🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

فعاليات اليوم الأول من منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 تنطلق في البحرين

✍️ مهند أنسي

انطلقت اليوم في مركز البحرين العالمي للمعارض فعاليات اليوم الأول من النسخة الرابعة من منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، الذي ينظمه مجلس التنمية الاقتصادية، بدعم من مصرف البحرين المركزي وصندوق العمل "تمكين" وهيئة البحرين للسياحة والمعارض وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية، فيما تتولى فوربس الشرق الأوسط إعداد برنامجه.

انطلقت اليوم في مركز البحرين العالمي للمعارض فعاليات اليوم الأول من النسخة الرابعة من منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، الذي ينظمه مجلس التنمية الاقتصادية، بدعم من مصرف البحرين المركزي وصندوق العمل "تمكين" وهيئة البحرين للسياحة والمعارض وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية، فيما تتولى فوربس الشرق الأوسط إعداد برنامجه.

وتحت شعار "التمويل في عصر البنية التحتية الذكية"، يجمع المنتدى، الذي يُعقد يومي 7 و8 أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 40 متحدثًا من البحرين والمنطقة والعالم، لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل مستقبل الخدمات المالية، وبحث فرص الاستثمار والشراكات الناشئة في قطاعي الخدمات المالية والتكنولوجيا بالمنطقة.

اقتصادات مرنة لمستقبل ذكي

استُهلت فعاليات اليوم الأول برؤية تضع الثقة والتنظيم والمرونة في صميم التحول نحو بنية مالية أكثر ذكاءً، إذ رسم معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني في مملكة البحرين، في كلمته الرئيسية الافتتاحية، ملامح المرحلة المقبلة للقطاع المالي، معتبرًا أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد مسارات منفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من منظومة مالية واحدة.

واستعاد الشيخ سلمان التحول الذي مر به القطاع المالي العالمي، من الاعتماد على الورق في تسجيل المعاملات، مرورًا بشبكات البيانات الضخمة والمعقدة، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء عنصرًا محوريًا في تصميم النظام المالي نفسه. وقال: "اليوم، أصبح القطاع المالي يعتمد على الذكاء، ومن يصمم هذا الذكاء سيشكل الحقبة المقبلة من التمويل. لذلك، علينا أن نصممه جيدًا؛ موثوقًا ومترابطًا ومرنًا منذ البداية".

وفي ظل هذا التحول، رأى أن السؤال لم يعد متعلقًا بما تستطيع التكنولوجيا تحقيقه فحسب، بل بنوعية المنظومة المالية التي ستختار المؤسسات والجهات التنظيمية بناءها، مضيفًا: "الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد قصصًا منفصلة، بل خيوطًا مختلفة في نسيج واحد. والسؤال أمامنا لم يعد: ما الذي يمكن تحقيقه؟ بل: ما الذي سنختار بناءه؟"

وفي قلب هذه المنظومة، وضع الشيخ سلمان الثقة باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستدامة الابتكار، مشددًا على أن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي يجب أن تقترن منذ البداية بالأمان والمساءلة. وقال: "إمكانات الذكاء الاصطناعي استثنائية، لكن علينا استخدامه بأمان وبناء المساءلة في صميم تصميمه. فالثقة هي العملة الحقيقية للتمويل الرقمي، والابتكار والنزاهة يسيران جنبًا إلى جنب في بنائها".

ومن الثقة انتقل إلى دور التنظيم في حماية هذه المعادلة من دون إبطاء الابتكار، محذرًا من أن القواعد شديدة الصرامة قد تخنق الأفكار قبل أن تتبلور، فيما قد يؤدي الإفراط في التساهل إلى تقويض الثقة التي تحتاج إليها تلك الأفكار كي تنمو.

وقال: "يجب أن يكون التنظيم واضحًا ومتناسبًا وقادرًا على التطور، وأن يختبر قبل أن يفرض، ويتعلم جنبًا إلى جنب مع القطاع. علينا تنظيم المخاطر، لا التكنولوجيا؛ فأفضل تنظيم هو مدرج للإقلاع، لا حاجز على الطريق، يمكّن الأفكار الجيدة من التحول إلى استثمارات ملموسة والانطلاق نحو التوسع".

ولم يحصر الشيخ سلمان تحديات البنية المالية الجديدة في التكنولوجيا والتنظيم، بل ربطها كذلك بقدرة القطاع على توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. وأشار إلى أنه قبل 15 عامًا كان أكثر قليلًا من نصف البالغين حول العالم يمتلكون حسابًا ماليًا، مقابل نحو 80% اليوم، إلا أن 1.3 مليار بالغ لا يزالون خارج النظام المالي، رغم امتلاك أكثر من 900 مليون منهم هواتف محمولة.

واختصر هذه المفارقة بقوله: "التكنولوجيا بين أيديهم، لكن الوصول إلى الخدمات المالية ليس كذلك"، معتبرًا أن معالجة فجوات من هذا النوع تتطلب جمع الجهات المعنية حول تحديات مشتركة، وتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لتوسيع الفرص بدلًا من أن تصبح غاية في حد ذاتها.

وفي هذا الإطار، أكد أهمية انفتاح البحرين على الأسواق والمراكز المالية العالمية، والعمل على تطوير معايير يمكن للآخرين البناء عليها والاتصال بها، قائلًا: "الأفكار تسافر إلى أبعد من الحدود، وكذلك ينبغي أن يكون طموحنا".

