، فيما تحتاج المعارضة إلى تسوية خلافاتها حول التعاون مع الأحزاب العربية، ولم يقلب فرز أصوات الجنود وسائر المظاريف الخاصة ميزان الكتل، بل رفع الليكود مقعداً على حساب "شاس"، ورفع "الموحدة" مقعداً على حساب "المشتركة"، أي إن التبدل وقع داخل المعسكرات، وبقي مأزق تشكيل الحكومة قائماً.

ماذا قالت القوى الإسرائيلية في الساعات الماضية؟

انتقلت أبرز التصريحات خلال نهار الـ29 من أكتوبر وليلته، من المنافسة على تشكيل الحكومة إلى النزاع على تفسير النتائج ونزاهة الاقتراع، إذ صعد الليكود من حدة اتهاماته وقال إن الانتخابات "سرقت"، وربطها بشبهات تدخل خارجي، ولكن تبقى هذه الاتهامات سياسية ولم تثبتها نتائج تحقيق معلنة.

من جهته اتهم آيزنكوت، نتنياهو والليكود بإدارة حملة منظمة لنزع الشرعية عن النتائج، مؤكداً رفض أي تعطيل لانعقاد الكنيست.

بدوره دعا الرئيس هرتسوغ إلى تحقيق كامل في الشبهات، وحذر من تلطيخ سمعة المجتمع العربي بأسره، وجدد مطالبة الأحزاب بخوض مفاوضات الائتلاف بعقل منفتح، وشددت لجنة الانتخابات و"الشاباك" على الفصل بين التحقيق والنتائج، وأكدت اللجنة أن التحقيق لا يؤثر في النتائج التي سترفع إلى الرئيس، فيما رفض "الشاباك" تعميم الشبهات على المواطنين العرب الذين مارسوا حقهم في التصويت.

وبالتوازي، أفادت تقارير إعلامية باجتماع نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش لتنسيق خطواتهما بعد الانتخابات، وتكشف هذه المواقف أن معركة الأكثرية بدأت قبل التكليف الرسمي، فنتنياهو يسعى إلى إبقاء معسكره متماسكاً ورفع الكلفة السياسية، لأي تعاون بين خصومه والأحزاب العربية، أما المعارضة فتحاول تثبيت نتيجة الاقتراع ومنع احتكار القرار البرلماني، لكنها لم تحل بعد تناقضها الأساس، فكيف تطيح نتنياهو وهي ترفض، أو تتحفظ على الشراكة مع قوى تحتاج إلى أصواتها؟

قرارات أمنية تمس دول الجوار

وفي موازاة ذلك، لماذا يعطي لبنان والمنطقة الانتخابات الإسرائيلية الحالية أهمية قصوى؟

تتزامن المفاوضات الحكومية في الداخل الإسرائيلي مع قرارات أمنية يمكن أن تمس دول الجوار مباشرة، ففي لبنان، يتعلق الأمر باستمرار العمليات الإسرائيلية، وشروط الانسحاب، ومستقبل سلاح "حزب الله"، وفي إيران، يتعلق باحتمال العودة إلى التصعيد أو اختبار التفاوض، أما في الملف الفلسطيني فتركيبة الحكومة ستؤثر في قدرة أي رئيس لها، على قبول ترتيبات تعارضها قوى اليمين المتشدد.

تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني

ولكن يحتاج الربط بين النتيجة الانتخابية واتجاه الحرب إلى دقة أكبر، فحكومة أوسع برئاسة نتنياهو قد تمنحه قدرة على تمرير اتفاق يصعب فرضه على شركائه الحاليين، وقد تمنحه أيضاً غطاءً أوسع لعملية عسكرية، كذلك فإن تعثر تشكيل الحكومة لا يعني توقف القرار الأمني، إذ يبقى نتنياهو في منصبه خلال المرحلة الانتقالية، لذلك ينبغي مراقبة مضمون التفاهمات الائتلافية، إلى جانب أسماء المشاركين فيها.

الخلاف حول نتنياهو لا يغير الإجماع الإسرائيلي على مواجهة "حزب الله"

في السياق يصبح اهتمام لبنان بهذه الانتخابات مبرراً، لأن قرارات الحكومة المقبلة ستؤثر في أرضه وأمن مواطنيه، أما تعليق القرار اللبناني عليها فيمنح إسرائيل وإيران وقتاً إضافياً لتحديد شروط المرحلة، فيما تواصل بيروت انتظار ما يقرره الآخرون، ولا يملك لبنان مصلحة في اختزال خياراته بانتظار هزيمة نتنياهو، فالخلاف الإسرائيلي على قيادته ومحاسبته، لا يثبت وجود خلاف مماثل على منع إعادة بناء قدرات "حزب الله" العسكرية.

