من بديهيات الديمقراطية أن نُحسن الاختلاف، فالاختلاف هو سُنّة وجودية، وهو من طبيعة الكائن البشري. فإذا احتُرِمَ الاختلاف، يُصبحُ احترامُ الرأي الآخر واحدةً من القِيَم التي تُشكّل متطلبات الرقيّ الحضاري. لكنّنا، في لبنان، ابتُلينا بأشباهِ كائنات منخَفِضي المستوى على صعيد تَقَبّل الرأي الآخر، ويفتقرون الى سلامة التّفكير، ويتّصف بعضهم بالسّفاهة، وبالنّرجسية المَرَضية.
في الأسبوع الماضي، وبعد حلقة ” صار الوقت ” التي استضاف مارسال غانم، خلالها، النائب غادة أيّوب، سارع بعضهم، من أشاوسِ الأخلاق، الى شنّ هجوم غير مسبوق طالَ هذه السيّدة المثقّفة، ثمّ كرَّت الهجومات بالجُملة، على مواقع التّواصل، مُنَسَّقةً وكأنّ هناك اتّفاقًا بين الهجوميّين الذين يوهمونَ أتباعَهم بأنّهم مُتناقِضو التوجّه الوطني، في الزّمان والهدف !!!
إنّ رَجْم غادة أيّوب بالذّات، بالنّقد، والتشويه، والتجريح، والمغالطات، والاتّهامات، والتُرَّهات… لم يكن الغَرض منه إلّا لَفْتَ الانتباهِ إلى الرّاجِمين ، كونَهم، وهم الصِّغار، يتعرّضون لِمَنْ في أعلى المقامات الوطنيّة، والسياسيّة في البلد. ولا يصحّ في هؤلاء سوى ما قالَه أحد الحكماء : ” الجُهد الذي تستعمله لتشويه سمعة غيرك، إستعمله لتنظيف نفسك من الحقد، والحسد، والغيرة، والظّلم، والنّميمة “.
ولمّا كان الوطن يمرّ، في هذه المرحلة الدّقيقة، بمفصلٍ حاسم، ينتظرُ أهلُه الخروج السّريع من أزمةٍ أتت على أخضرهم واليابس، وشرذمَت عيالَهم بالهجرة، وهشّمت آمالهم بالأفضل والأعدل، نرانا أمامَ نوعيّةٍ موبوءةٍ مِمَّن يطلقون على أنفسهم أَلقابًا باهتة، لا تميلُ آذانُهم وعيونُهم إلّا لِما تقولُه غادة أيّوب. وما تقوله، من حيثُ الوضوحُ، والمُباشرة، والجرأة، يحملُ هزّة نوعيّة من شأنها أن توقظَ الغافلين، عندَنا، عمّا يُنسَج للوطن من سلالةِ الشياطين، البلديّين والمُستَورَدين، الذين تخلَّوا عن البلد بالعَمالةِ والخيانة، والمكيدة، والفساد، ليصبحَ لقمةً سائغةً في شِدقِ الذين يَسعَون للهيمنة عليه. وهكذا، يأتي كلامُ غادة أيّوب، دائمًا، تحدِّيًا لهؤلاءِ العَديمي الولاءِ والانتماء، الذين يستبيحون حرمةَ الوطن، والمستقوين بالسلاح، والتّائقين، مع أسيادِهم الخارجيّين، الى امتلاكِ البلاد، والى زجِّها في دوّامةِ حربٍ وخيمةٍ لا يريدُها ناسُها. لكنّ الذين فُطِروا على الفضائح، والفساد، وانتهاك الحقوق، والسلطويّة المُخِلّةِ بالقوانين، جعلوا البلادَ تتجوّلُ في كَفنٍ صَدِئٍ ينزفُ يأسًا، وشَوكًا، ولا تزال.
كُنّا نظنُّ، مع غادة أيّوب، أنّ مرحلةَ ما قبل الدولة، قد انقَضَت غيرَ مأسوفٍ عليها، أساسًا، وزالَت طقوسُها من ذاكرةِ الناس، لكنّ بعضَ الظنِّ إِثم، فالذين تربَّعوا على رقبةِ البلدِ، دولةً عميقة، استعادوا رجعيّةَ الحقبة السّالفة، وانحطاطَها، ورسّخوا موبقاتها لتكونَ وصمةَ عارٍ تشوِّهُ مُحَيّا الوطنِ الذي كان، دومًا، قبلَهم، نموذجًا رائدًا للحريةِ، ولكرامةِ الإنسان. إنّ مراجعةً لِما أتاهُ الفاسدون في هذه الدولة العميقة، مع الرجعيّينَ الجاهليّين، عندَنا، تدفعُنا، مع الدكتور غادة أيّوب، الى استحضارِ “هولاكو” الذي أحرقَ بغداد، وقد كانت عاصمةَ الثقافةِ، والعِلم، والفكر، زمنَ العبّاسيّين، وأعادَها الى همجيّةٍ نَحَرَت حضارتَها. وهكذا، لا يمكنُ أن نَجدَ تَبايُنًا بين “هولاكو” المَغوليّ الذي لوَّنَ نهرَ “دِجلة” بأَسوَدِ حِبرِ الكتب المُلقاةِ في اللّجة، وبالأَحمرِ نتيجةً لإراقةِ دماءِ القتلى الذين تجاوزَ عددُهم الآلاف، وبينَ لوثةِ الزمنِ الرديءِ، عندَنا، حيثُ سلوكُ الذين كانوا مُمسِكين بالسلطة، وأسيادهم، دمّر الحريّةَ، والرّجاءَ، ودحرجَ الوطنَ الى جهنّم، حيثُ تَعانقَ مصيرُ الناسِ الأَسوَدُ مع عذابِهم الأَحمر.
إنّ توصيفَ غادة أيّوب للوضعِ القائمِ، اليوم، يستندُ الى أنّ الكثيرين من الحاكمين قد نَشَّأوا سلوكَهم، في بلادِنا، همزةَ وصلٍ بينَ الشّعبِ والنّار، فبدلًا من نُمُوِّ حالةِ الصّفاء، والفرح، والطمأنينة، والسّلام، سادَت تشكيلةٌ من القلقِ، واليأس، والصّدمات، والنّعي، والعُقم، وهي خيرُ ناطقٍ بِنِيّةِ قُطّاعِ الطّرقِ الذين يعلَمون ما يفعلون. ولعلَّ غادة أيّوب واثِقة بأنّ أيّةَ جراحةٍ لتجميلِ صورتِهم الجحيميّة، هي مستحيلة، حتمًا، وهي عاجزةٌ عن إحداثِ نقلةٍ، لهم، من التِصاقِهم بالخِزيِ، وبعُريِهم الخُلُقي، وأَذاهم المُدَمِّر، وأدائِهم الفِتنَويّ، وأخذِهم البلادَ الى جهنّم، وذلك، مهما كان نَدَمُهم مُدَوِّيًا، هذا إِنْ حصل، فندمُهم الكاذِبُ ليسَ سوى رَوَغانِ ثعالب، وكَمينِ ذِئاب.
أنا لا أُقَوِّلُ غادة أيّوب ما لم تقلْه، لكنّ القصدَ مِمّا تقولُ يختزلُ قناعتَنا الجماعيّةَ، ويُؤملُ أن يكونَ عابرًا لشرائحِ النَّسيجِ الوطنيّ الواعية. لذلك، قد آلَت غادة على نفسِها، وبحُكمِ رُقيِّها الأخلاقي، والوطنيّ، بألّا تنساقَ الى تسطيرِ حكمٍ مُبَرمٍ يدينُ مَنْ كان يحسبُ أنّه، مع مَنْ يُمثِّلُ، في وضعِ التّكافؤِ في الإنتماءِ للوطن، والوفاءِ لقِيَمِه، حتى أتى هؤلاءِ، تكرارًا، ما يُثبِتُ إنكارَهم لهويّةِ لبنان، وأساءَتَهم الى المصلحةِ الوطنيّة، وتهميشَهم لوجودِ الدولة، ومجاهرتَهم بالولاءِ لاستعمارٍ مُستَورَدٍ ومعروفةٍ نواياه…ساعتذاك، كان من الطّبيعي أن تتقدَّمَ غادة بالنُّصحِ، والتّنبيه، ودَقّ ناقوس الخطر، علَّ ذلك يُعيدُ الى المُقيمين، معنا، رُشدَهم الوطنيّ. لكنّ المحاولاتِ باءَت بالفشل، وسادَ الإقتناعُ، تمامًا، بعدمِ جدواها، وبأنّ مرضَ الموبوئينَ بالعمالةِ استعصى على كلِّ علاج. وفي مراجعةٍ سريعةٍ لعِلمِ النّفسِ السّلوكي، يتبيّنُ أنّ التلوّنَ المُتَضَعضعَ في الشؤونِ الوطنيّة، وتَرَسُّخَ الضّغائنِ في الأذهان، يستوجبانِ خضوعَ الذين ساهموا في إصابتِهِم بهما، لإعادةِ تأهيلٍ وطنيّة إلزاميّةٍ لاستعادةِ التّوازن، وإلّا سيكون الحَرَمُ الوطنيُّ هو الحلّ.طاقة لبنانية
من الواضحِ ، تمامًا، في مواقفِ غادة أيّوب، أنّه لمّا كان لبنانُ كيانًا معرَّضًا للخطر، لِتَدافُعِ المؤامراتِ عليه، وخُطَطِ تفكيكِهِ، وإخضاعِهِ للإستبدادِ به، من جانبِ جهاتٍ مُقتَرِنَةٍ بالشيطان، صار لِزامًا على السياديّين الحقيقيّين أن ينتقلوا الى صيغةٍ نضاليّةٍ تؤسِّسُ لإعادةِ تركيزِ مبادئِ الحرية، والعدالة، والحقوق، بدءًا بمواجهةِ الحالةِ النيوفاشيّةِ التي تسعى الى غَرزِ المزيدِ من التشظّي في كيانِ الوطن، وباستمرارِ المطالبةِ بتطبيقِ القراراتِ الدوليّةِ المُتناغِمةِ مع منطوقِ الدستور، وبالتّركيزِ الدّقيقِ على أصلِ الأزمةِ اللبنانيّةِ المُتَمَثِّلِ بتفلُّت السلاح، واقتنائِهِ بشكلٍ غيرِ قانونيٍّ، خارجَ القوى المسلَّحة الشرعيّة، وكذلك، بالتّأكيدِ الدائمِ على أنّ الديمقراطيَّةَ والحيادَ هما النظامُ الأَمثَلُ للبلاد، وبأنْ لا مرجعَ للشّعبِ إلّا الدولةُ الحقيقية القادرةُ المسؤولة…
إنّنا ننحازُ، مع الخطواتِ التي حدَّدَتها غادة ايّوب، لقضيّةِ لبنانَ، انتصارًا للكرامةِ التي رُكناها، الانتماء للوطنِ والولاء له، وبهما، فقط، تكون الصّلَةُ بين استمرارِه ووجودِنا. إننا نعرفُ، تمامًا، أنّه، وإِنْ كان الطريقُ شاقًّا، يَستدعي ازدحامَ الهِمَم، فإنّ غادة أيّوب الجريئة، تُقْدِمُ عندما تَتزعزعُ طمأنينةُ الوطن، ويَغبَرُّ أملُ أهلِهِ، لتُوَجِّهَ البوصلةَ نحوَ الحقيقةِ، وتُصيب.









