بعد الانجيل ألقى عبود عظة قال فيها: "ثمة كلمات تقال لتكون شهادة وفاء لضمائر جعلت من الخدمة رسالة، ومن الأمانة عهدا، ومن الإنسان غاية لكل جهد وعطاء. وثمة أعمال لا تقاس بحجمها، بل بما تتركه في القلوب من أثر، وفي النفوس من طمأنينة، وفي حياة الناس من كرامة محفوظة ورجاء متجدد وعليه، نلتقي اليوم لنصلي مع مخاتير قضاء جبيل، مستلهمين من الإنجيل أسمى معاني التضحية والأمانة: "من هو العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيده على أهل بيته؟ هو سؤال إلهي يضع الإنسان أمام حقيقة رسالته، وكل مسؤول أمام أمانة موقعه، وكل صاحب سلطة أمام ضميره. فالثناء ليس لمن اعتلى موقعا، بل لمن كان أمينا فيه؛ ولا لمن امتلك سلطة، بل لمن حولها إلى خدمة؛ ولا لمن طلب المجد لنفسه، بل لمن جعل من حضوره مرجعا للآخرين. فكم بالحري إذا كان مختارا".
أضاف: "إن رسالتكم، في جوهرها، تتجاوز حدود المعاملات والوثائق والتواقيع. فخلف كل معاملة إنسان له حاجته، وخلف كل طلب عائلة تنتظر فرجا، وخلف كل باب يطرق قلب يرجو أن يجد من يصغي إليه، ويدا تمتد إليه، وكلمة تطمئن روحه، فالمختار الأمين ليس من يحمل ختما رسميا فحسب، بل من يحمل أمانة الناس في ضميره، ويدرك أن وراء بعض الطلبات حرجا لا يقال، ووراء بعض الصمت وجعا لا يحكى، ووراء بعض الانتظار حاجة إلى لمسة إنسانية قبل أي إجراء".
وتابع: "لعل أجمل ما يلتقي فيه حضوركم اليوم مع إنجيل الرب هو أن الأمانة الحقيقية لا تحتاج دائما إلى شاهد يمدحها، ولا إلى منصة تعلن عنها؛ فهي تظهر في الواجب الذي يؤدى بإخلاص، وفي الخدمة التي تمنح بمحبة. هناك، في خفاء العطاء وصدق النية، تكتب أسمى صفحات الإنسانية، ويصبح العمل رسالة، وتصبح المسؤولية شهادة إيمان بالقيمة المقدسة للإنسان".
وتوجه إلى المخاتير بالقول: "نحييكم اليوم لأن الخدمة الصادقة تزداد قيمة حين يصبح الإصغاء نفسه تضحية، وتغدو الخدمة فعل محبة نبيلة. نكرم فيكم كل يد امتدت للمساعدة، وكل ضمير اختار الأمانة، وكل قلب آثر خدمة الإنسان على راحة الذات. ولذلك، فإن تكريمكم ليس مكافأة على ما مضى فحسب، بل هو اعتراف بفضل الأمانة، وتقدير لنبل الخدمة، وتجديد للإيمان بأن الإنسان يستطيع، من موقعه مهما بدا متواضعا، أن يصنع فرقا كبيرا في حياة الآخرين. عندها نفهم عمق قول الرب يسوع: "طوبى لذلك العبد الذي يجيء سيده فيجده فاعلا هكذا!"
وختم: "لكم، أصدق التقدير وأعمق الامتنان. بوركت جهودكم، وطابت مساعيكم، وليبق عطاؤكم شهادة حية على أن الخدمة حين تولد من المحبة، ترتقي إلى رسالة، وحين تصان بالأمانة، تصبح بركة فالوطن لا يبنى بالحجارة والمؤسسات وحدها، بل يبنى أيضا بضمائر أمينة، وقلوب رحيمة، وأيد تعمل بصمت وإخلاص؛ والوطن الذي يحفظ كرامة الإنسان، إنما يحفظ أجمل ما أودعه الله في الإنسان: إنسانيته".
وفي ختام القداس قدم عبود تمثال القديس شربل إلى رئيس الرابطة الذي شكره على مبادرته، وتم قطع قالب حلوى في الباحة الخارجية للكنيسة، وشرب الجميع نخب المناسبة.
==== ن.ح.