وقد يكون التباين بين حكومة وأخرى في شروط الاتفاق وتوقيته وآلية تنفيذه، وهي فروق مهمة للبنان، لكنها لا تسمح بافتراض أن تغيير رئيس الحكومة سيلغي المطالب الأمنية الإسرائيلية، وكان الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، قال في بيان صدر في الـ28 من أكتوبر الجاري "لا يعنينا من يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب، لكن فليعلم أنه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا"، وأكد أن "المقاومة مستمرة، وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محل للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً"، لافتاً إلى أن "على العدو أن ينسحب وفق اتفاق الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والقرار 1701، وينتشر الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني"، والأهم في بيان قاسم أنه أعطى أهمية مباشرة للتفاهم الأميركي - الإيراني، واعتبره مصدراً للقوة إلى جانب صمود الحزب وبيئته، وقال إن هذا التفاهم هو "مصدر القوة الوحيد المتاح إلى جانب صمود المقاومة"، ورأى أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أسهمت في خفض مستوى الهجمات على لبنان، ووضع رهانه خارج صناديق الاقتراع الإسرائيلية، مشيراً إلى أن تبدل الحكومة الإسرائيلية لا يغير موقف الحزب، بينما يمنحه مسار واشنطن وطهران وزناً في تحديد ظروف المواجهة اللبنانية. ومن هنا تبرز المشكلة التي تواجه الدولة اللبنانية، إذا بقي قرار السلاح مرتبطاً بما تحققه إيران في تفاوضها، فستظل قدرة لبنان على التفاوض باسمه منقوصة، مهما كانت هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية.

نتنياهو يتقدم في معركة البقاء، ولبنان أمام ضغط قد يتجاوز نتائج الانتخابات

وعليه ومع ارتفاع حظوظ نتنياهو في البقاء على رأس الحكومة الإسرائيلية، تضيق مساحة الرهان اللبناني على تغيير سياسي في إسرائيل، يخفف شروطها الأمنية، لكنه يفتح سؤالاً آخر، هل يستخدم نتنياهو بقاءه لمواصلة الضغط العسكري على لبنان وإيران، أم لتحويل المكاسب العسكرية إلى اتفاقات برعاية أميركية؟ وتتوقف الإجابة عن الحكومة التي يستطيع تشكيلها، وعلى ما يريده منه بعد الانتخابات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعلن تأييده الكامل لنتنياهو، وكتب عبر منصته "تروث سوشيال"، رسالة إلى الإسرائيليين، وقال إنه "إذا اختارت إسرائيل أي شخص غير نتنياهو فسيكون الزعيم الخطأ". ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي، فدعم ترمب لنتنياهو يمنحه سنداً سياسياً، لكنه قد يمنح واشنطن أيضاً قدرة على مطالبته بائتلاف أكثر ملاءمة لترتيباتها الإقليمية، وقد تناولت قراءة في صحيفة "جيروزاليم بوست" احتمال أن يستخدم ترمب دعمه للضغط في اتجاه حكومة تخدم أولوياته، في غزة ولبنان وسوريا، ولو تطلب ذلك إبعاد بعض الوزراء المتشددين.

نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية

من هنا تصبح رهانات بعض الداخل اللبناني أضعف، لا سيما من يعلق خروجه من الأزمة على اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، إذ صحيح أن نتنياهو يجعل التشدد الأمني جزءاً من خطابه السياسي، لكن رحيله، إذا حصل، لا يعني أن حكومة يقودها آيزنكوت ستقبل ببقاء قدرة عسكرية مستقلة لـ"حزب الله" عند الحدود، ونقل الإعلام اللبناني عن مصدر أميركي، قبيل الانتخابات، قوله إن الاختلاف المحتمل بين الرجلين يتعلق بأسلوب التفاوض وشروط الانسحاب وتوقيته، فيما يبقى نزع سلاح "حزب الله" من الثوابت الأمنية الإسرائيلية، وهذا ما ينسجم مع ضرورة الفصل بين الخلاف الإسرائيلي على القيادة، والخلاف على أهداف الأمن القومي، ذلك أن المعارضة الإسرائيلية لنتنياهو ليست معارضة لضرب "حزب الله"، وقد يكون هناك اعتراض على توقيت العملية، أو على إدارتها، أو على غياب خطة سياسية بعدها، ومن يراهن في لبنان على أن آيزنكوت سيكون أكثر تساهلاً مع سلاح الحزب، يحتاج إلى دليل يتجاوز رغبته في هزيمة نتنياهو، وبقاء الأخير يرجح استمرار التشدد في تطبيق المعادلة التي تتبناها حكومته، أي الانسحاب المرتبط بإزالة التهديد والتحقق من ذلك، وهنا تكمن المواجهة المقبلة مع الدولة اللبنانية، حول تعريف "الإنجاز الأمني الكافي"، والجهة التي تقرر أن شروط الانسحاب تحققت، وينص اتفاق الإطار والموقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في الـ26 من يونيو (حزيران) الماضي، على نزع سلاح "حزب الله" تدريجاً، وانتشار الجيش اللبناني، وانسحاب القوات الإسرائيلية، لكن تنفيذه بقي محدوداً، وتقول إسرائيل إن وجود قواتها مرتبط باستمرار التهديد، وهذا التباعد بين الاتفاق وتطبيقه هو المساحة التي يمكن أن تتسع فيها السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

