🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

في ضوء رسالة برّاك: أي مستقبل للبنان والمنطقة؟

تكشف المواقف الأخيرة للموفد الأميركي توم برّاك أمام «منتدى الأمن العالمي» في الدوحة، عن تحوّل مهمّ في المقاربة الأميركية لأمن الشرق الأوسط، عنوانه، أنّ واشنطن لم تعد مستعدة لتحمّل المسؤولية الأمنية بالصيغة التي اعتمدتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأنّ على دول المنطقة أن تتحمّل قسطاً أكبر من مسؤولية حماية أمنها،…

هذا التوجّه الأميركي، وبحسب بعض الأوساط الديبلوماسية، لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن من المنطقة أو تخلّيها الكامل عن حلفائها، بمقدار ما يعكس رغبتها في إعادة توزيع الأعباء، والحدّ من انخراطها العسكري المباشر في نزاعات طويلة ومكلفة، مع الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري والتكنولوجي. غير أنّ هذا التحوّل يطرح تساؤلات جديّة حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة دول المنطقة على تعويض تراجع الضمانات الأميركية. إيران والتحوّل الاستراتيجي وتكتسب رسالة برّاك أهميتها من توقيتها، في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ومخاوف دول الخليج من أن تجد نفسها أمام طهران أكثر استعداداً للتصعيد، إذا قررت واشنطن تقليص مشاركتها العسكرية أو الانسحاب من المواجهة. وتبرز هنا مفارقة أساسية، هي أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية واسعة للضغط على إيران، لكنها باتت أكثر حذراً حيال كلفة التدخّل المباشر ونتائجه. وقد أقرّ برّاك بأنّ التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا، أظهرت محدودية قدرة القوة العسكرية على فرض تغييرات سياسية مستقرة. وبالتالي، فإنّ مستقبل المواجهة مع إيران سيتوقف على ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستتّجهان إلى تسوية تحدّ من المخاطر النووية والعسكرية، وتفتح المجال أمام تفاهمات إقليمية، أم ستواصلان سياسة الضغط والعمليات العسكرية، بما قد يؤدي إلى جولات جديدة من التصعيد. الخليج والتحالفات البديلة وإلى ذلك، تدفع الشكوك في استمرارية الضمانات الأميركية، دول الخليج، إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، كما تعكس الإشارة إلى التعاون بين السعودية وباكستان وتركيا توجّهاً نحو بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً عن واشنطن. لكن تشكيل منظومة إقليمية بديلة لن يكون أمراً سهلاً، بسبب اختلاف مصالح الدول المعنية وتباين مواقفها من إيران وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن استمرار اعتمادها على التكنولوجيا العسكرية الأميركية. لذلك، يرجح أن تتّجه المنطقة إلى مرحلة انتقالية، تجمع بين استمرار الوجود الأميركي وتراجع اليقين في شأن حدود التزاماته، وبين سعي الدول الإقليمية إلى تطوير قدراتها الذاتية وتوسيع علاقاتها الدفاعية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام سباق تسلّح وتنافس على النفوذ، إذا لم تترافق هذه التحولات مع تفاهمات سياسية واضحة. لبنان أمام الاختبار وتكتسب مواقف برّاك أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد على الدعم الدولي، ولا سيما منه الأميركي والفرنسي، لتعزيز قدرات الجيش ومؤسسات الدولة، والضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. فإذا أصبحت واشنطن أكثر انتقائية في تدخّلاتها، فلن يكون من الحكمة افتراض أنّ الدعم العسكري والسياسي سيُترجم تلقائياً ضماناً دفاعياً شاملاً للبنان. وفي المقابل، لا يستطيع البلد الاستغناء عن هذا الدعم، في ظل محدودية إمكاناته الاقتصادية والعسكرية، واستمرار التهديدات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية. ويفرض هذا الواقع ثلاثة استحقاقات مترابطة: تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوفير الإمكانات اللازمة لتمكينه من أداء مهمّاته، بلورة استراتيجية دفاعية وطنية تعالج العلاقة بين مؤسسات الدولة وسلاح «حزب الله»، وتحدّد مسؤولية الدولة عن قرار الحرب والسلم، والحفاظ على شبكة الدعم الديبلوماسي الدولي، بما يمنع تحول الدعوة إلى الاعتماد على الذات، ذريعة لتراجع الاهتمام بلبنان. وفي تقدير الأوساط الديبلوماسية نفسه، أنّ تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتمّ من خلال ضغوط خارجية أو مواجهات داخلية، بل عبر تفاهم وطني يعزز سلطة الدولة ويحمي السيادة ويحدّ من مخاطر الانزلاق إلى نزاعات إقليمية، لا يملك لبنان القدرة على التحكّم بها. ثلاثة مسارات على أنّه في ضوء مجمل هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة: ـ الأول، إعادة تنظيم الشراكات الأمنية، بحيث تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم والتكنولوجيا والتسليح، فيما تتحمّل الدول الإقليمية مسؤوليات أكبر، بالتوازي مع تفاهمات تساعد على احتواء النزاعات. ـ الثاني، تراجع الضمانات الأميركية من دون قيام بديل إقليمي مستقر، بما يرفع احتمالات سباق التسلّح وتعدّد مراكز النفوذ، ويجعل الدول الأضعف، وفي مقدمها لبنان، أكثر عرضة للضغوط. ـ الثالث، اتساع المواجهة مع إيران، بما يضطر واشنطن للعودة إلى التدخّل العسكري المباشر، على رغم من رغبتها في تقليص أعبائها، من دون أن يضمن ذلك معالجة جذور النزاع. ضمانات لم تعد كافية وفي أي حال، لا تعني رسالة برّاك أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستغادر الشرق الأوسط، وإنما تشير إلى أنّ الضمانات الأميركية لم تعد كافية وحدها لتأسيس أمن إقليمي مستدام. وفي المقابل، لا تستطيع دول المنطقة تعويض هذا التحوّل بمجرد عقد تحالفات جديدة أو زيادة إنفاقها العسكري، فالأمن يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قوية، وتفاهمات سياسية، وقنوات ديبلوماسية فاعلة. أما لبنان، فيقف أمام تحدّي تحويل تراجع اليقين بالضمانات الخارجية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وتعزيز قرارها السيادي، لا إلى فراغ أمني أو انقسام داخلي إضافي. وفي شرق أوسط تتراجع فيه الضمانات المطلقة وتتعدّد مراكز النفوذ، لن يتحدّد مستقبل الدول بميزان القوة وحده، بل بقدرتها على منع الحرب وإدارة الخلافات وبناء ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. وهذه هي المعادلة التي ستحدّد، إلى حدّ بعيد، مستقبل لبنان والمنطقة في المرحلة المقبلة.

- طارق ترشيشي - الجمهورية

المصدر الأصلي

هذا التوجّه الأميركي، وبحسب بعض الأوساط الديبلوماسية، لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن من المنطقة أو تخلّيها الكامل عن حلفائها، بمقدار ما يعكس رغبتها في إعادة توزيع الأعباء، والحدّ من انخراطها العسكري المباشر في نزاعات طويلة ومكلفة، مع الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري والتكنولوجي. غير أنّ هذا التحوّل يطرح تساؤلات جديّة حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة دول المنطقة على تعويض تراجع الضمانات الأميركية. إيران والتحوّل الاستراتيجي وتكتسب رسالة برّاك أهميتها من توقيتها، في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ومخاوف دول الخليج من أن تجد نفسها أمام طهران أكثر استعداداً للتصعيد، إذا قررت واشنطن تقليص مشاركتها العسكرية أو الانسحاب من المواجهة. وتبرز هنا مفارقة أساسية، هي أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية واسعة للضغط على إيران، لكنها باتت أكثر حذراً حيال كلفة التدخّل المباشر ونتائجه. وقد أقرّ برّاك بأنّ التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا، أظهرت محدودية قدرة القوة العسكرية على فرض تغييرات سياسية مستقرة. وبالتالي، فإنّ مستقبل المواجهة مع إيران سيتوقف على ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستتّجهان إلى تسوية تحدّ من المخاطر النووية والعسكرية، وتفتح المجال أمام تفاهمات إقليمية، أم ستواصلان سياسة الضغط والعمليات العسكرية، بما قد يؤدي إلى جولات جديدة من التصعيد. الخليج والتحالفات البديلة وإلى ذلك، تدفع الشكوك في استمرارية الضمانات الأميركية، دول الخليج، إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، كما تعكس الإشارة إلى التعاون بين السعودية وباكستان وتركيا توجّهاً نحو بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً عن واشنطن. لكن تشكيل منظومة إقليمية بديلة لن يكون أمراً سهلاً، بسبب اختلاف مصالح الدول المعنية وتباين مواقفها من إيران وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن استمرار اعتمادها على التكنولوجيا العسكرية الأميركية. لذلك، يرجح أن تتّجه المنطقة إلى مرحلة انتقالية، تجمع بين استمرار الوجود الأميركي وتراجع اليقين في شأن حدود التزاماته، وبين سعي الدول الإقليمية إلى تطوير قدراتها الذاتية وتوسيع علاقاتها الدفاعية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام سباق تسلّح وتنافس على النفوذ، إذا لم تترافق هذه التحولات مع تفاهمات سياسية واضحة. لبنان أمام الاختبار وتكتسب مواقف برّاك أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد على الدعم الدولي، ولا سيما منه الأميركي والفرنسي، لتعزيز قدرات الجيش ومؤسسات الدولة، والضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. فإذا أصبحت واشنطن أكثر انتقائية في تدخّلاتها، فلن يكون من الحكمة افتراض أنّ الدعم العسكري والسياسي سيُترجم تلقائياً ضماناً دفاعياً شاملاً للبنان. وفي المقابل، لا يستطيع البلد الاستغناء عن هذا الدعم، في ظل محدودية إمكاناته الاقتصادية والعسكرية، واستمرار التهديدات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية. ويفرض هذا الواقع ثلاثة استحقاقات مترابطة: تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوفير الإمكانات اللازمة لتمكينه من أداء مهمّاته، بلورة استراتيجية دفاعية وطنية تعالج العلاقة بين مؤسسات الدولة وسلاح «حزب الله»، وتحدّد مسؤولية الدولة عن قرار الحرب والسلم، والحفاظ على شبكة الدعم الديبلوماسي الدولي، بما يمنع تحول الدعوة إلى الاعتماد على الذات، ذريعة لتراجع الاهتمام بلبنان. وفي تقدير الأوساط الديبلوماسية نفسه، أنّ تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتمّ من خلال ضغوط خارجية أو مواجهات داخلية، بل عبر تفاهم وطني يعزز سلطة الدولة ويحمي السيادة ويحدّ من مخاطر الانزلاق إلى نزاعات إقليمية، لا يملك لبنان القدرة على التحكّم بها. ثلاثة مسارات على أنّه في ضوء مجمل هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة: ـ الأول، إعادة تنظيم الشراكات الأمنية، بحيث تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم والتكنولوجيا والتسليح، فيما تتحمّل الدول الإقليمية مسؤوليات أكبر، بالتوازي مع تفاهمات تساعد على احتواء النزاعات. ـ الثاني، تراجع الضمانات الأميركية من دون قيام بديل إقليمي مستقر، بما يرفع احتمالات سباق التسلّح وتعدّد مراكز النفوذ، ويجعل الدول الأضعف، وفي مقدمها لبنان، أكثر عرضة للضغوط. ـ الثالث، اتساع المواجهة مع إيران، بما يضطر واشنطن للعودة إلى التدخّل العسكري المباشر، على رغم من رغبتها في تقليص أعبائها، من دون أن يضمن ذلك معالجة جذور النزاع. ضمانات لم تعد كافية وفي أي حال، لا تعني رسالة برّاك أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستغادر الشرق الأوسط، وإنما تشير إلى أنّ الضمانات الأميركية لم تعد كافية وحدها لتأسيس أمن إقليمي مستدام. وفي المقابل، لا تستطيع دول المنطقة تعويض هذا التحوّل بمجرد عقد تحالفات جديدة أو زيادة إنفاقها العسكري، فالأمن يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قوية، وتفاهمات سياسية، وقنوات ديبلوماسية فاعلة. أما لبنان، فيقف أمام تحدّي تحويل تراجع اليقين بالضمانات الخارجية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وتعزيز قرارها السيادي، لا إلى فراغ أمني أو انقسام داخلي إضافي. وفي شرق أوسط تتراجع فيه الضمانات المطلقة وتتعدّد مراكز النفوذ، لن يتحدّد مستقبل الدول بميزان القوة وحده، بل بقدرتها على منع الحرب وإدارة الخلافات وبناء ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. وهذه هي المعادلة التي ستحدّد، إلى حدّ بعيد، مستقبل لبنان والمنطقة في المرحلة المقبلة.

- طارق ترشيشي - الجمهورية

المصدر الأصلي

هذا التوجّه الأميركي، وبحسب بعض الأوساط الديبلوماسية، لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن من المنطقة أو تخلّيها الكامل عن حلفائها، بمقدار ما يعكس رغبتها في إعادة توزيع الأعباء، والحدّ من انخراطها العسكري المباشر في نزاعات طويلة ومكلفة، مع الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري والتكنولوجي. غير أنّ هذا التحوّل يطرح تساؤلات جديّة حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة دول المنطقة على تعويض تراجع الضمانات الأميركية. إيران والتحوّل الاستراتيجي وتكتسب رسالة برّاك أهميتها من توقيتها، في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ومخاوف دول الخليج من أن تجد نفسها أمام طهران أكثر استعداداً للتصعيد، إذا قررت واشنطن تقليص مشاركتها العسكرية أو الانسحاب من المواجهة. وتبرز هنا مفارقة أساسية، هي أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية واسعة للضغط على إيران، لكنها باتت أكثر حذراً حيال كلفة التدخّل المباشر ونتائجه. وقد أقرّ برّاك بأنّ التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا، أظهرت محدودية قدرة القوة العسكرية على فرض تغييرات سياسية مستقرة. وبالتالي، فإنّ مستقبل المواجهة مع إيران سيتوقف على ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستتّجهان إلى تسوية تحدّ من المخاطر النووية والعسكرية، وتفتح المجال أمام تفاهمات إقليمية، أم ستواصلان سياسة الضغط والعمليات العسكرية، بما قد يؤدي إلى جولات جديدة من التصعيد. الخليج والتحالفات البديلة وإلى ذلك، تدفع الشكوك في استمرارية الضمانات الأميركية، دول الخليج، إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، كما تعكس الإشارة إلى التعاون بين السعودية وباكستان وتركيا توجّهاً نحو بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً عن واشنطن. لكن تشكيل منظومة إقليمية بديلة لن يكون أمراً سهلاً، بسبب اختلاف مصالح الدول المعنية وتباين مواقفها من إيران وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن استمرار اعتمادها على التكنولوجيا العسكرية الأميركية. لذلك، يرجح أن تتّجه المنطقة إلى مرحلة انتقالية، تجمع بين استمرار الوجود الأميركي وتراجع اليقين في شأن حدود التزاماته، وبين سعي الدول الإقليمية إلى تطوير قدراتها الذاتية وتوسيع علاقاتها الدفاعية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام سباق تسلّح وتنافس على النفوذ، إذا لم تترافق هذه التحولات مع تفاهمات سياسية واضحة. لبنان أمام الاختبار وتكتسب مواقف برّاك أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد على الدعم الدولي، ولا سيما منه الأميركي والفرنسي، لتعزيز قدرات الجيش ومؤسسات الدولة، والضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. فإذا أصبحت واشنطن أكثر انتقائية في تدخّلاتها، فلن يكون من الحكمة افتراض أنّ الدعم العسكري والسياسي سيُترجم تلقائياً ضماناً دفاعياً شاملاً للبنان. وفي المقابل، لا يستطيع البلد الاستغناء عن هذا الدعم، في ظل محدودية إمكاناته الاقتصادية والعسكرية، واستمرار التهديدات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية. ويفرض هذا الواقع ثلاثة استحقاقات مترابطة: تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوفير الإمكانات اللازمة لتمكينه من أداء مهمّاته، بلورة استراتيجية دفاعية وطنية تعالج العلاقة بين مؤسسات الدولة وسلاح «حزب الله»، وتحدّد مسؤولية الدولة عن قرار الحرب والسلم، والحفاظ على شبكة الدعم الديبلوماسي الدولي، بما يمنع تحول الدعوة إلى الاعتماد على الذات، ذريعة لتراجع الاهتمام بلبنان. وفي تقدير الأوساط الديبلوماسية نفسه، أنّ تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتمّ من خلال ضغوط خارجية أو مواجهات داخلية، بل عبر تفاهم وطني يعزز سلطة الدولة ويحمي السيادة ويحدّ من مخاطر الانزلاق إلى نزاعات إقليمية، لا يملك لبنان القدرة على التحكّم بها. ثلاثة مسارات على أنّه في ضوء مجمل هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة: ـ الأول، إعادة تنظيم الشراكات الأمنية، بحيث تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم والتكنولوجيا والتسليح، فيما تتحمّل الدول الإقليمية مسؤوليات أكبر، بالتوازي مع تفاهمات تساعد على احتواء النزاعات. ـ الثاني، تراجع الضمانات الأميركية من دون قيام بديل إقليمي مستقر، بما يرفع احتمالات سباق التسلّح وتعدّد مراكز النفوذ، ويجعل الدول الأضعف، وفي مقدمها لبنان، أكثر عرضة للضغوط. ـ الثالث، اتساع المواجهة مع إيران، بما يضطر واشنطن للعودة إلى التدخّل العسكري المباشر، على رغم من رغبتها في تقليص أعبائها، من دون أن يضمن ذلك معالجة جذور النزاع. ضمانات لم تعد كافية وفي أي حال، لا تعني رسالة برّاك أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستغادر الشرق الأوسط، وإنما تشير إلى أنّ الضمانات الأميركية لم تعد كافية وحدها لتأسيس أمن إقليمي مستدام. وفي المقابل، لا تستطيع دول المنطقة تعويض هذا التحوّل بمجرد عقد تحالفات جديدة أو زيادة إنفاقها العسكري، فالأمن يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قوية، وتفاهمات سياسية، وقنوات ديبلوماسية فاعلة. أما لبنان، فيقف أمام تحدّي تحويل تراجع اليقين بالضمانات الخارجية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وتعزيز قرارها السيادي، لا إلى فراغ أمني أو انقسام داخلي إضافي. وفي شرق أوسط تتراجع فيه الضمانات المطلقة وتتعدّد مراكز النفوذ، لن يتحدّد مستقبل الدول بميزان القوة وحده، بل بقدرتها على منع الحرب وإدارة الخلافات وبناء ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. وهذه هي المعادلة التي ستحدّد، إلى حدّ بعيد، مستقبل لبنان والمنطقة في المرحلة المقبلة.

- طارق ترشيشي - الجمهورية

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment