🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

ثروة من دمار: ركام حروب لبنان يفتح سوقا للمعادن والنفوذ

✍️ طوني بولس

وجهات الركام بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، و…

وجهات الركام

بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، ويديره اتحاد البلديات، قبل نقل الجزء المناسب إلى مكبّ "الكوستا برافا" للنفايات، الواقع جنوب العاصمة بيروت.

وفي الجنوب تتجه كميات من ركام النبطية إلى بلدتي عين قانا وحبوش، ومن ركام صور إلى بلدتي الرشيدية وطيردبا، بحسب ما أُعلن عن الإشراف وموافقة وزارة البيئة، وقبل الحرب الأخيرة في مارس 2026، كانت نسبة رفع الأنقاض قد بلغت نحو 65 في المئة إجمالاً، ووصلت إلى 75 في المئة في بعض القرى، بينما تعذر الوصول إلى بلدات كفركلا والعديسة ومركبا.

لكن الوجهات المعلنة لا تلغي الأسئلة عن الالتزام بها، فحين وُجهت اتهامات إلى بعض المتعهدين بالرمي العشوائي وتوسيع هوامش الربح، نفى "مجلس الجنوب" انطباقها على ملتزميه، ونسب مخالفات إلى أعمال خاصة ينفذها أصحاب الأبنية أو متعهدون بتكليف منهم.

مطمر يتوسع

يمثل مكب "الكوستا برافا" نقطة التقاء بين ملف الردميات الناتجة من الدمار وإدارة النفايات، إذ يمكن استخدام الركام المطابق للمواصفات في أعمال توسعة المطمر، وفي السياق تقول دراسة لـ "دار الهندسة" اللبنانية إن مساحة ردم تبلغ 150 ألف متر مربع، توفر قدرة إضافية لاستيعاب 575 ألف طن من النفايات، وعمر تشغيل إضافياً مقداره 16 شهراً، عند معدل استقبال يومي يبلغ 1200 طن.

وفي هذا المسار، يظهر اسم جهاد العرب وشركته لناحية إدارة المكب المذكور وتوسعته، وليس بوصفه صاحب عقد إزالة ركام الضاحية، وبذلك يطرح وصول ركام الحرب إلى المطمر سؤالاً عن شروط استخدامه، وقيمته، والجهة التي تستفيد من توفيره.

ويحمل حضور جهاد العرب خلفية مرتبطة بالعقود العامة، فقد أعلنت الخزانة الأميركية في الـ 28 من أكتوبر 2021 فرض عقوبات عليه، ونسبت إليه الاستفادة من علاقات سياسية في الحصول على عقود، وذكرت عقد مطمر بقيمة 288 مليون دولار عام 2016، وهذه الخلفية تعزز أهمية التدقيق في العقود الحالية، لكنها لا تثبت بذاتها وجود مخالفة في استخدام ركام الحرب أو توسعة المطمر.

خريطة الدمار

نحمل هذا الملف ومعه كثير من التساؤلات إلى الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، الذي قال إن حجم الدمار في لبنان يتجاوز صور الأبنية المنهارة التي طبعت مشهد الحرب، ووفق تقديراته، فقد دُمّرت نحو 50 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بنحو 100 ألف وحدة أخرى، تركز معظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع شرق البلاد.

ويشير شمس الدين إلى أن الدمار الكلي أو الجزئي طاول نحو 132 بلدة جنوبية، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب وفق تقديره، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 68 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة في الجنوب وحده، وعن أجزاء واسعة من نحو 30 بلدة باتت غير صالحة للسكن، مستنداً إلى المعطيات الميدانية والتواصل مع البلديات والصور التي توثق الأضرار، وفي تفصيل لتوزع الوحدات المدمرة كلياً، يقدّر عددها بنحو 22 ألفاً في قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل، و12 ألفاً في مناطق جنوبية أخرى، و9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1200 في البقاع، ويعطي هذا التوزيع مجموعاً يقارب 44 ألف وحدة، أما تقديره الأوسع البالغ نحو 50 ألفاً إلى 51 ألف وحدة، فيرتبط بنطاق رصد أوسع وبتحديث الأرقام، ولذلك يشدد على التعامل مع هذه الحصيلة كتقديرات قابلة للمراجعة مع استكمال المسوحات، لا كإحصاء نهائي.

