(CNN) -- توجد على المريخ، داخل أنبوب لحفظ العيّنات، صخرة مرقّطة ببقع تشبه جلد النمر، قد تحمل دليلًا على وجود حياة في الماضي، خارج كوكب الأرض.
وجمع مسبار "بيرسيفيرانس" التابع لناسا العيّنة، التي سُمّيت "سافاير كانيون"، من نتوءات صخرية عند أطراف وادي نيريتفا فاليس، الذي نحتته أنهار كانت تصب في بحيرة قديمة داخل فوهة جيزيرو، قبل أكثر من 3 مليارات سنة.
وهبط المسبار في قاع البحيرة الجافة في فبراير/شباط 2021، بحثًا عن صخور تشكّلت بفعل المياه أو تغيّرت بمرور الزمن، لأنّه يُرجّح أنها الأقدر على الاحتفاظ بأدلة على وجود حياة.
قال الفريق العلمي لمسبار "بيرسيفيرانس" إن عيّنة "سافاير كانيون"، بحجم قطعة طباشير، تمثّل نوع الصخور التي كان يأمل العلماء العثور عليها.
وقال أدريان بروز، الباحث في جامعة بوردو وعضو الفريق، إنها المرة الأولى التي يُعثر فيها على ما يستوفي معايير "بصمة حيوية محتملة" على المريخ.
وأضاف أنّ العيّنة محفوظة داخل المسبار، بانتظار إعادتها إلى الأرض.

لكنّ وصول العيّنة إلى الأرض قد يتأخّر بعدما ألغت ناسا عام 2024 برنامجًا مشتركًا مع وكالة الفضاء الأوروبية لإعادتها، بسبب تكلفته الباهظة وتعقيده، رغم إنفاق مليارات الدولارات عليه، من دون بديل واضح حتى الآن.
وقالت ناسا لـCNN في يوليو/تموز إنها تبحث عن خيارات أبسط وأقل تكلفة، تشمل مساهمات تجارية أو دولية، من دون الإعلان عن خطة نهائية.
ورغم أن عيّنة "سافاير كانيون" تعزّز الأدلة المحتملة على وجود حياة ميكروبية قديمة على المريخ، فإنّ حسم الأمر يتطلّب تحليلها على الأرض. وأوضحت بروني هورغان، أستاذة علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في جامعة بوردو، أن المسبار، الذي كلف نحو 2.4 مليار دولار، لا يمتلك الأدوات اللازمة للإجابة عن هذه الأسئلة بمفرده.
وقالت هورغان: "لن نعرف الحقيقة قبل إعادة العينات إلى الأرض"، التي قد تكشف ما إذا كانت الحياة شائعة في الكون أم أنّ الأرض فريدة من نوعها.
في المقابل، تسعى الصين إلى إعادة عينات من المريخ بحلول عام 2031، عبر مهمة "تيان ون-3" المتوقع إطلاقها عام 2028. وقد تختلف هذه العينات عن تلك التي جمعها "بيرسيفيرانس"، ما قد يكشف أدلة جديدة على وجود حياة على الكوكب الأحمر.

"الكأس المقدسة" للعلماء
تكتسب عيّنة "سافاير كانيون" أهمية بسبب بقعها المرقّطة، التي تشبه تلك التي تتشكّل على الأرض في التربة والرواسب بفعل النشاط الميكروبي، وتُعرف باسم "جبهات التفاعل" أو "بقع الاختزال".
وقال أدريان بروز، المشارك في تأليف دراسة عن العيّنة نُشرت في سبتمبر/أيلول 2025: "عندما تُدفن مواد عضوية في التربة أو الرواسب، تُحلّلها الميكروبات، فتتشكّل هالات وبقع باهتة تشبه تلك التي رصدها بيرسيفيرانس في وادٍ نهري قديم على المريخ".

استخرج مسبار "بيرسيفيرانس" عيّنة "سافاير كانيون" من صخرة "شيافا فولز" في يوليو/تموز 2024، وسط مئات آلاف البقع التي ربما تشكّلت بفعل كائنات مجهرية قديمة.
لكنّ حسم ما إذا كانت هذه العلامات دليلًا على وجود حياة سابقة يتطلّب إعادة العينات إلى الأرض، لاستبعاد العمليات الكيميائية والجيولوجية غير الحيوية.
وسبق أن أثار النيزك المريخي "ألان هيلز 84001"، الذي عُثر عليه في القارة القطبية الجنوبية عام 1984، آمالًا باكتشاف حياة قديمة، قبل أن يتبيّن أن آثاره نتجت عن عمليات جيولوجية غير حيوية.
وقال أشوين فاسافادا، المسؤول عن مشروع مسبار "كيوريوسيتي" في ناسا، إن حسم وجود حياة قديمة يتطلب تحليلات متعددة في أفضل المختبرات، وهي إمكانات لا يملكها "بيرسيفيرانس".

وأوضحت ميليسا رايس، أستاذة علوم الكواكب في جامعة ويسترن واشنطن، أن أدوات المسبار صُممت لاستكشاف الصخور واختيار العينات وتحديد خصائصها الجيولوجية تمهيدًا لإعادتها إلى الأرض.
وتعود أولى طلبات ناسا تمويل دراسات إعادة عينات المريخ إلى العام 1978، بعد مهمات "فايكنغ" للبحث عن أدلة على الحياة على الكوكب الأحمر.
وقال كيسي دراير، رئيس قسم سياسات الفضاء في جمعية الكواكب، إن ذلك يعكس استمرار هذا الهدف العلمي بعيد المنال لعقود.

وحدّد مسح علمي أُجري عام 2003، وتقارير لاحقة، إعادة عيّنات من المريخ بوصفها أولوية رئيسية للبعثات الفضائية المستقبلية، ما ربط برنامج إعادة العينات بمهمة مسبار "بيرسيفيرانس". وطُوّر المشروعان بالتوازي.
مسار معقّد
تضمّنت الخطة الأصلية، التي كُشف عنها عام 2020، إرسال مركبة إلى المريخ لجمع العيّنات، وأخرى لإعادتها إلى الأرض بحلول عام 2031، بأقرب تقدير.
وكانت مركبة الصعود ستطلق حاوية بحجم كرة القدم تحمل العيّنات، لتلتقطها مركبة أوروبية تدور حول المريخ.
بعد ذلك، كانت المركبة الأوروبية ستعود إلى الأرض، وتنقل حاوية العينات إلى مركبة أخرى تنفصل عنها وتهبط بالعينات بأمان على كوكبنا.
وفي العام 2022، عُدّلت الخطة بحيث يسلّم "بيرسيفيرانس" العينات إلى مركبة صعود تنطلق بها في رحلة العودة. كما كان مقرّرًا أن تحمل مركبة الهبوط مروحيتين صغيرتين لجمع العينات من المسبار إذا تعذّر عليه الوصول إلى موقع الهبوط. وأدى هذا التعديل إلى تأجيل موعد إعادة العينات إلى العام 2033.
حذّرت لجان مراجعة مستقلة من تعقيد مهمة إعادة العينات، بعدما ارتفعت ميزانيتها إلى 11 مليار دولار وتأجلت إلى عام 2040، وسط تخفيضات في ميزانية ناسا وتراجع الدعم السياسي للمشروع.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، طرحت الوكالة خيارين أسرع وأقل تكلفة، يعتمدان على شراكات تجارية أو تقنيات سبق استخدامها للهبوط على المريخ، قبل أسابيع من تولي دونالد ترامب الرئاسة والبحث عن مدير جديد لناسا.

وجاء طلب ميزانية ناسا لعام 2026 ليحمل مفاجأة، إذ أعلنت الوكالة عزمها إنهاء برنامج إعادة العينات بسبب تكلفته الباهظة، مع الإشارة إلى إمكان إعادتها عبر مهمات مستقبلية إلى المريخ.
وغاب البرنامج عن طلب ميزانية عام 2027، بعدما أنفقت ناسا نحو 2.5 مليار دولار عليه، بحسب دراير.
وأبدى مدير ناسا جاريد آيزاكمان اهتمامًا بإعادة عينات "بيرسيفيرانس" إلى الأرض.

قال آيزاكمان إنّ إعادة عينات المريخ قد تحقق "أهم اختراق علمي في تاريخ البشرية"، سواء عبر روبوتات أو رواد فضاء، من دون تحديد موعد، محمّلًا الإدارة السابقة مسؤولية إلغاء البرنامج بسبب تكلفته التي كانت ستتجاوز تكلفة حاملة طائرات.
ورغم الجدل بشأن مصير البرنامج، لم تُعلن تفاصيل جديدة عن الخطوات المقبلة.
الصين تدخل السباق
من جانبها، تستعد الصين لإعادة عينات من المريخ عبر مهمة "تيان ون-3"، مستفيدة من نجاح مهمة "تشانغ آه-6" عام 2024، التي أعادت أول عينات من الجانب البعيد للقمر.
وتشمل الخطة مركبة هبوط مزودة بمركبة صعود ومروحية، وأخرى مدارية لنقل العينات إلى الأرض. وستحفر مركبة الهبوط حتى عمق مترين بحثًا عن أدلة على الحياة، فيما تجمع المروحية عينات صخرية. وتخطط الصين لتشغيل مركبة الهبوط نحو 70 يومًا.
ويفاضل العلماء بين 86 موقعًا محتملًا بحثًا عن آثار مياه سائلة ونشاط ميكروبي قديم، مع التركيز على عينات غنية بأكاسيد الحديد والطين المائي، لاحتمال احتفاظها بآثار خلايا قديمة وجزيئات عضوية.
بصيص أمل
لا يزال العلماء يأملون إعادة عينات "بيرسيفيرانس" إلى الأرض بفضل جهود شركات القطاع الخاص، وفق هورغان.
وقال ويتلي بويزر، مدير قسم مهمات الاستكشاف في شركة لوكهيد مارتن، إن الشركة طوّرت، استنادًا إلى خبرتها في مهمات المريخ وإعادة العينات بالتعاون مع ناسا، خطة مبسطة لجمع العينات التي تركها المسبار على سطح الكوكب.

تقترح مارتن إعادة 30 عينة من المريخ إلى الأرض بتكلفة تقل عن 3 مليارات دولار، بحلول عام 2037، باستخدام مركبات وتقنيات طوّرتها في مهمات فضائية سابقة. وأكدت الشركة استعدادها لتنفيذ الخطة إذا أتيحت لها الفرصة.
وقالت رايس إن عينات المريخ قد تكشف ما لا تستطيع صخور الأرض إظهاره، بعدما غيّر التعرية وعوامل أخرى طبيعتها عبر الزمن، مشيرة إلى أهمية توعية الجمهور بمدى اقتراب العلماء من الإجابة عن أسئلة كبرى بشأن الحياة.
وأضافت: "سنواصل الدعوة إلى إعادة العينات، لضمان إدراك الناس مدى اقترابنا من الإجابة عن هذه الأسئلة. الصخور موجودة داخل أنابيبها وجاهزة، وكل ما علينا فعله هو الذهاب لإحضارها".









