على مشارف الانتقال من التوقيت الصيفي إلى الشتوي، يتأرجح لبنان بين توقيتين سياسيين. أحدهما تشتدّ فيه حرارة الضغوط الدولية لحسم الملفات السيادية، والآخر تسوده برودة الانتظار والتأجيل على إيقاع الحسابات والتجاذبات المحلية. وبين استعجال الخارج وعتمة الأزمات الكهربائية والمعيشية، تتباطأ عقارب السياسة اللبنانية نحو ساعة الحسم. وفي هذا المشهد، جاءت جولة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس على المسؤولين لتؤكد أن التوقيت الأوروبي مضبوط على حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، شددت كالاس على أن "الأمن في لبنان يجب أن يكون من صلاحية الحكومة"، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي لا يريد أن يرى فراغًا أمنيًّا في الجنوب. وأعلنت الاتفاق مع لبنان على إنشاء قوة أوروبية لا علاقة لها بالوضع في الجنوب، ولن تكون بديلا من "اليونيفيل". ورأت أن من مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يتمتع لبنان بالسيادة، مشيرة إلى أن لبنان اتخذ قرارات مهمة بعد سنوات من التوترات، وأن أوروبا تترقّب الآن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وحضرت هذه العناوين أيضًا في لقاءاتها مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس الحكومة نوّاف سلام. وأعربت كالاس من بعبدا عن استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم المساعدات اللازمة للجيش وقوى الأمن الداخلي والجهات المعنية بالشؤون الاجتماعية والإنسانية. من جهته، أشاد رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتوجّه لدى المجلس الأوروبي لإقرار إرسال بعثة مدنية - عسكرية إلى لبنان، في إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة (CSDP)، تتولّى مهمات تقديم المشورة والتدريب. وفي ما يتصل بحجم الدور الأوروبي، كانت "نداء الوطن" أشارت في عدد سابق، نقلا عن مصدر دبلوماسي، إلى أن "حجم المشاركة الأوروبية في أي قوة محتملة لمرحلة ما بعد اليونيفيل قد لا يتجاوز 200 عنصر، تنحصر مهماتهم في مساعدة وتدريب القوى الشرعية.
في خطوة تندرج ضمن استراتيجية الأمن البحري للدولة اللبنانية، زارت كالاس مرفأ بيروت، برفقة رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي الجنرال شون كلانسي، وبحضور سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دو وال، حيث اطّلعت على إجراءات الأمن والسلامة.
حراك أميركي موازٍ
بالتوازي مع الحراك الأوروبي، برز حضور أميركي تمثّل بزيارة السيناتور عن ولاية أوكلاهوما جيمس لانكفورد، الذي التقى رئيس الجمهورية بحضور السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. وخلال اللقاء، أكد عون أن "لبنان يضغط في مختلف الاتجاهات لوقف تدمير المنازل والأعيان في البلدات والقرى المحتلة، واستكمال إعادة الأسرى"، مشددًا على أن "إسرائيل تواصل أعمالها في القرى والبلدات الجنوبية التي لم تنسحب منها"، ومعتبرًا أن ذلك يشكّل انتهاكًا لمضمون "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
المفاوضات في "وقت بدل الضائع"
وفي الشقّ التفاوضي، علمت "نداء الوطن" أنّ بعبدا لم تتبلّغ، حتى ليل أمس، موعد المفاوضات المرتقبة، رغم تأكيد واشنطن انعقادها ومضيّها في وضع الاستعدادات اللازمة لها.
وفي هذا السياق، اعتبر مصدر أميركي أنّ المباحثات المستمرّة تندرج حاليًّا في خانة "وقت بدل الضائع"، بانتظار حسم الكباش العسكري مع إيران واتّضاح معالم المرحلة المقبلة. ووفق هذه القراءة، فإن إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة يتيح مواصلة البحث في الترتيبات الأمنية، ولو من دون تحقيق اختراق سياسي حاسم.
مجلس الوزراء: انفراجات واعتراضات
أما داخليًّا، فانتقلت الاهتمامات إلى قصر بعبدا، حيث عقد مجلس الوزراء أمس، جلسة برئاسة رئيس الجمهورية وحضور رئيس الحكومة، تناولت ملفات إدارية وإنمائية ومعيشية، في مقدّمها الكهرباء والنقل العام والتعيينات.
في مستهل جلسة مجلس الوزراء، دعا عون إلى التركيز على الإيجابيات في أداء الوزراء بدل الاكتفاء بتسليط الضوء على السلبيات، منوّهًا بالجهود المبذولة في عدد من الوزارات. غير أن الجلسة لم تخلُ من اعتراضات ومفارقات، سواء في ملف التعيينات أو في تقييم أداء بعض الوزراء.
وفي ملف الجامعة اللبنانية، مرّ قطوع تعيين البروفسور بسام بدران رئيسًا لها، رغم اعتراض وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، التي أبدت تحفّظات مهنية على القرار. وعلى الرغم من عدم موافقتها، مضى مجلس الوزراء في التعيين، فيما تشير المعلومات إلى أن استياء الوزيرة، على شدّته، لن يتطوّر إلى اعتكاف.
كما سُجّلت مفارقة خلال الجلسة، إذ أشاد الرئيس عون بوزير الصحة على إعادة هيكلة الوزارة، في حين لا يزال الأخير، بحسب المعلومات، يعرقل تعيين مجالس إدارة جديدة لعدد من المستشفيات الحكومية التي تعاني الشلل والتراجع. ويؤدي استمرار هذا الواقع إلى استنزاف خزينة الدولة ودفع المواطنين إلى اللجوء للمستشفيات الخاصة، بما يرتّب عليهم أعباء مالية باهظة.
في خطوة لمواكبة التطوّر التكنولوجي،
دعا عون مجلس النواب إلى إقرار قانون إنشاء "وزارة الذكاء الاصطناعي". غير أن المشروع يواجه، بحسب مصدر مطّلع لـ"نداء الوطن"، عراقيل يضعها نواب كتلة "الوفاء للمقاومة"، على هواجس أمنية تتمحور حول احتمال توسيع قدرة الدولة على جمع البيانات وتحليلها وربط قواعد المعلومات بين المؤسسات، فضلا عن إمكان استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير أدوات ترصد الأنماط المالية والاتصالات والأنشطة المشبوهة المرتبطة بـ"حزب الله".
أما في ملف الكهرباء، الأكثر سخونة، فبرزت مؤشرات إلى انفراج أزمة اعتكاف وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، إذ علمت "نداء الوطن" أن وساطة الرئيس عون أفضت إلى تأمين اعتمادات تتيح تسديد جزء من مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان المترتّبة على إدارات الدولة، بما يساعد على تمويل شراء الفيول وزيادة ساعات التغذية، ويمهّد لإنهاء أزمة الاعتكاف.
وفي موازاة هذا المسعى، كشف رئيس الحكومة عن توجّه لفتح اعتماد بقيمة 50 مليون دولار لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، تجنّبًا لانقطاع شامل للتيار الكهربائي. كما أشار إلى اقتراح قدّمه وزير المال لتوسيع برنامج القروض الميسّرة للطاقة الشمسية، على أن يُحال مشروع قانون إلى مجلس النواب لرصد اعتمادات إضافية لهذه القروض، خارج تلك الملحوظة في الموازنة.
وعلى المستوى الخدماتي، أعلن سلام تحديد 15 تشرين الثاني موعدًا لانطلاق أول رحلة تجارية من مطار القليعات، كاشفًا عن خطة شاملة يعدّها وزير الأشغال العامة والنقل لتعزيز النقل العام، تبدأ بشراء 250 باصًا جديدًا، على أن تُعرض تفاصيلها الأسبوع المقبل.










