المركزية- سابقة قانونية سجلها أمس المجلس الدستوري في القرار الصادر عنه في قانون العفو العام، إذ لجأ إلى تقنية التحفّظات التفسيرية الملزمة، محددًا المعنى الواجب اعتماده في عدد من مواده دون إبطال كلي للمواد التي أضاف إليها بنوداً مع تشريعها، وهذا ما يطرح إشكالية دستورية كونه مارس صلاحية لا يملكها أصلًا. فالمادة 19 من الدستور أنشأت المجلس الدستوري للنظر في دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية. أمس اختار مسارًا ثالثًا، يقوم على إبقاء النص نافذًا بعد إخضاعه لتفسيرات اعتبرها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية. وبذلك، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بما كتبه المشترع، بل بما قرر المجلس أن النص يجب أن يعنيه حتى يصبح متوافقًا مع الدستور.
المحامي محمد صبلوح يعتبر أن ما حصل أمس يتجاوز حدود التفسير القانوني إلى ممارسة دور تشريعي لا يملكه المجلس الدستوري. "فصلاحيات المجلس واضحة، وتتمثل في قبول الطعن أو رده أو إبطال المواد التي يثبت تعارضها مع الدستور وتفسيرها. واللافت والمستغرب صمت رئيس مجلس النواب نبيه بري حيال المس المباشر بصلاحيات المؤسسة التي يرأسها. ما هي خلفيات هذا الصمت؟ الأيام ستكشف عن حقيقة التسوية التي حيكت إلا أن تكريس هذا النهج قد يفتح الباب أمام تحول المجلس الدستوري إلى جهة تعيد صياغة القوانين بدل مراقبة دستوريتها".
نقاط عديدة يضيء عليها صبلوح وتكشف عن حجم المخالفة القانونية التي ارتكبها المجلس الدستوري" في المادة المتعلقة بالحصول على إسقاط الحق الشخصي في جرائم معينة، كان يمكن للمجلس الدستوري أن يبطل النص إذا اعتبره مخالفًا للدستور، لكنه اختار التدخل في مضمونه وإضافة أحكام تتجاوز التفسير إلى التشريع بحيث ذهب إلى وضع قواعد جديدة لكيفية تطبيقه، وهذا تدخل فاضح في صلاحية مجلس النواب، إذ أن المسألة لا تتعلق بتفصيل تقني، بل بحدود الاستفادة من العفو والضوابط التي تحكمه، وما إذا كان يحق لهيئة الرقابة الدستورية أن تعيد رسم هذه الحدود من خلال تحفظات تفسيرية ملزمة".
وفي ملف العقوبات، يثير صبلوح مسألة المحكومين بالإعدام، "فقد ألغى القانون رقم 68 عقوبة الإعدام واستبدلها بالأشغال الشاقة المؤبدة في الأحكام غير المنفذة، قبل أن يأتي قانون العفو العام ليحدد مدة مختلفة للعقوبات. فقد نص قانون العفو على احتساب 28 سنة سجنية للعقوبات التي كانت إعدامًا، و17 سنة للأشغال الشاقة المؤبدة، فيما وضع المجلس الدستوري تفسيرًا ملزمًا يحدد كيفية تطبيق هذين الحكمين على ضوء إلغاء عقوبة الإعدام. وهذا التدخل يثير إشكالية قانونية تتصل بمبدأ تطبيق القانون الأصلح للمدعى عليه، متسائلًا عن الأساس الذي اعتمده المجلس في تحديد القاعدة الواجب تطبيقها، وعن مدى بقائه ضمن حدود الرقابة الدستورية.
أيضا في المادة التي تتعلق بمبدأ المساواة بين المدنيين والعسكريين يسأل كيف يمكن استثناء عسكري من العفو العام في حين يشمل المدني المتهم بنفس الجريمة؟ المساواة ليست مجرد شعار بل يفترض أن تنعكس على القواعد التي تحدد المستفيدين من العفو والاستثناءات الواردة عليه".
وفي ملف المخدرات، يذهب إلى اعتبار أن الصياغة التي أقرها المجلس الدستوري قد تفتح الباب أمام استفادة عدد كبير من المطلوبين الذين لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة. وهذا الغموض ورفض المجلس إعطاء أي تفسير في تحديد نطاق العفو قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز ما قصده المشرّع.
خلفيات هذه السابقة القانونية التي ارتكبها المجلس الدستوري أمس يضعها صبلوح في إطار" التسوية التي أتاحت إرضاء أطراف سياسية مختلفة. "الرئيس نبيه بري من خلال الإبقاء على أجزاء من القانون تتيح استفادة فئات من المطلوبين في قضايا المخدرات، ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من خلال إبطال أجزاء من القانون وعدم إسقاطه كاملا".
ويختم مستغربا كيفية صدور قرار مصيري مماثل عن المجلس الدستوري في غياب العضوين السنيين القاضي عمر حمزة والقاضي أحمد أكرم بعاصيري. ويعتبر أن تطبيق معايير الميثاقية بصورة انتقائية، إن ثبت، يستوجب المساءلة، لكنه لا يكتفي بطرح المسألة من زاوية طائفية، بل يربطها بمبدأ المساواة في تطبيق القواعد الدستورية على المؤسسات كافة.
وفي هذا الإطار، يتوقف عند لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري بالمدعي العام التمييزي القاضي احمد رامي الحاج اليوم، مرجحا أن يكون محور اللقاء حول آلية تنفيذ القانون الصادر عن المجلس الدستوري مشيرا إلى الإجتماع الذي سيعقد بين عدد من نواب طرابلس السنة ورئيس الحكومة لمناقشة تداعيات القرار وملف الموقوفين.
خلاصة الكلام قانون العفو العام سيصبح نافذا بعد صدوره في الجريدة الرسمية. فهل ثمة من يكسر طوق الصمت غير المبرر ويقولها بالمباشر أن المجلس الدستوري تجاوز صلاحياته الدستورية والتداعيات والغموض الذي يحيط ببعض مواد قانون العفو الصادر عنه سيحوّل القرار إلى مصدر جديد للنزاعات داخل المحاكم والسجون؟





