تأتي هذه الورشة مع الانتقال من مرحلة إقرار القانون إلى مرحلة تطبيقه، ولا سيما في ضوء التغييرات التي أدخلها على المرجع القضائي المختص بقضايا النشر والانتقال نحو المسؤولية المدنية، وما يطرحه ذلك من مسائل عملية تتعلق بالقضايا القائمة أمام القضاء الجزائي، والدعاوى الجديدة، والإجراءات الواجب اتباعها من قبل المحاكم والنيابات العامة والمحامين.
كما جمعت الجهات التشريعية والقضائية والقانونية المعنية لمناقشة تحديات الانتقال من النظام الجزائي إلى النظام المدني وإصدار توصيات عملية تساعد على تطبيق القانون بصورة واضحة وفعالة، وذلك مع دخول قانون الإعلام الجديد حيّز التنفيذ وما أدخله من إصلاحات جوهرية على الإطار القانوني لقضايا الإعلام والنشر.
الوزير مرقص
استهلت الورشة بكلمة أشار فيها الوزير مرقص إلى أن قانون الإعلام الجديد، الذي حل محل تشريعات قائمة منذ عقود، يطرح عدداً من النقاط التي تستدعي البحث والتداول بين الجهات المعنية.
وحدد وزير الإعلام أبرز المسائل المطروحة للبحث، وفي مقدمتها الإجراءات القضائية بين القضاء الجزائي والقضاء المدني، وكيفية النظر فيها، والانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية، وتحديد انعكاسات إلغاء التجريم في قضايا النشر على الاختصاص القضائي والأصول الإجرائية والضمانات القانونية الجديدة.
كما تناول التدابير القضائية والإدارية اللازمة لتطبيق القانون، وتحديد الإجراءات التنظيمية المطلوبة، ولا سيما تخصيص الغرف المدنية المختصة بعد إلغاء محكمة المطبوعات، وإصدار التعاميم والإرشادات اللازمة لتطبيقه.
وتطرق إلى مصير الدعاوى والملاحقات العالقة، وآليات معالجة الملفات العالقة وإحالتها إلى المراجع المختصة وفق المادة 117، مع مراعاة مفاعيل قانون العفو وضمان حقوق المتقاضين.
وأشار إلى موضوع تشكيل الهيئة الوطنية الجديدة للإعلام، التي ينص القانون على تشكيلها خلال مهلة ثلاثة أشهر، ويتولى رئيس مجلس القضاء الأعلى الإشراف على آلية تشكيلها.
وختم الوزير مرقص بالقول ان وزارة الإعلام ترحب باي تطوير يتعلق بقانون الإعلام ان كان من حيث الملاحظات النقابيّة او من الجهات الإعلامية الأخرى، مؤكدا أننا منفتحون ومستمعون وسنكمل عملنا باتجاه اي تطوير او تحديث على هذا القانون الذي اصبح نافذا بعدما أقره مجلس النواب ووقعه رئيس الجمهورية وتم نشره وهناك مهل، من هنا اهمية الاجتماع لاستيضاح كيفية التطبيق.
الوزير نصار
بدوره، أكد وزير العدل على أهمية العلاقة الموضوعية بين العدل والإعلام، القائمة على دور القاضي في ضمان الحريات، وليس الحكم فحسب، باعتبار أن الحريات العامة وحقوق الإنسان شكّلت على الدوام إحدى خصائص لبنان التي ميّزته عن سائر دول المنطقة.
وشكر القضاة الحاضرين، ولا سيما النيابات العامة، على تفاعلها مع مقاربة الحريات خلال فترة الحكومة الحالية، مشيراً إلى عدم حصول أي توقيفات احتياطية للصحافيين أثناء ممارستهم مهنتهم، معتبراً أن ذلك أساسي لإعادة بناء العلاقة المطلوبة بين القضاء والعدالة من جهة، والإعلام والصحافة والحريات العامة من جهة أخرى.
وأكد نصار في المقابل ضرورة التعامل بإنصاف مع الأشخاص الذين قد يكونون ضحايا أخبار غير مطابقة للواقع أو الحقيقة، مشدداً على أن ذلك يرتب موجباً أخلاقياً على الصحافة، كي لا تتحول إلى أداة لإلحاق الضرر بالناس خلافاً للقانون أو الواقع. وأوضح أن التوازن بين حماية الحريات وحقوق الأفراد اقتضى الامتناع عن اتخاذ إجراءات مسبقة، ومنها التوقيف الاحتياطي، معرباً عن اعتقاده بأن هذا النهج كان موفقاً، وشاكراً النيابات العامة، ممثلة بمدعي عام التمييز، على دورها في هذا المجال.
وفي ما يتعلق بالجوانب التقنية لتطبيق قانون الإعلام الجديد، أشار إلى مسألة الدعاوى العالقة، وطرح تساؤلاً حول ما إذا كان تطبيق القانون يستوجب إعادة النظر فيها من الصفر. وأوضح أن محاكم الاستئناف، التي كانت تنظر في ملفات المطبوعات، تبقى محاكم استئناف، لافتاً إلى أن توزيع هذه الملفات على محاكم كانت تنظر بطبيعتها في ملفات مدنية وليس جزائية، حمل رسالة تتصل بنظرة الجهات المعنية إلى التعامل مع الملفات المرتبطة بالإعلام.
ورأى أن من المستحسن ألا تعود الملفات العالقة أمام محاكم المطبوعات إلى نقطة الصفر، بل أن تتابع المحكمة التي تنظر فيها النظر بها وفقاً لمضمون القانون الجديد، تفادياً للتأخير الكبير في معالجتها، تاركاً هذه المسألة للبحث بين المعنيين.
وتناول دور الإعلام في معالجة الشؤون الأخلاقية المرتبطة بالمهنة، مشيراً إلى أن التطورات والظروف الجديدة تستدعي صحافة من دون قيود، مؤكداً أهمية حرية الصحافة، لكنه حذر في المقابل من اتهام الأشخاص من دون وجه حق، لما لذلك من انعكاسات سلبية على نظرة المجتمع والرأي العام إلى الإعلام. وشدد على ضرورة تجنب التطرف من أحد الطرفين إلى الآخر، وأن يقوم كل طرف بدوره.
ولفت إلى أن القضاء يتمنى ألا تصل الخلافات والنزاعات المرتبطة بالإعلام إلى المحاكم، وأن يؤدي الإعلام دوره بصورة أخلاقية، بما يحول دون شعور الأشخاص بأن خصوصيتهم أو حقوقهم تتعرض للاعتداء. وأكد أن تنظيم العمل الإعلامي ووضع القواعد اللازمة لحسن تطبيقها يقعان على عاتق الإعلام نفسه، من خلال التنظيم الذاتي وإعادة وضع مدونة سلوك، مشدداً على أن الفعالية تكمن في التطبيق.
واعتبر أن قيام الإعلام بدوره في هذا المجال يخفف تدخل القضاء، وأن تقليص هذا التدخل يصب في مصلحة القضاء والإعلام والجمهورية، مشيراً إلى أن وجود مئة صحافي أمام المحاكم يدل على وجود خلل، وليس على أن المسؤولية تقع على القضاة.
وأكد أن حق التقاضي مضمون بالدستور والقانون، ولا يجوز لوم القاضي على دعوى تُقدّم أمامه، لكنه دعا الإعلاميين إلى اعتماد سلوك يهيئ الظروف لتقليص عدد الدعاوى التي تصل إلى القضاء قدر الإمكان، مشدداً على أن تنظيم الإعلام لعمله ذاتياً هو المسار الطبيعي، وأن التدخل القضائي يجب أن يبقى استثنائياً.
وختم بالتأكيد أن القضاء متمسك بدور القاضي الحامي للحريات وحقوق الأفراد في آن واحد، معتبراً أن الإعلام يستطيع استباق النزاعات وتحقيق هذا التوازن قبل وصولها إلى القضاء.
جلسة عمل ومطالعات لكل من الحاج وإيليا ومخيبر
بعدها عقدت جلسة العمل قضائية تتعلق بتطبيق القانون من قبل المحاكم تحدّث فيها الرئيس الحاج والرئيس إيليا اللذين قدّما مطالعتين قانونيتين والمحامي مخيبر الذي أجاب على عدد من النقاط القانونية في ضوء مناقشات اللجان النيابية، كما كانت مداخلات للنقيب الكعكي وممثلي نقابتي المحامين والقاضي طارق بو نصار والحاضرين.