وتقدم التقييمات الدولية المنشورة حتى عام 2026 مقياساً آخر، وهو عدد المباني لا الوحدات السكنية، ففي المنطقة التي يغطيها تقييم جنوب نهر الليطاني، سُجل تدمير كامل لـ11095 مبنى، وأضرار جزئية في 2242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9311 مبنى، مع تقدير الركام الناتج بنحو 3.1 مليون متر مكعب.

ويشمل نطاق هذا التقييم مناطق ضمن أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا الجنوبية، ولا يغطي كامل الأضرار في لبنان، ومن ثم لا يمكن وضع أرقام المباني هذه في مواجهة مباشرة مع تقديرات الوحدات السكنية على مستوى البلاد.

وتظهر الخريطة الميدانية تفاوتاً في حجم الدمار داخل الجنوب نفسه، فقد سجل قضاء بنت جبيل أعداداً مرتفعة من الأبنية المدمرة، وتعرضت ميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، وبرج الشمالي والناقورة في قضاء صور، لأضرار واسعة، ويشير شمس الدين أيضاً إلى تقدير سابق بأن مساحة الشريط الحدودي الذي طاوله الدمار تمتد على نحو 300 كيلومتر مربع، فيما فقدت أجزاء من بلدات عدة وظيفتها السكنية والتجارية.

وتساعد هذه الفوارق في فهم تباين أرقام الركام، فتقدير 3.1 مليون متر مكعب يتعلق بنطاق جنوبي محدد، بينما تتحدث تقديرات وطنية أوسع عن أكثر من 10 ملايين طن، ضمن المجال المتداول البالغ 10 إلى 14 مليون طن، والوحدتان مختلفتان أيضاً، فالمتر المكعب يقيس الحجم والطن يقيس الوزن، ولا تصح المقارنة المباشرة بينهما من دون تحديد كثافة الركام ومكوناته.

وبالنسبة إلى شمس الدين، فلا تكمن خطورة الدمار في رقم واحد، بل في اجتماع عشرات آلاف المساكن المتضررة مع اتساع رقعة البلدات المصابة، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض، وهذه الخريطة، الممتدة من الحدود الجنوبية إلى الضاحية والبقاع، تحدد حجم العمل الذي ينتظر لبنان، قبل أن تستعيد المناطق المدمرة قدرتها على السكن والحياة.

ثروة الركام

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن ملايين الأطنان من الركام التي خلّفتها الحرب يمكن أن تتحول من عبء بيئي ومالي إلى مورد لإعادة الإعمار، إذا خضعت للفرز والمعالجة وفق معايير واضحة، مشيراً إلى تقديرات تتراوح ما بين 10 و14 مليون طن، تتركز في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وتضم خرسانة وحجارة وحديداً يمكن استردادها بدلاً من الاكتفاء بنقلها إلى مواقع التخلص.

ويوضح عجاقة أن تكسير حطام الخرسانة يتيح إنتاج ركام معاد تدويره يصلح لطبقات تأسيس الطرق وأعمال الردم وبعض مشاريع تأهيل المحاجر، وقد يحل، بحسب تقديراته، محل 30 إلى 50 في المئة من الركام الطبيعي المستخدم في هذه الأعمال، مما يخفف الحاجة إلى استخراج مواد جديدة ونقلها، وكذلك يمكن فصل حديد التسليح باستخدام معدات مغناطيسية وإعادته لدورة الإنتاج، وهو ما يوافر مادة أولية محلية، ويحد من الحاجة إلى استيراد الصلب والطلب على الدولار.

ويقدّر عجاقة أن إعادة التدوير محلياً قد تخفض كلفة بعض المواد بنسبة تتراوح ما بين 25 و40 في المئة لكل متر مكعب مقارنة بالركام الطبيعي، لكن تحقيق هذا الوفر يتوقف على المسافة بين مواقع الدمار ومراكز المعالجة.

ويقول "إذا لم تتوافر مراكز إقليمية على مسافة تقارب 15 كيلومتراً، فقد تلتهم كلفة النقل والوقود القيمة السوقية للمواد المستخرجة"، ولذلك يقترح وحدات تكسير متنقلة قريبة من المناطق المتضررة، تقلل حركة الشاحنات وتتيح معالجة جزء من الركام قرب مصدره.

وتسبق الجدوى الاقتصادية، في رأيه، شروطُ السلامة، فقد يحوي ركام الحروب الأسبستوس والمعادن الثقيلة والغبار السام، فضلاً عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، ويستدعي ذلك فحص المواد الخطرة وعزلها قبل الفرز والتدوير، مما يرفع كلفة التشغيل ويجعل التمويل العام أو دعم الجهات المانحة ضرورياً في المراحل الأولى.

ويضيف عجاقة أن السوق اللبنانية تحتاج إلى معايير أكثر وضوحاً لاستخدام مواد البناء المعاد تدويرها، فالقانون رقم (80) لعام 2018، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لا يوفر، وفق قراءته، إطاراً عملياً كافياً يطمئن المهندسين والمقاولين إلى مواصفات هذه المواد واستخداماتها، وكذلك تعوق الأزمة المصرفية تمويل معدات التكسير والفرز والفصل المغناطيسي وضبط الغبار، ومن هنا يدعو عجاقة إلى أن يخلق القطاع العام طلباً أولياً، عبر استخدام الركام المعاد تدويره في مشاريع البنية التحتية، بالتوازي مع تخصيص تمويل دولي لعمليات المعالجة.

أما الخطر الذي يتجاوز الحسابات التقنية، فيرتبط بطريقة التعاقد، فالإزالة الطارئة قد تدفع نحو تلزيمات سريعة يصعب تتبع كمياتها وعائداتها، ولذلك يشدد عجاقة على نشر العقود وبيانات النقل والفرز والتدوير، باعتبارها شرطاً لمعرفة ما إذا كان الركام سيخفض فاتورة إعادة الإعمار، أم سيضيف إليها كلفة جديدة.

المصدر الأصلي

وجهات الركام

بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، ويديره اتحاد البلديات، قبل نقل الجزء المناسب إلى مكبّ "الكوستا برافا" للنفايات، الواقع جنوب العاصمة بيروت.

وفي الجنوب تتجه كميات من ركام النبطية إلى بلدتي عين قانا وحبوش، ومن ركام صور إلى بلدتي الرشيدية وطيردبا، بحسب ما أُعلن عن الإشراف وموافقة وزارة البيئة، وقبل الحرب الأخيرة في مارس 2026، كانت نسبة رفع الأنقاض قد بلغت نحو 65 في المئة إجمالاً، ووصلت إلى 75 في المئة في بعض القرى، بينما تعذر الوصول إلى بلدات كفركلا والعديسة ومركبا.

لكن الوجهات المعلنة لا تلغي الأسئلة عن الالتزام بها، فحين وُجهت اتهامات إلى بعض المتعهدين بالرمي العشوائي وتوسيع هوامش الربح، نفى "مجلس الجنوب" انطباقها على ملتزميه، ونسب مخالفات إلى أعمال خاصة ينفذها أصحاب الأبنية أو متعهدون بتكليف منهم.

مطمر يتوسع

يمثل مكب "الكوستا برافا" نقطة التقاء بين ملف الردميات الناتجة من الدمار وإدارة النفايات، إذ يمكن استخدام الركام المطابق للمواصفات في أعمال توسعة المطمر، وفي السياق تقول دراسة لـ "دار الهندسة" اللبنانية إن مساحة ردم تبلغ 150 ألف متر مربع، توفر قدرة إضافية لاستيعاب 575 ألف طن من النفايات، وعمر تشغيل إضافياً مقداره 16 شهراً، عند معدل استقبال يومي يبلغ 1200 طن.

وفي هذا المسار، يظهر اسم جهاد العرب وشركته لناحية إدارة المكب المذكور وتوسعته، وليس بوصفه صاحب عقد إزالة ركام الضاحية، وبذلك يطرح وصول ركام الحرب إلى المطمر سؤالاً عن شروط استخدامه، وقيمته، والجهة التي تستفيد من توفيره.

ويحمل حضور جهاد العرب خلفية مرتبطة بالعقود العامة، فقد أعلنت الخزانة الأميركية في الـ 28 من أكتوبر 2021 فرض عقوبات عليه، ونسبت إليه الاستفادة من علاقات سياسية في الحصول على عقود، وذكرت عقد مطمر بقيمة 288 مليون دولار عام 2016، وهذه الخلفية تعزز أهمية التدقيق في العقود الحالية، لكنها لا تثبت بذاتها وجود مخالفة في استخدام ركام الحرب أو توسعة المطمر.

خريطة الدمار

نحمل هذا الملف ومعه كثير من التساؤلات إلى الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، الذي قال إن حجم الدمار في لبنان يتجاوز صور الأبنية المنهارة التي طبعت مشهد الحرب، ووفق تقديراته، فقد دُمّرت نحو 50 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بنحو 100 ألف وحدة أخرى، تركز معظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع شرق البلاد.

ويشير شمس الدين إلى أن الدمار الكلي أو الجزئي طاول نحو 132 بلدة جنوبية، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب وفق تقديره، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 68 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة في الجنوب وحده، وعن أجزاء واسعة من نحو 30 بلدة باتت غير صالحة للسكن، مستنداً إلى المعطيات الميدانية والتواصل مع البلديات والصور التي توثق الأضرار، وفي تفصيل لتوزع الوحدات المدمرة كلياً، يقدّر عددها بنحو 22 ألفاً في قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل، و12 ألفاً في مناطق جنوبية أخرى، و9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1200 في البقاع، ويعطي هذا التوزيع مجموعاً يقارب 44 ألف وحدة، أما تقديره الأوسع البالغ نحو 50 ألفاً إلى 51 ألف وحدة، فيرتبط بنطاق رصد أوسع وبتحديث الأرقام، ولذلك يشدد على التعامل مع هذه الحصيلة كتقديرات قابلة للمراجعة مع استكمال المسوحات، لا كإحصاء نهائي.

وتقدم التقييمات الدولية المنشورة حتى عام 2026 مقياساً آخر، وهو عدد المباني لا الوحدات السكنية، ففي المنطقة التي يغطيها تقييم جنوب نهر الليطاني، سُجل تدمير كامل لـ11095 مبنى، وأضرار جزئية في 2242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9311 مبنى، مع تقدير الركام الناتج بنحو 3.1 مليون متر مكعب.

ويشمل نطاق هذا التقييم مناطق ضمن أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا الجنوبية، ولا يغطي كامل الأضرار في لبنان، ومن ثم لا يمكن وضع أرقام المباني هذه في مواجهة مباشرة مع تقديرات الوحدات السكنية على مستوى البلاد.

وتظهر الخريطة الميدانية تفاوتاً في حجم الدمار داخل الجنوب نفسه، فقد سجل قضاء بنت جبيل أعداداً مرتفعة من الأبنية المدمرة، وتعرضت ميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، وبرج الشمالي والناقورة في قضاء صور، لأضرار واسعة، ويشير شمس الدين أيضاً إلى تقدير سابق بأن مساحة الشريط الحدودي الذي طاوله الدمار تمتد على نحو 300 كيلومتر مربع، فيما فقدت أجزاء من بلدات عدة وظيفتها السكنية والتجارية.

وتساعد هذه الفوارق في فهم تباين أرقام الركام، فتقدير 3.1 مليون متر مكعب يتعلق بنطاق جنوبي محدد، بينما تتحدث تقديرات وطنية أوسع عن أكثر من 10 ملايين طن، ضمن المجال المتداول البالغ 10 إلى 14 مليون طن، والوحدتان مختلفتان أيضاً، فالمتر المكعب يقيس الحجم والطن يقيس الوزن، ولا تصح المقارنة المباشرة بينهما من دون تحديد كثافة الركام ومكوناته.

وبالنسبة إلى شمس الدين، فلا تكمن خطورة الدمار في رقم واحد، بل في اجتماع عشرات آلاف المساكن المتضررة مع اتساع رقعة البلدات المصابة، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض، وهذه الخريطة، الممتدة من الحدود الجنوبية إلى الضاحية والبقاع، تحدد حجم العمل الذي ينتظر لبنان، قبل أن تستعيد المناطق المدمرة قدرتها على السكن والحياة.

ثروة الركام

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن ملايين الأطنان من الركام التي خلّفتها الحرب يمكن أن تتحول من عبء بيئي ومالي إلى مورد لإعادة الإعمار، إذا خضعت للفرز والمعالجة وفق معايير واضحة، مشيراً إلى تقديرات تتراوح ما بين 10 و14 مليون طن، تتركز في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وتضم خرسانة وحجارة وحديداً يمكن استردادها بدلاً من الاكتفاء بنقلها إلى مواقع التخلص.