وإلى جانب الثقة والشمول، برزت المرونة باعتبارها الركيزة الثالثة في رؤيته للبنية المالية الذكية. فبدلًا من التعامل معها باعتبارها قدرة تظهر عند وقوع الأزمات، دعا إلى إدماجها في تصميم الأنظمة والمؤسسات مسبقًا. وقال: "المرونة لا نكتشفها عند وقوع الأزمة، بل يجب أن نبنيها قبل حدوثها".

وأوضح أن بناء نظام مالي قادر على الصمود يتجاوز تراكم رأس المال والاحتياطيات، على أهميتهما، ليشمل بنية تحتية قادرة على الاستمرار، وأنظمة أكثر تقدمًا لإدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال، إلى جانب مؤسسات تحافظ على الثقة التي تربط مختلف مكونات النظام المالي.

وأضاف: "دعونا لا نسعَ إلى إعادة البناء بصورة أقوى بعد الأزمة المقبلة، بل إلى أن نبني بقوة قبل وصولها"، ملخصًا بذلك مفهوم "المرونة بالتصميم" الذي شكل أحد المحاور الرئيسية لكلمته.

لكن اختبار هذه الرؤية، بحسب الشيخ سلمان، لا يكمن في حجم النقاشات التي يشهدها المنتدى، وإنما في قدرتها على التحول إلى تعاون واستثمارات وشراكات على أرض الواقع. وأشار إلى أن النسخة الماضية شهدت توقيع 38 مذكرة تفاهم واتفاقية وشراكة، فيما تستعد نسخة العام الجاري لتجاوز هذا الرقم.

وقال: "وراء كل واحدة منها مصافحة بدأت في قاعة مثل هذه، وهذا العام سيُعلن عن أكثر من 60 شراكة جديدة"، لتنتقل بذلك رسالة الافتتاح من رسم ملامح البنية المالية الذكية إلى السؤال الذي ستتناوله جلسات المنتدى التالية: كيف يمكن تحويل مبادئ الثقة والتنظيم والمرونة إلى بنية مالية قادرة على دعم الابتكار والنمو على نطاق أوسع؟

التكنولوجيا والتنظيم.. معادلة البحرين للنمو المالي

ومن الدعوة إلى بناء تنظيم يدعم الابتكار، انتقلت النقاشات إلى كيفية ترجمة هذه الرؤية عمليًا، إذ توقع سعادة السيد خالد إبراهيم حميدان، محافظ مصرف البحرين المركزي، إمكانية ارتفاع استثمارات المصرف في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة، في ظل توسع الاعتماد على الأدوات الرقمية في الرقابة وإدارة المخاطر.

وقال حميدان، خلال حوار جمعه مع سعادة السيدة نور بنت علي الخليف، وزيرة التنمية المستدامة والرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية في البحرين: "لن أستغرب أن ترتفع استثماراتنا في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة"، محددًا أولويات المصرف في الحفاظ على الثقة، والاستثمار في التكنولوجيا، وإدارة المخاطر النظامية.

ويرى حميدان أن الرقمنة تعيد صياغة العلاقة التقليدية بين الابتكار والاستقرار المالي، بدلًا من وضعهما في مواجهة بعضهما، مضيفًا: "نرى أن الرقمنة يمكن أن تحقق نموًا أكبر واستقرارًا أقوى في الوقت نفسه".

ويعتمد المصرف المركزي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الأنماط لتعزيز قدراته الرقابية واكتشاف المخاطر والاحتيال، فيما يتطلع حميدان إلى أن تتحول قوة الإطار الرقابي إلى عنصر جذب للسوق. وقال: "نريد أن يصبح الترخيص من مصرف البحرين المركزي علامة على الثقة والحماية، وقيمة إضافية للشركات التي تسعى إلى النمو وجذب المستثمرين".

ومن جانبها، ربطت الخليف جاذبية البحرين الاستثمارية بقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن، خصوصًا مع تسارع تطورات الذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية والمدفوعات. وقالت: "الاستقرار لا يعني إغلاق الباب أمام الابتكار"، مؤكدة أن القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا والتنظيم والمواهب لن تحدد مستقبل القطاع المالي فحسب، بل ستؤثر أيضًا في الاستثمارات والقطاعات التي تقود المرحلة المقبلة من النمو الاقتصادي.

وإلى جانب التنظيم، برزت المواهب ركيزةً أساسية في هذه المعادلة، إذ أشارت الخليف إلى أن البحرينيين يمثلون نحو 70% من العاملين في قطاع الخدمات المالية، بينما توقع حميدان أن يأتي جانب كبير من نمو الوظائف مستقبلًا من المهارات الرقمية.

وبالنظر إلى العقد المقبل، رجح حميدان أن يحافظ القطاع المالي على مساهمة تقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2036، ولكن ضمن اقتصاد أكبر حجمًا، قائلًا: "قد نحافظ على حصة تقارب 20% من الناتج المحلي، لكن الأهم أنها ستكون 20% من اقتصاد أكبر بكثير".

من منافسة البنوك إلى بناء البنية المالية الجديدة

ومع انتقال النقاش من كيفية تنظيم الابتكار إلى الجهات التي ستقود هذا الابتكار، برز تحول آخر في المشهد المالي: شركات التكنولوجيا المالية لم تعد مجرد منافس للبنوك، بل أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من البنية التحتية التي يقوم عليها القطاع، فيما تنتقل المنافسة إلى من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات وتجربة الاستخدام.

وقال عثمان أحمد، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك البحرين الوطني، إن النموذج المصرفي التقليدي أعيد تشكيله مع انفصال قنوات الوصول إلى العملاء تدريجيًا عن المنتجات والميزانيات العمومية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة لن تقوم على المفاضلة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية. وأضاف: "المستقبل ليس اختيارًا بين البنك التقليدي وشركة التكنولوجيا المالية، بل في القدرة على الجمع بين أفضل ما يقدمه الطرفان".

وأوضح أن البنوك لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها الثقة والعلاقة مع العملاء وقوة رأس المال والميزانيات، لكن الحفاظ على هذه الأفضلية يتطلب تطوير تجربة العميل والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات. وقال: "الأفضلية ستكون لمن يستطيع استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم العميل بصورة أعمق وتقديم تجربة أكثر تخصيصًا".

وفي المقابل، رأى الدكتور مارك غرويتر، الشريك والمدير الإداري لدى L.E.K.، أن شركات التكنولوجيا المالية نفسها تدخل مرحلة أكثر نضجًا، مع تراجع نموذج التوسع السريع بوصفه هدفًا في حد ذاته.

وقال: "نقترب من نهاية مرحلة كان فيها النمو هدفًا بأي ثمن. المرحلة المقبلة تحتاج إلى نماذج أعمال متكاملة ومتمايزة، قادرة على المنافسة في تجربة العميل والحجم والتكلفة والتمويل والمرونة التنظيمية".

وبحسب غرويتر، تتجه السوق نحو ثلاثة نماذج رئيسية تشمل منصات المستهلكين، ومزودي البنية التحتية، والمنظومات التي تجمع البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، في وقت تتحول فيه المنافسة من المنتجات نفسها إلى من يمتلك عناصر القوة الأساسية. وأضاف: "لم يعد السباق على المنتج أو الخدمة وحدهما، بل على من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات والبنية التحتية والميزانية العمومية".

أما أولوغبنغا "جي بي" أغبولا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Flutterwave، فوضع حركة الأموال عبر الحدود أمام اختبار أكثر بساطة: هل يمكن أن تصبح بسهولة حركة المعلومات نفسها؟

وقال: "العملاء لا يفكرون بالحدود، بل بما يريدون إنجازه. يمكنني إرسال رسالة عبر واتساب من هنا إلى شخص في المملكة المتحدة من دون أن تتوقف عند الحدود، فلماذا يجب أن تظل حركة الأموال مقيدة بها؟" معتبرًا أن التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية يمكن أن يجعل انتقال الأموال عبر الأسواق أكثر سلاسة وكفاءة.

وقد تحمل المرحلة التالية تحولًا أعمق مع الذكاء الاصطناعي، إذ توقع أغبولا أن يصبح الوكلاء الشخصيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي يدير بها الأفراد حياتهم المالية، من تحويل الأموال والمدفوعات إلى الاستثمار والادخار.

وقال: "قد تكون هذه هي الواجهة الجديدة للخدمات المالية؛ وكيل شخصي يدير معك أموالك ومدفوعاتك واستثماراتك ومدخراتك".

وبذلك، اختتمت الجلسات الصباحية من اليوم بتحول واضح في السؤال المطروح: بعد أن كان السباق يدور حول من يستطيع تغيير قواعد القطاع المالي، أصبح يدور بصورة متزايدة حول من سيبني بنيته التحتية، ويمتلك العلاقة مع العميل، ويحول التكنولوجيا إلى تجربة مالية متكاملة.

للمزيد من المعلومات حول منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 يرجى زيارة الموقع الالكتروني.

المصدر الأصلي

انطلقت اليوم في مركز البحرين العالمي للمعارض فعاليات اليوم الأول من النسخة الرابعة من منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، الذي ينظمه مجلس التنمية الاقتصادية، بدعم من مصرف البحرين المركزي وصندوق العمل "تمكين" وهيئة البحرين للسياحة والمعارض وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية، فيما تتولى فوربس الشرق الأوسط إعداد برنامجه.

وتحت شعار "التمويل في عصر البنية التحتية الذكية"، يجمع المنتدى، الذي يُعقد يومي 7 و8 أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 40 متحدثًا من البحرين والمنطقة والعالم، لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل مستقبل الخدمات المالية، وبحث فرص الاستثمار والشراكات الناشئة في قطاعي الخدمات المالية والتكنولوجيا بالمنطقة.

اقتصادات مرنة لمستقبل ذكي

استُهلت فعاليات اليوم الأول برؤية تضع الثقة والتنظيم والمرونة في صميم التحول نحو بنية مالية أكثر ذكاءً، إذ رسم معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني في مملكة البحرين، في كلمته الرئيسية الافتتاحية، ملامح المرحلة المقبلة للقطاع المالي، معتبرًا أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد مسارات منفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من منظومة مالية واحدة.

واستعاد الشيخ سلمان التحول الذي مر به القطاع المالي العالمي، من الاعتماد على الورق في تسجيل المعاملات، مرورًا بشبكات البيانات الضخمة والمعقدة، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء عنصرًا محوريًا في تصميم النظام المالي نفسه. وقال: "اليوم، أصبح القطاع المالي يعتمد على الذكاء، ومن يصمم هذا الذكاء سيشكل الحقبة المقبلة من التمويل. لذلك، علينا أن نصممه جيدًا؛ موثوقًا ومترابطًا ومرنًا منذ البداية".

وفي ظل هذا التحول، رأى أن السؤال لم يعد متعلقًا بما تستطيع التكنولوجيا تحقيقه فحسب، بل بنوعية المنظومة المالية التي ستختار المؤسسات والجهات التنظيمية بناءها، مضيفًا: "الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد قصصًا منفصلة، بل خيوطًا مختلفة في نسيج واحد. والسؤال أمامنا لم يعد: ما الذي يمكن تحقيقه؟ بل: ما الذي سنختار بناءه؟"

وفي قلب هذه المنظومة، وضع الشيخ سلمان الثقة باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستدامة الابتكار، مشددًا على أن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي يجب أن تقترن منذ البداية بالأمان والمساءلة. وقال: "إمكانات الذكاء الاصطناعي استثنائية، لكن علينا استخدامه بأمان وبناء المساءلة في صميم تصميمه. فالثقة هي العملة الحقيقية للتمويل الرقمي، والابتكار والنزاهة يسيران جنبًا إلى جنب في بنائها".

ومن الثقة انتقل إلى دور التنظيم في حماية هذه المعادلة من دون إبطاء الابتكار، محذرًا من أن القواعد شديدة الصرامة قد تخنق الأفكار قبل أن تتبلور، فيما قد يؤدي الإفراط في التساهل إلى تقويض الثقة التي تحتاج إليها تلك الأفكار كي تنمو.

وقال: "يجب أن يكون التنظيم واضحًا ومتناسبًا وقادرًا على التطور، وأن يختبر قبل أن يفرض، ويتعلم جنبًا إلى جنب مع القطاع. علينا تنظيم المخاطر، لا التكنولوجيا؛ فأفضل تنظيم هو مدرج للإقلاع، لا حاجز على الطريق، يمكّن الأفكار الجيدة من التحول إلى استثمارات ملموسة والانطلاق نحو التوسع".

ولم يحصر الشيخ سلمان تحديات البنية المالية الجديدة في التكنولوجيا والتنظيم، بل ربطها كذلك بقدرة القطاع على توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. وأشار إلى أنه قبل 15 عامًا كان أكثر قليلًا من نصف البالغين حول العالم يمتلكون حسابًا ماليًا، مقابل نحو 80% اليوم، إلا أن 1.3 مليار بالغ لا يزالون خارج النظام المالي، رغم امتلاك أكثر من 900 مليون منهم هواتف محمولة.

واختصر هذه المفارقة بقوله: "التكنولوجيا بين أيديهم، لكن الوصول إلى الخدمات المالية ليس كذلك"، معتبرًا أن معالجة فجوات من هذا النوع تتطلب جمع الجهات المعنية حول تحديات مشتركة، وتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لتوسيع الفرص بدلًا من أن تصبح غاية في حد ذاتها.

وفي هذا الإطار، أكد أهمية انفتاح البحرين على الأسواق والمراكز المالية العالمية، والعمل على تطوير معايير يمكن للآخرين البناء عليها والاتصال بها، قائلًا: "الأفكار تسافر إلى أبعد من الحدود، وكذلك ينبغي أن يكون طموحنا".

وإلى جانب الثقة والشمول، برزت المرونة باعتبارها الركيزة الثالثة في رؤيته للبنية المالية الذكية. فبدلًا من التعامل معها باعتبارها قدرة تظهر عند وقوع الأزمات، دعا إلى إدماجها في تصميم الأنظمة والمؤسسات مسبقًا. وقال: "المرونة لا نكتشفها عند وقوع الأزمة، بل يجب أن نبنيها قبل حدوثها".

وأوضح أن بناء نظام مالي قادر على الصمود يتجاوز تراكم رأس المال والاحتياطيات، على أهميتهما، ليشمل بنية تحتية قادرة على الاستمرار، وأنظمة أكثر تقدمًا لإدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال، إلى جانب مؤسسات تحافظ على الثقة التي تربط مختلف مكونات النظام المالي.

وأضاف: "دعونا لا نسعَ إلى إعادة البناء بصورة أقوى بعد الأزمة المقبلة، بل إلى أن نبني بقوة قبل وصولها"، ملخصًا بذلك مفهوم "المرونة بالتصميم" الذي شكل أحد المحاور الرئيسية لكلمته.

لكن اختبار هذه الرؤية، بحسب الشيخ سلمان، لا يكمن في حجم النقاشات التي يشهدها المنتدى، وإنما في قدرتها على التحول إلى تعاون واستثمارات وشراكات على أرض الواقع. وأشار إلى أن النسخة الماضية شهدت توقيع 38 مذكرة تفاهم واتفاقية وشراكة، فيما تستعد نسخة العام الجاري لتجاوز هذا الرقم.

وقال: "وراء كل واحدة منها مصافحة بدأت في قاعة مثل هذه، وهذا العام سيُعلن عن أكثر من 60 شراكة جديدة"، لتنتقل بذلك رسالة الافتتاح من رسم ملامح البنية المالية الذكية إلى السؤال الذي ستتناوله جلسات المنتدى التالية: كيف يمكن تحويل مبادئ الثقة والتنظيم والمرونة إلى بنية مالية قادرة على دعم الابتكار والنمو على نطاق أوسع؟

التكنولوجيا والتنظيم.. معادلة البحرين للنمو المالي

ومن الدعوة إلى بناء تنظيم يدعم الابتكار، انتقلت النقاشات إلى كيفية ترجمة هذه الرؤية عمليًا، إذ توقع سعادة السيد خالد إبراهيم حميدان، محافظ مصرف البحرين المركزي، إمكانية ارتفاع استثمارات المصرف في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة، في ظل توسع الاعتماد على الأدوات الرقمية في الرقابة وإدارة المخاطر.

وقال حميدان، خلال حوار جمعه مع سعادة السيدة نور بنت علي الخليف، وزيرة التنمية المستدامة والرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية في البحرين: "لن أستغرب أن ترتفع استثماراتنا في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة"، محددًا أولويات المصرف في الحفاظ على الثقة، والاستثمار في التكنولوجيا، وإدارة المخاطر النظامية.

ويرى حميدان أن الرقمنة تعيد صياغة العلاقة التقليدية بين الابتكار والاستقرار المالي، بدلًا من وضعهما في مواجهة بعضهما، مضيفًا: "نرى أن الرقمنة يمكن أن تحقق نموًا أكبر واستقرارًا أقوى في الوقت نفسه".

ويعتمد المصرف المركزي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الأنماط لتعزيز قدراته الرقابية واكتشاف المخاطر والاحتيال، فيما يتطلع حميدان إلى أن تتحول قوة الإطار الرقابي إلى عنصر جذب للسوق. وقال: "نريد أن يصبح الترخيص من مصرف البحرين المركزي علامة على الثقة والحماية، وقيمة إضافية للشركات التي تسعى إلى النمو وجذب المستثمرين".

ومن جانبها، ربطت الخليف جاذبية البحرين الاستثمارية بقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن، خصوصًا مع تسارع تطورات الذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية والمدفوعات. وقالت: "الاستقرار لا يعني إغلاق الباب أمام الابتكار"، مؤكدة أن القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا والتنظيم والمواهب لن تحدد مستقبل القطاع المالي فحسب، بل ستؤثر أيضًا في الاستثمارات والقطاعات التي تقود المرحلة المقبلة من النمو الاقتصادي.

وإلى جانب التنظيم، برزت المواهب ركيزةً أساسية في هذه المعادلة، إذ أشارت الخليف إلى أن البحرينيين يمثلون نحو 70% من العاملين في قطاع الخدمات المالية، بينما توقع حميدان أن يأتي جانب كبير من نمو الوظائف مستقبلًا من المهارات الرقمية.

وبالنظر إلى العقد المقبل، رجح حميدان أن يحافظ القطاع المالي على مساهمة تقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2036، ولكن ضمن اقتصاد أكبر حجمًا، قائلًا: "قد نحافظ على حصة تقارب 20% من الناتج المحلي، لكن الأهم أنها ستكون 20% من اقتصاد أكبر بكثير".

من منافسة البنوك إلى بناء البنية المالية الجديدة

ومع انتقال النقاش من كيفية تنظيم الابتكار إلى الجهات التي ستقود هذا الابتكار، برز تحول آخر في المشهد المالي: شركات التكنولوجيا المالية لم تعد مجرد منافس للبنوك، بل أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من البنية التحتية التي يقوم عليها القطاع، فيما تنتقل المنافسة إلى من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات وتجربة الاستخدام.

وقال عثمان أحمد، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك البحرين الوطني، إن النموذج المصرفي التقليدي أعيد تشكيله مع انفصال قنوات الوصول إلى العملاء تدريجيًا عن المنتجات والميزانيات العمومية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة لن تقوم على المفاضلة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية. وأضاف: "المستقبل ليس اختيارًا بين البنك التقليدي وشركة التكنولوجيا المالية، بل في القدرة على الجمع بين أفضل ما يقدمه الطرفان".

وأوضح أن البنوك لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها الثقة والعلاقة مع العملاء وقوة رأس المال والميزانيات، لكن الحفاظ على هذه الأفضلية يتطلب تطوير تجربة العميل والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات. وقال: "الأفضلية ستكون لمن يستطيع استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم العميل بصورة أعمق وتقديم تجربة أكثر تخصيصًا".

وفي المقابل، رأى الدكتور مارك غرويتر، الشريك والمدير الإداري لدى L.E.K.، أن شركات التكنولوجيا المالية نفسها تدخل مرحلة أكثر نضجًا، مع تراجع نموذج التوسع السريع بوصفه هدفًا في حد ذاته.

وقال: "نقترب من نهاية مرحلة كان فيها النمو هدفًا بأي ثمن. المرحلة المقبلة تحتاج إلى نماذج أعمال متكاملة ومتمايزة، قادرة على المنافسة في تجربة العميل والحجم والتكلفة والتمويل والمرونة التنظيمية".

وبحسب غرويتر، تتجه السوق نحو ثلاثة نماذج رئيسية تشمل منصات المستهلكين، ومزودي البنية التحتية، والمنظومات التي تجمع البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، في وقت تتحول فيه المنافسة من المنتجات نفسها إلى من يمتلك عناصر القوة الأساسية. وأضاف: "لم يعد السباق على المنتج أو الخدمة وحدهما، بل على من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات والبنية التحتية والميزانية العمومية".

أما أولوغبنغا "جي بي" أغبولا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Flutterwave، فوضع حركة الأموال عبر الحدود أمام اختبار أكثر بساطة: هل يمكن أن تصبح بسهولة حركة المعلومات نفسها؟

وقال: "العملاء لا يفكرون بالحدود، بل بما يريدون إنجازه. يمكنني إرسال رسالة عبر واتساب من هنا إلى شخص في المملكة المتحدة من دون أن تتوقف عند الحدود، فلماذا يجب أن تظل حركة الأموال مقيدة بها؟" معتبرًا أن التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية يمكن أن يجعل انتقال الأموال عبر الأسواق أكثر سلاسة وكفاءة.

وقد تحمل المرحلة التالية تحولًا أعمق مع الذكاء الاصطناعي، إذ توقع أغبولا أن يصبح الوكلاء الشخصيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي يدير بها الأفراد حياتهم المالية، من تحويل الأموال والمدفوعات إلى الاستثمار والادخار.

وقال: "قد تكون هذه هي الواجهة الجديدة للخدمات المالية؛ وكيل شخصي يدير معك أموالك ومدفوعاتك واستثماراتك ومدخراتك".

وبذلك، اختتمت الجلسات الصباحية من اليوم بتحول واضح في السؤال المطروح: بعد أن كان السباق يدور حول من يستطيع تغيير قواعد القطاع المالي، أصبح يدور بصورة متزايدة حول من سيبني بنيته التحتية، ويمتلك العلاقة مع العميل، ويحول التكنولوجيا إلى تجربة مالية متكاملة.

للمزيد من المعلومات حول منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 يرجى زيارة الموقع الالكتروني.

المصدر الأصلي

انطلقت اليوم في مركز البحرين العالمي للمعارض فعاليات اليوم الأول من النسخة الرابعة من منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، الذي ينظمه مجلس التنمية الاقتصادية، بدعم من مصرف البحرين المركزي وصندوق العمل "تمكين" وهيئة البحرين للسياحة والمعارض وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية، فيما تتولى فوربس الشرق الأوسط إعداد برنامجه.

وتحت شعار "التمويل في عصر البنية التحتية الذكية"، يجمع المنتدى، الذي يُعقد يومي 7 و8 أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 40 متحدثًا من البحرين والمنطقة والعالم، لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل مستقبل الخدمات المالية، وبحث فرص الاستثمار والشراكات الناشئة في قطاعي الخدمات المالية والتكنولوجيا بالمنطقة.

اقتصادات مرنة لمستقبل ذكي

استُهلت فعاليات اليوم الأول برؤية تضع الثقة والتنظيم والمرونة في صميم التحول نحو بنية مالية أكثر ذكاءً، إذ رسم معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني في مملكة البحرين، في كلمته الرئيسية الافتتاحية، ملامح المرحلة المقبلة للقطاع المالي، معتبرًا أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد مسارات منفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من منظومة مالية واحدة.

واستعاد الشيخ سلمان التحول الذي مر به القطاع المالي العالمي، من الاعتماد على الورق في تسجيل المعاملات، مرورًا بشبكات البيانات الضخمة والمعقدة، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء عنصرًا محوريًا في تصميم النظام المالي نفسه. وقال: "اليوم، أصبح القطاع المالي يعتمد على الذكاء، ومن يصمم هذا الذكاء سيشكل الحقبة المقبلة من التمويل. لذلك، علينا أن نصممه جيدًا؛ موثوقًا ومترابطًا ومرنًا منذ البداية".

وفي ظل هذا التحول، رأى أن السؤال لم يعد متعلقًا بما تستطيع التكنولوجيا تحقيقه فحسب، بل بنوعية المنظومة المالية التي ستختار المؤسسات والجهات التنظيمية بناءها، مضيفًا: "الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد قصصًا منفصلة، بل خيوطًا مختلفة في نسيج واحد. والسؤال أمامنا لم يعد: ما الذي يمكن تحقيقه؟ بل: ما الذي سنختار بناءه؟"

وفي قلب هذه المنظومة، وضع الشيخ سلمان الثقة باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستدامة الابتكار، مشددًا على أن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي يجب أن تقترن منذ البداية بالأمان والمساءلة. وقال: "إمكانات الذكاء الاصطناعي استثنائية، لكن علينا استخدامه بأمان وبناء المساءلة في صميم تصميمه. فالثقة هي العملة الحقيقية للتمويل الرقمي، والابتكار والنزاهة يسيران جنبًا إلى جنب في بنائها".

ومن الثقة انتقل إلى دور التنظيم في حماية هذه المعادلة من دون إبطاء الابتكار، محذرًا من أن القواعد شديدة الصرامة قد تخنق الأفكار قبل أن تتبلور، فيما قد يؤدي الإفراط في التساهل إلى تقويض الثقة التي تحتاج إليها تلك الأفكار كي تنمو.

وقال: "يجب أن يكون التنظيم واضحًا ومتناسبًا وقادرًا على التطور، وأن يختبر قبل أن يفرض، ويتعلم جنبًا إلى جنب مع القطاع. علينا تنظيم المخاطر، لا التكنولوجيا؛ فأفضل تنظيم هو مدرج للإقلاع، لا حاجز على الطريق، يمكّن الأفكار الجيدة من التحول إلى استثمارات ملموسة والانطلاق نحو التوسع".

ولم يحصر الشيخ سلمان تحديات البنية المالية الجديدة في التكنولوجيا والتنظيم، بل ربطها كذلك بقدرة القطاع على توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. وأشار إلى أنه قبل 15 عامًا كان أكثر قليلًا من نصف البالغين حول العالم يمتلكون حسابًا ماليًا، مقابل نحو 80% اليوم، إلا أن 1.3 مليار بالغ لا يزالون خارج النظام المالي، رغم امتلاك أكثر من 900 مليون منهم هواتف محمولة.

واختصر هذه المفارقة بقوله: "التكنولوجيا بين أيديهم، لكن الوصول إلى الخدمات المالية ليس كذلك"، معتبرًا أن معالجة فجوات من هذا النوع تتطلب جمع الجهات المعنية حول تحديات مشتركة، وتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لتوسيع الفرص بدلًا من أن تصبح غاية في حد ذاتها.

وفي هذا الإطار، أكد أهمية انفتاح البحرين على الأسواق والمراكز المالية العالمية، والعمل على تطوير معايير يمكن للآخرين البناء عليها والاتصال بها، قائلًا: "الأفكار تسافر إلى أبعد من الحدود، وكذلك ينبغي أن يكون طموحنا".

وإلى جانب الثقة والشمول، برزت المرونة باعتبارها الركيزة الثالثة في رؤيته للبنية المالية الذكية. فبدلًا من التعامل معها باعتبارها قدرة تظهر عند وقوع الأزمات، دعا إلى إدماجها في تصميم الأنظمة والمؤسسات مسبقًا. وقال: "المرونة لا نكتشفها عند وقوع الأزمة، بل يجب أن نبنيها قبل حدوثها".

وأوضح أن بناء نظام مالي قادر على الصمود يتجاوز تراكم رأس المال والاحتياطيات، على أهميتهما، ليشمل بنية تحتية قادرة على الاستمرار، وأنظمة أكثر تقدمًا لإدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال، إلى جانب مؤسسات تحافظ على الثقة التي تربط مختلف مكونات النظام المالي.

وأضاف: "دعونا لا نسعَ إلى إعادة البناء بصورة أقوى بعد الأزمة المقبلة، بل إلى أن نبني بقوة قبل وصولها"، ملخصًا بذلك مفهوم "المرونة بالتصميم" الذي شكل أحد المحاور الرئيسية لكلمته.

لكن اختبار هذه الرؤية، بحسب الشيخ سلمان، لا يكمن في حجم النقاشات التي يشهدها المنتدى، وإنما في قدرتها على التحول إلى تعاون واستثمارات وشراكات على أرض الواقع. وأشار إلى أن النسخة الماضية شهدت توقيع 38 مذكرة تفاهم واتفاقية وشراكة، فيما تستعد نسخة العام الجاري لتجاوز هذا الرقم.

وقال: "وراء كل واحدة منها مصافحة بدأت في قاعة مثل هذه، وهذا العام سيُعلن عن أكثر من 60 شراكة جديدة"، لتنتقل بذلك رسالة الافتتاح من رسم ملامح البنية المالية الذكية إلى السؤال الذي ستتناوله جلسات المنتدى التالية: كيف يمكن تحويل مبادئ الثقة والتنظيم والمرونة إلى بنية مالية قادرة على دعم الابتكار والنمو على نطاق أوسع؟

التكنولوجيا والتنظيم.. معادلة البحرين للنمو المالي

ومن الدعوة إلى بناء تنظيم يدعم الابتكار، انتقلت النقاشات إلى كيفية ترجمة هذه الرؤية عمليًا، إذ توقع سعادة السيد خالد إبراهيم حميدان، محافظ مصرف البحرين المركزي، إمكانية ارتفاع استثمارات المصرف في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة، في ظل توسع الاعتماد على الأدوات الرقمية في الرقابة وإدارة المخاطر.

وقال حميدان، خلال حوار جمعه مع سعادة السيدة نور بنت علي الخليف، وزيرة التنمية المستدامة والرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية في البحرين: "لن أستغرب أن ترتفع استثماراتنا في التكنولوجيا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة"، محددًا أولويات المصرف في الحفاظ على الثقة، والاستثمار في التكنولوجيا، وإدارة المخاطر النظامية.

ويرى حميدان أن الرقمنة تعيد صياغة العلاقة التقليدية بين الابتكار والاستقرار المالي، بدلًا من وضعهما في مواجهة بعضهما، مضيفًا: "نرى أن الرقمنة يمكن أن تحقق نموًا أكبر واستقرارًا أقوى في الوقت نفسه".

ويعتمد المصرف المركزي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الأنماط لتعزيز قدراته الرقابية واكتشاف المخاطر والاحتيال، فيما يتطلع حميدان إلى أن تتحول قوة الإطار الرقابي إلى عنصر جذب للسوق. وقال: "نريد أن يصبح الترخيص من مصرف البحرين المركزي علامة على الثقة والحماية، وقيمة إضافية للشركات التي تسعى إلى النمو وجذب المستثمرين".

ومن جانبها، ربطت الخليف جاذبية البحرين الاستثمارية بقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن، خصوصًا مع تسارع تطورات الذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية والمدفوعات. وقالت: "الاستقرار لا يعني إغلاق الباب أمام الابتكار"، مؤكدة أن القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا والتنظيم والمواهب لن تحدد مستقبل القطاع المالي فحسب، بل ستؤثر أيضًا في الاستثمارات والقطاعات التي تقود المرحلة المقبلة من النمو الاقتصادي.

وإلى جانب التنظيم، برزت المواهب ركيزةً أساسية في هذه المعادلة، إذ أشارت الخليف إلى أن البحرينيين يمثلون نحو 70% من العاملين في قطاع الخدمات المالية، بينما توقع حميدان أن يأتي جانب كبير من نمو الوظائف مستقبلًا من المهارات الرقمية.

وبالنظر إلى العقد المقبل، رجح حميدان أن يحافظ القطاع المالي على مساهمة تقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2036، ولكن ضمن اقتصاد أكبر حجمًا، قائلًا: "قد نحافظ على حصة تقارب 20% من الناتج المحلي، لكن الأهم أنها ستكون 20% من اقتصاد أكبر بكثير".

من منافسة البنوك إلى بناء البنية المالية الجديدة

ومع انتقال النقاش من كيفية تنظيم الابتكار إلى الجهات التي ستقود هذا الابتكار، برز تحول آخر في المشهد المالي: شركات التكنولوجيا المالية لم تعد مجرد منافس للبنوك، بل أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من البنية التحتية التي يقوم عليها القطاع، فيما تنتقل المنافسة إلى من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات وتجربة الاستخدام.

وقال عثمان أحمد، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك البحرين الوطني، إن النموذج المصرفي التقليدي أعيد تشكيله مع انفصال قنوات الوصول إلى العملاء تدريجيًا عن المنتجات والميزانيات العمومية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة لن تقوم على المفاضلة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية. وأضاف: "المستقبل ليس اختيارًا بين البنك التقليدي وشركة التكنولوجيا المالية، بل في القدرة على الجمع بين أفضل ما يقدمه الطرفان".

وأوضح أن البنوك لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها الثقة والعلاقة مع العملاء وقوة رأس المال والميزانيات، لكن الحفاظ على هذه الأفضلية يتطلب تطوير تجربة العميل والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات. وقال: "الأفضلية ستكون لمن يستطيع استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم العميل بصورة أعمق وتقديم تجربة أكثر تخصيصًا".

وفي المقابل، رأى الدكتور مارك غرويتر، الشريك والمدير الإداري لدى L.E.K.، أن شركات التكنولوجيا المالية نفسها تدخل مرحلة أكثر نضجًا، مع تراجع نموذج التوسع السريع بوصفه هدفًا في حد ذاته.

وقال: "نقترب من نهاية مرحلة كان فيها النمو هدفًا بأي ثمن. المرحلة المقبلة تحتاج إلى نماذج أعمال متكاملة ومتمايزة، قادرة على المنافسة في تجربة العميل والحجم والتكلفة والتمويل والمرونة التنظيمية".

وبحسب غرويتر، تتجه السوق نحو ثلاثة نماذج رئيسية تشمل منصات المستهلكين، ومزودي البنية التحتية، والمنظومات التي تجمع البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، في وقت تتحول فيه المنافسة من المنتجات نفسها إلى من يمتلك عناصر القوة الأساسية. وأضاف: "لم يعد السباق على المنتج أو الخدمة وحدهما، بل على من يمتلك العلاقة مع العميل والبيانات والبنية التحتية والميزانية العمومية".

أما أولوغبنغا "جي بي" أغبولا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Flutterwave، فوضع حركة الأموال عبر الحدود أمام اختبار أكثر بساطة: هل يمكن أن تصبح بسهولة حركة المعلومات نفسها؟

وقال: "العملاء لا يفكرون بالحدود، بل بما يريدون إنجازه. يمكنني إرسال رسالة عبر واتساب من هنا إلى شخص في المملكة المتحدة من دون أن تتوقف عند الحدود، فلماذا يجب أن تظل حركة الأموال مقيدة بها؟" معتبرًا أن التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية يمكن أن يجعل انتقال الأموال عبر الأسواق أكثر سلاسة وكفاءة.

وقد تحمل المرحلة التالية تحولًا أعمق مع الذكاء الاصطناعي، إذ توقع أغبولا أن يصبح الوكلاء الشخصيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي يدير بها الأفراد حياتهم المالية، من تحويل الأموال والمدفوعات إلى الاستثمار والادخار.

وقال: "قد تكون هذه هي الواجهة الجديدة للخدمات المالية؛ وكيل شخصي يدير معك أموالك ومدفوعاتك واستثماراتك ومدخراتك".

وبذلك، اختتمت الجلسات الصباحية من اليوم بتحول واضح في السؤال المطروح: بعد أن كان السباق يدور حول من يستطيع تغيير قواعد القطاع المالي، أصبح يدور بصورة متزايدة حول من سيبني بنيته التحتية، ويمتلك العلاقة مع العميل، ويحول التكنولوجيا إلى تجربة مالية متكاملة.

للمزيد من المعلومات حول منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 يرجى زيارة الموقع الالكتروني.

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment