أدرك الرئيس دونالد ترامب، منذ دخوله معترك واشنطن الصاخب، أنّ السياسي الذي يُتقن فنّ المسرح ويُخاطب الجماهير بلغتها يكسب قلوبها ويملأ أضخم الملاعب. غيّر رجل الأعمال الجمهوري قواعد اللعبة في الخطاب السياسي، محطّمًا أرقامًا قياسيّة على المنابر، وصابًّا سخريته اللاذعة على خصومه اللدودين. وقبل أن يُطلّ على مؤيّديه، تكون الساحة قد تحوّلت إلى مهرجان هادر: طوابير طويلة من المندفعين تشقّ طريقها نحو المكان، وباعة ماهرون يعرضون قبّعات "ماغا" وقمصانًا تحمل شعارات ورموزًا تجسّد الحرّية والقوّة، فيما تصدح مكبّرات الصوت بأغنيات حماسية، تتقدّمها الأغنيات الوطنية والريفية. هكذا يبدأ العرض الترامبي، وسط ترقّب لأكثر لحظاته إثارة.
يعرف المتمرّس في عالم تلفزيون الواقع كيف يدير لعبة الاستعراض ويصوغ تجمّعاته وفق هندسة مبتكرة تحمل بصماته الخاصة. يفتتح برنامجه متحدّثون بارعون، فيسخّنون الأجواء كما تفعل الفرق التمهيدية قبل صعود النجم المنتظر إلى المسرح. يدخل ترامب واثقًا على وقع أغنية صُمّمت خصيصًا للمناسبة، وسط صخب أنصاره وهتافاتهم. يبادلهم التحية برقصته المعتادة، مصفّقًا ومشيرًا بأصابعه، قبل أن يتقدّم بخطى ثابتة نحو مكانه المفضّل: المنصّة، حيث نجا ذات مرّة من محاولة اغتيال. يستهلّ خطابه بالإشادة بالجمهور وأهل المنطقة، ثمّ يطلق العنان لنفسه، متجاوزًا كلّ الخطوط الحمر التي يحرص السياسيون عادةً على عدم تخطّيها في مسيرتهم السياسية. ونادرًا ما يقرأ من نصّ مُعدّ سلفًا، إذ يقفز بسرعة البرق من قضية إلى أخرى، مرتجلًا ومستطردًا، وتاركًا أحيانًا فكرة معلّقة ليعود إليها لاحقًا.
يظنّ المرء لوهلة أنّه يحضر أمسية "ستاند أب كوميدي" أكثر ممّا يشارك في تجمّع انتخابيّ؛ فترامب، في دور "الكوميدي"، يفتح النار بلا هوادة على "أعدائه" و"أعداء الشعب"، متّخذًا من التنمّر سلاحًا. يُلصق بخصومه ألقابًا قصيرة وجارحة، سهلة الحفظ، ويكرّرها حتى تغدو نعوتًا شائعة يتداولها المواطنون العاديّون في حياتهم اليومية. وقد يُثير الدهشة بإبداء إعجابه بـ "المؤخّرات الجميلة"، قبل أن تتسلّل السياسة سريعًا إلى المشهد، حاملةً رسائل حازمة إلى طهران وهافانا. أمّا القضايا المعيشية والاقتصادية، وسياسات الهجرة ومعدّلات الجريمة، فيعرضها في قالب تتداخل فيه المخاوف الوجودية والثقافية مع الهواجس المتّصلة بالأمن القومي والتحذيرات من تهديدات تطول الحرّيات.
يستثمر ترامب كلّ لحظة وكلّ ردّة فعل؛ فإذا ارتفعت حرارة القاعة عند طرحه مسألة معيّنة، أطال الحديث عنها، وإذا ساد هدوء مريب، انتقل إلى ملفّ أكثر جاذبية. أمّا إذا أطلق أحد المحتجّين هتافات مناوئة له، فلا يتردّد في التهكّم عليه ووصفه بـ "المأجور"، قائلًا إنّ والدته تشاهده على التلفاز وتخجل منه، وإنّها ستصفعه حين يعود إلى المنزل، ثمّ يضيف: "فهي تصوّت لنا!". يراقب ترامب تفاعل جمهوره مع خطابه، ويُعدّل مساره تبعًا لهذا التفاعل. إنّه خطيب بارع قلّ نظيره، يُشرك محبّيه في الحوار، ويمنحهم دورًا. وهذا، بكلّ بساطة، أحد أسرار نجاحه.
وقد تمتدّ الفعالية ساعات، متجاوزةً المدّة المعتادة للتجمّعات السياسية التقليدية، لكنّ طولها يظلّ مألوفًا في العروض الترفيهية الجماهيرية ومهرجانات موسيقى الكاونتري. ويغادر الحاضرون وقد عاشوا تجربة فريدة؛ ضحكوا وصفّقوا ورقصوا، وشعروا بأنّهم جزء فاعل من حركة سياسية تعبّر عن وجدانهم. وهذا الشعور بالانتماء هو الغاية الفعلية؛ فمثل هذه التجمّعات تُعمّق الولاء بقدر ما تعرض البرامج وتُطلق المواقف. وليس توظيف العواطف في السياسة أمرًا جديدًا، لكنّ ما يميّز ترامب أنّه يفعل ذلك من دون أقنعة الرياء أو قفّازات التمثيل.
تتزايد التساؤلات بشأن مصير هذه التجمّعات في مرحلة "ما بعد ترامب"، وسط شكوك في قدرة ورثة حركة "ماغا" على ملء الفراغ الذي سيتركه رحيل "ساحر" اليمينيين والمحافظين مستقبلًا. فترامب ظاهرة استثنائية بكلّ المقاييس، قد لا تتكرّر.