ويوضح عجاقة أن تكسير حطام الخرسانة يتيح إنتاج ركام معاد تدويره يصلح لطبقات تأسيس الطرق وأعمال الردم وبعض مشاريع تأهيل المحاجر، وقد يحل، بحسب تقديراته، محل 30 إلى 50 في المئة من الركام الطبيعي المستخدم في هذه الأعمال، مما يخفف الحاجة إلى استخراج مواد جديدة ونقلها، وكذلك يمكن فصل حديد التسليح باستخدام معدات مغناطيسية وإعادته لدورة الإنتاج، وهو ما يوافر مادة أولية محلية، ويحد من الحاجة إلى استيراد الصلب والطلب على الدولار.

ويقدّر عجاقة أن إعادة التدوير محلياً قد تخفض كلفة بعض المواد بنسبة تتراوح ما بين 25 و40 في المئة لكل متر مكعب مقارنة بالركام الطبيعي، لكن تحقيق هذا الوفر يتوقف على المسافة بين مواقع الدمار ومراكز المعالجة.

ويقول "إذا لم تتوافر مراكز إقليمية على مسافة تقارب 15 كيلومتراً، فقد تلتهم كلفة النقل والوقود القيمة السوقية للمواد المستخرجة"، ولذلك يقترح وحدات تكسير متنقلة قريبة من المناطق المتضررة، تقلل حركة الشاحنات وتتيح معالجة جزء من الركام قرب مصدره.

وتسبق الجدوى الاقتصادية، في رأيه، شروطُ السلامة، فقد يحوي ركام الحروب الأسبستوس والمعادن الثقيلة والغبار السام، فضلاً عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، ويستدعي ذلك فحص المواد الخطرة وعزلها قبل الفرز والتدوير، مما يرفع كلفة التشغيل ويجعل التمويل العام أو دعم الجهات المانحة ضرورياً في المراحل الأولى.

ويضيف عجاقة أن السوق اللبنانية تحتاج إلى معايير أكثر وضوحاً لاستخدام مواد البناء المعاد تدويرها، فالقانون رقم (80) لعام 2018، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لا يوفر، وفق قراءته، إطاراً عملياً كافياً يطمئن المهندسين والمقاولين إلى مواصفات هذه المواد واستخداماتها، وكذلك تعوق الأزمة المصرفية تمويل معدات التكسير والفرز والفصل المغناطيسي وضبط الغبار، ومن هنا يدعو عجاقة إلى أن يخلق القطاع العام طلباً أولياً، عبر استخدام الركام المعاد تدويره في مشاريع البنية التحتية، بالتوازي مع تخصيص تمويل دولي لعمليات المعالجة.

أما الخطر الذي يتجاوز الحسابات التقنية، فيرتبط بطريقة التعاقد، فالإزالة الطارئة قد تدفع نحو تلزيمات سريعة يصعب تتبع كمياتها وعائداتها، ولذلك يشدد عجاقة على نشر العقود وبيانات النقل والفرز والتدوير، باعتبارها شرطاً لمعرفة ما إذا كان الركام سيخفض فاتورة إعادة الإعمار، أم سيضيف إليها كلفة جديدة.

المصدر الأصلي

وجهات الركام

بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، ويديره اتحاد البلديات، قبل نقل الجزء المناسب إلى مكبّ "الكوستا برافا" للنفايات، الواقع جنوب العاصمة بيروت.

وفي الجنوب تتجه كميات من ركام النبطية إلى بلدتي عين قانا وحبوش، ومن ركام صور إلى بلدتي الرشيدية وطيردبا، بحسب ما أُعلن عن الإشراف وموافقة وزارة البيئة، وقبل الحرب الأخيرة في مارس 2026، كانت نسبة رفع الأنقاض قد بلغت نحو 65 في المئة إجمالاً، ووصلت إلى 75 في المئة في بعض القرى، بينما تعذر الوصول إلى بلدات كفركلا والعديسة ومركبا.

لكن الوجهات المعلنة لا تلغي الأسئلة عن الالتزام بها، فحين وُجهت اتهامات إلى بعض المتعهدين بالرمي العشوائي وتوسيع هوامش الربح، نفى "مجلس الجنوب" انطباقها على ملتزميه، ونسب مخالفات إلى أعمال خاصة ينفذها أصحاب الأبنية أو متعهدون بتكليف منهم.

مطمر يتوسع

يمثل مكب "الكوستا برافا" نقطة التقاء بين ملف الردميات الناتجة من الدمار وإدارة النفايات، إذ يمكن استخدام الركام المطابق للمواصفات في أعمال توسعة المطمر، وفي السياق تقول دراسة لـ "دار الهندسة" اللبنانية إن مساحة ردم تبلغ 150 ألف متر مربع، توفر قدرة إضافية لاستيعاب 575 ألف طن من النفايات، وعمر تشغيل إضافياً مقداره 16 شهراً، عند معدل استقبال يومي يبلغ 1200 طن.

وفي هذا المسار، يظهر اسم جهاد العرب وشركته لناحية إدارة المكب المذكور وتوسعته، وليس بوصفه صاحب عقد إزالة ركام الضاحية، وبذلك يطرح وصول ركام الحرب إلى المطمر سؤالاً عن شروط استخدامه، وقيمته، والجهة التي تستفيد من توفيره.

ويحمل حضور جهاد العرب خلفية مرتبطة بالعقود العامة، فقد أعلنت الخزانة الأميركية في الـ 28 من أكتوبر 2021 فرض عقوبات عليه، ونسبت إليه الاستفادة من علاقات سياسية في الحصول على عقود، وذكرت عقد مطمر بقيمة 288 مليون دولار عام 2016، وهذه الخلفية تعزز أهمية التدقيق في العقود الحالية، لكنها لا تثبت بذاتها وجود مخالفة في استخدام ركام الحرب أو توسعة المطمر.

خريطة الدمار

نحمل هذا الملف ومعه كثير من التساؤلات إلى الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، الذي قال إن حجم الدمار في لبنان يتجاوز صور الأبنية المنهارة التي طبعت مشهد الحرب، ووفق تقديراته، فقد دُمّرت نحو 50 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بنحو 100 ألف وحدة أخرى، تركز معظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع شرق البلاد.

ويشير شمس الدين إلى أن الدمار الكلي أو الجزئي طاول نحو 132 بلدة جنوبية، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب وفق تقديره، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 68 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة في الجنوب وحده، وعن أجزاء واسعة من نحو 30 بلدة باتت غير صالحة للسكن، مستنداً إلى المعطيات الميدانية والتواصل مع البلديات والصور التي توثق الأضرار، وفي تفصيل لتوزع الوحدات المدمرة كلياً، يقدّر عددها بنحو 22 ألفاً في قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل، و12 ألفاً في مناطق جنوبية أخرى، و9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1200 في البقاع، ويعطي هذا التوزيع مجموعاً يقارب 44 ألف وحدة، أما تقديره الأوسع البالغ نحو 50 ألفاً إلى 51 ألف وحدة، فيرتبط بنطاق رصد أوسع وبتحديث الأرقام، ولذلك يشدد على التعامل مع هذه الحصيلة كتقديرات قابلة للمراجعة مع استكمال المسوحات، لا كإحصاء نهائي.

وتقدم التقييمات الدولية المنشورة حتى عام 2026 مقياساً آخر، وهو عدد المباني لا الوحدات السكنية، ففي المنطقة التي يغطيها تقييم جنوب نهر الليطاني، سُجل تدمير كامل لـ11095 مبنى، وأضرار جزئية في 2242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9311 مبنى، مع تقدير الركام الناتج بنحو 3.1 مليون متر مكعب.

ويشمل نطاق هذا التقييم مناطق ضمن أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا الجنوبية، ولا يغطي كامل الأضرار في لبنان، ومن ثم لا يمكن وضع أرقام المباني هذه في مواجهة مباشرة مع تقديرات الوحدات السكنية على مستوى البلاد.

وتظهر الخريطة الميدانية تفاوتاً في حجم الدمار داخل الجنوب نفسه، فقد سجل قضاء بنت جبيل أعداداً مرتفعة من الأبنية المدمرة، وتعرضت ميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، وبرج الشمالي والناقورة في قضاء صور، لأضرار واسعة، ويشير شمس الدين أيضاً إلى تقدير سابق بأن مساحة الشريط الحدودي الذي طاوله الدمار تمتد على نحو 300 كيلومتر مربع، فيما فقدت أجزاء من بلدات عدة وظيفتها السكنية والتجارية.

وتساعد هذه الفوارق في فهم تباين أرقام الركام، فتقدير 3.1 مليون متر مكعب يتعلق بنطاق جنوبي محدد، بينما تتحدث تقديرات وطنية أوسع عن أكثر من 10 ملايين طن، ضمن المجال المتداول البالغ 10 إلى 14 مليون طن، والوحدتان مختلفتان أيضاً، فالمتر المكعب يقيس الحجم والطن يقيس الوزن، ولا تصح المقارنة المباشرة بينهما من دون تحديد كثافة الركام ومكوناته.

وبالنسبة إلى شمس الدين، فلا تكمن خطورة الدمار في رقم واحد، بل في اجتماع عشرات آلاف المساكن المتضررة مع اتساع رقعة البلدات المصابة، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض، وهذه الخريطة، الممتدة من الحدود الجنوبية إلى الضاحية والبقاع، تحدد حجم العمل الذي ينتظر لبنان، قبل أن تستعيد المناطق المدمرة قدرتها على السكن والحياة.

ثروة الركام

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن ملايين الأطنان من الركام التي خلّفتها الحرب يمكن أن تتحول من عبء بيئي ومالي إلى مورد لإعادة الإعمار، إذا خضعت للفرز والمعالجة وفق معايير واضحة، مشيراً إلى تقديرات تتراوح ما بين 10 و14 مليون طن، تتركز في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وتضم خرسانة وحجارة وحديداً يمكن استردادها بدلاً من الاكتفاء بنقلها إلى مواقع التخلص.

ويوضح عجاقة أن تكسير حطام الخرسانة يتيح إنتاج ركام معاد تدويره يصلح لطبقات تأسيس الطرق وأعمال الردم وبعض مشاريع تأهيل المحاجر، وقد يحل، بحسب تقديراته، محل 30 إلى 50 في المئة من الركام الطبيعي المستخدم في هذه الأعمال، مما يخفف الحاجة إلى استخراج مواد جديدة ونقلها، وكذلك يمكن فصل حديد التسليح باستخدام معدات مغناطيسية وإعادته لدورة الإنتاج، وهو ما يوافر مادة أولية محلية، ويحد من الحاجة إلى استيراد الصلب والطلب على الدولار.

ويقدّر عجاقة أن إعادة التدوير محلياً قد تخفض كلفة بعض المواد بنسبة تتراوح ما بين 25 و40 في المئة لكل متر مكعب مقارنة بالركام الطبيعي، لكن تحقيق هذا الوفر يتوقف على المسافة بين مواقع الدمار ومراكز المعالجة.

ويقول "إذا لم تتوافر مراكز إقليمية على مسافة تقارب 15 كيلومتراً، فقد تلتهم كلفة النقل والوقود القيمة السوقية للمواد المستخرجة"، ولذلك يقترح وحدات تكسير متنقلة قريبة من المناطق المتضررة، تقلل حركة الشاحنات وتتيح معالجة جزء من الركام قرب مصدره.

وتسبق الجدوى الاقتصادية، في رأيه، شروطُ السلامة، فقد يحوي ركام الحروب الأسبستوس والمعادن الثقيلة والغبار السام، فضلاً عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، ويستدعي ذلك فحص المواد الخطرة وعزلها قبل الفرز والتدوير، مما يرفع كلفة التشغيل ويجعل التمويل العام أو دعم الجهات المانحة ضرورياً في المراحل الأولى.

ويضيف عجاقة أن السوق اللبنانية تحتاج إلى معايير أكثر وضوحاً لاستخدام مواد البناء المعاد تدويرها، فالقانون رقم (80) لعام 2018، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لا يوفر، وفق قراءته، إطاراً عملياً كافياً يطمئن المهندسين والمقاولين إلى مواصفات هذه المواد واستخداماتها، وكذلك تعوق الأزمة المصرفية تمويل معدات التكسير والفرز والفصل المغناطيسي وضبط الغبار، ومن هنا يدعو عجاقة إلى أن يخلق القطاع العام طلباً أولياً، عبر استخدام الركام المعاد تدويره في مشاريع البنية التحتية، بالتوازي مع تخصيص تمويل دولي لعمليات المعالجة.

أما الخطر الذي يتجاوز الحسابات التقنية، فيرتبط بطريقة التعاقد، فالإزالة الطارئة قد تدفع نحو تلزيمات سريعة يصعب تتبع كمياتها وعائداتها، ولذلك يشدد عجاقة على نشر العقود وبيانات النقل والفرز والتدوير، باعتبارها شرطاً لمعرفة ما إذا كان الركام سيخفض فاتورة إعادة الإعمار، أم سيضيف إليها كلفة جديدة.

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment