المفارقة “المعيبة”، وفق المصادر ذاتها، لا تكمن في دقة المعلومات عن انكفاء الذراع الإيرانية في لبنان عن توريط البلاد مجدداً في حرب أشد تدميراً وهولاً من عدمها، بل في سلوك “بعض الدولة” الذي ما زال يبني حسابات الأمن القومي على فرضية المقايضة واستجداء الضمانات من فصيل مسلح خارج عن القانون نكث بتعهداته السابقة مراراً وتكراراً، لا سيما عندما نسف كل الخطوط الحمر وأطلق صواريخه الانتحارية في الثاني من آذار الماضي، غير آبه بهيبة الدولة أو بمصير اللبنانيين الذين يدفعون فواتير مغامراته العبثية من حياتهم وأمنهم واقتصادهم.
وتشدد المصادر، على أنه أمام هذا المشهد “المخزي”، يبرز التساؤل الملح حول أسباب الانكفاء الحكومي؛ الذي يتعامل مع “ضمانات” فصيل مسلح خارج عن القانون و”تعهداته” بالامتناع عن تدمير البلاد وكأنه هبة أو منّة! فالشرعية التي تحترم نفسها لا تطلب شيكات بلا رصيد من ميليشيا مأزومة ومخترقة أمنياً، فقدت عمودها الفقري العسكري وتحولت إلى ظاهرة صوتية تبحث عمن يحمي مربعاتها الضعيفة، معتبرةً أن استمرار هذا التراخي الرسمي، هو أحد أبرز العوامل التي تفسح المجال لتمدد سلطة الأمر الواقع على حساب الدولة ومؤسساتها وهيبتها وصورتها.
ومن هنا، تؤكد المصادر أن الإنقاذ الفعلي يتطلب صدور موقف حاسم وقاطع عن مجلس الوزراء مجتمعاً، يطوي زمن “التفاوض المهين” مع ميليشيا خارجة عن القانون، ويترجم منطق الدولة إلى تدابير ميدانية تنفيذية صارمة؛ تبدأ باعتقال شبكات التهريب ومطلقي الصواريخ ومحاكمتهم، وتطاول الرعاة السياسيين الذين يغطون مصادرة قرار السلم والحرب ويورّطون لبنان في حروب وموت وخراب ودمار وخسائر بلا نهاية، أياً تكن التبعات، لإنهاء مهزلة استجداء الضمانات.
“وإلا، كيف يقتنع اللبنانيون والعالم أجمع بوجود دولة فعلية في لبنان تحمي شعبها وتحفظ أمنه واستقراره؟ وكيف لا ينظرون إليها من زاوية التخاذل أو التواطؤ بالصمت على إذلال هيبتها، وهم يرونها تفرّط بالفرصة التي قد لا تتكرر في المدى المنظور لإخراج لبنان من دوامة الحروب بالوكالة، وإثبات أنها دولة فعلية بكامل مواصفاتها الدولتية بكل ما للكلمة من معنى، وأنه من غير المسموح بعد اليوم لأي كان أن يرهن أمن اللبنانيين ومصيرهم ومستقبل أجيالهم لأجندات ومشاريع خارجية لم تجلب سوى الموت والخراب على لبنان؟”، تختم المصادر.