"حزب الله" أمام ضيق الخيارات

سياسياً، يضع تقدم نتنياهو "حزب الله" أمام احتمال استمرار القيادة الإسرائيلية نفسها وشروطها، ولا يوفر تعثر تشكيل الحكومة ضمانة لهدوء عسكري، فالقيادة القائمة تستمر في إدارة الملفات الأمنية. ومن الخطأ افتراض أن الانقسام الإسرائيلي يساوي عجزاً عن استخدام القوة، لذلك، لا يستطيع الحزب بناء حساباته على أن إسرائيل منشغلة بنفسها.

في المقابل، يصبح استمرار السلاح خارج الدولة أكثر كلفة على لبنان، كلما ربطت إسرائيل انسحابها بإزالته، إذ يقول الحزب إنه يحتفظ بسلاحه بسبب الاحتلال، وإسرائيل تستخدم السلاح لتبرير بقائها. ويتطلب كسر هذه الدائرة قراراً لبنانياً مستقلاً، يضع السلاح تحت سلطة الدولة ويطالب بانسحاب مقابل، وبضمانات ومواعيد وآلية تحقق.

أما في حال استخدم الحزب الجنوب مجدداً للرد على مواجهة تخص إيران، فسيضع اللبنانيين أمام حرب لا يقررون توقيتها ولا نهايتها، والانتخابات الإسرائيلية لا تغير هذه الحقيقة، وسبق لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن هدد بتوسيع العمليات البرية في لبنان، إذا انضم "حزب الله" إلى هجوم إيراني على إسرائيل.

إيران هي الملف الأشد تأثيراً في المرحلة المقبلة

إقليمياً، يستطيع نتنياهو استخدام التهديد الإيراني لتبرير تشكيل حكومة وحدة، أو للدفاع عن استمرار قيادته خلال الفراغ الائتلافي، لكن الانتقال من هذا الخطاب إلى هجوم جديد، يتوقف بدرجة كبيرة على الموقف الأميركي، وعلى تقدير الرد الإيراني وكلفته، وفي تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، أشير إلى أن الانسداد الانتخابي لا يستبعد تحركاً عسكرياً جديداً ضد إيران، وأن بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية لا يشل بالضرورة القرار الأمني، وتناول التقرير خططاً وتقديرات ومواقف متخصصين، ونقلت عن المحلل السابق لشؤون إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، أنه "لم يعد هناك قيود قانونية، ولا يزال بإمكانه (نتنياهو) فعل ما يراه مناسباً ولا يستطيع قادة الجيش الرفض، وهم يستعدون"، وقد "كان الجيش الإسرائيلي ضد بدء الحرب الآن، ولكن عندما يتصل به ترمب ويقول: هذا هو الوقت المناسب، فلن يقولوا لا"، وأضاف سيرينوفيتش أنه لو حصل تحالف المعارضة اليهودية على غالبية عاملة "لكان الأمر أصعب عليه من ناحية الشرعية" أما "الآن وقد أصبح لديه أكبر حزب (في الكنيست) فهذه ثقة إضافية".

سوريا وغزة والضفة الغربية

وبالنسبة إلى الملفات الداخلية، إذا عاد نتنياهو معتمداً على حلفائه في اليمين المتشدد، فقد يضيق هامش التسوية في غزة، ويتعزز الضغط لتوسيع الاستيطان، وفرض وقائع ضم في الضفة الغربية، بما يزيد صعوبة قيام دولة فلسطينية، وأهم ما ينبغي مراقبته هو قدرة نتنياهو على جذب شركاء جدد، ومدى استعداد المعارضة للتعاون مع الأحزاب العربية، ثم طبيعة الرسائل الأميركية في شأن إيران، وصحيح أن نتنياهو لم يحسم رئاسة الحكومة بعد، لكنه أثبت أن إخراجه أصعب مما توقع خصومه.

وستكون مشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مؤشراً إلى حجم الضغط الداخلي على أي تسوية، وإخراجهما، إذا حصل، قد يخفف عائقاً ائتلافياً، لكنه لا يثبت وحده تغير سياسة نتنياهو.

أما في سوريا فالسؤال الذي ينبغي متابعته هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستقبل ترتيبات أمنية، تحد من وجودها العسكري مقابل ضمانات، أم ستفضل استمرار حرية التحرك.

وهذا يهم لبنان مباشرة، لأن ملف الحدود، وحركة السلاح، والانتشار العسكري، يتأثر بما يجري على جانبيه.

موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل

وبالنسبة إلى لبنان، هذا يعني أن الوقت السياسي لا ينتظر تبدل الأسماء في إسرائيل، وكل شهر يتأخر فيه القرار اللبناني المستقل يضيف وقائع عسكرية يصعب التراجع عنها، وتطرح الانتخابات الإسرائيلية سؤالاً عن موقع لبنان في أي تفاهم أميركي - إيراني مقبل، هل تدخل بيروت صاحبة القرار هذا المسار، أم تنتظر ما تتفق عليه العواصم في شأن أرضها وسلاح "حزب الله"؟ وإذا بقي الملف اللبناني مربوطاً بمفاوضات طهران، فستحاول إيران احتساب التهدئة في لبنان تنازلاً تقدمه، والمطالبة بثمن مقابل ضبط سلاح يفترض أن يخضع أصلاً لسلطة الدولة اللبنانية، عندها يصبح أمن اللبنانيين جزءاً من تفاوض على مصالح إيرانية، وتبقى بيروت مطالبة بتنفيذ ترتيبات لم تشارك في تحديد شروطها.

من هنا، تقرأ احتمالات بقاء نتنياهو من زاوية قدرته على التأثير في حدود أي اتفاق مع طهران، فهل تقبل إسرائيل بتفاهم يعالج الملف النووي، ويترك قدرات إيران العسكرية ونفوذها عبر الجماعات المسلحة خارج المعالجة؟ أم تضغط لربط التسوية بقيود تشمل هذه الملفات؟

وأي اتفاق يخفض التصعيد، ويبقي قرار الحرب خارج الدولة قد يمنح اللبنانيين هدنة، لكنه يترك أسباب تعريضهم لحرب جديدة قائمة، وتبرز هنا أهمية الدور العربي في دعم تفاوض تقوده الدولة اللبنانية، ويضع انسحاب إسرائيل وحصر السلاح في يد مؤسساتها ضمن التزامات واضحة، والمطلوب منع طهران من التصرف بلبنان كورقة تملك حق تقديمها أو الاحتفاظ بها، ومنع إسرائيل من اتخاذ النفوذ الإيراني ذريعة لفرض وجود عسكري دائم.

وسيظهر أثر الانتخابات في الشروط التي ستوضع أمام لبنان، وفي مقدار ما تستطيع بيروت تعديله منها، ذلك أن الانتظار يستهلك قدرة الدولة على التفاوض، خصوصاً إذا بقي قرار السلاح خارج سلطتها، وبقي تنفيذ التزاماتها خاضعاً لموافقة "حزب الله".

وزن بيروت في المرحلة المقبلة يتوقف على قدرتها على التفاوض باسم لبنان

في المحصلة تقدم نتنياهو لا يعني أنه حسم تشكيل الحكومة، لكنه أبقى خصومه أمام معضلة تحويل مقاعدهم إلى أكثرية قادرة على إطاحته.

أما لبنان فلا يستطيع التعامل مع احتمال رحيله باعتباره انفراجاً أمنياً، والخلاف الإسرائيلي على قيادة نتنياهو ومحاسبته، لا يعني استعداد منافسيه لقبول استمرار سلاح "حزب الله" خارج الدولة.

إقليمياً تتصل أهمية الانتخابات بقدرة الحكومة المقبلة في تل أبيب على التأثير في شروط المواجهة أو التفاهم مع إيران، والخطر على لبنان أن تفاوض طهران على التهدئة في أرضه باعتبارها تنازلاً تملك تقديمه، فيما تستخدم إسرائيل استمرار السلاح لتبرير عملياتها وبقائها العسكري، وقد تنخفض حدة التصعيد باتفاق خارجي، من دون أن يستعيد لبنان قرار منع الحرب التالية، وقول نعيم قاسم إن هوية من يحكم إسرائيل لا تعنيه، مقابل تعويله على التفاهم الأميركي - الإيراني، يكشف أين يضع الحزب رهانه.

لذلك يتوقف وزن بيروت في المرحلة المقبلة على قدرتها على التفاوض باسم لبنان، وتنفيذ التزاماتها، والمطالبة بانسحاب إسرائيل بضمانات واضحة، وإلا ستفاوض على أمن البلد بسلطة منقوصة، وتترك للآخرين تحديد الثمن والشروط.

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment