ضمن مسلسل القضم الإستراتيجي لخطوط دفاع حزب الله ومواقعه الحاكمة، وهو ما يجعل جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في الأسبوع الثالث من أكتوبر في تامبا - فلوريدا،دخل لبنان وضعيةَ انتظارٍ ثقيل لما سترسو عليه جبهة إيران وأخواتها خلال أسابيع وربما أيام قليلة تبدو حَبْلى بمؤشراتٍ خطيرة إلى أن المنطقة تستعدّ لكل السيناريوهات التي تتقاطع على أن أي انفراجٍ أو انفجار هذه المرة لابد أن يكون جذرياً، ونهائياً في نتائجه.
ويَخشى لبنان الذي يَحمل بين يديه قنبلةً موقوتةً اسمها سلاح «حزب الله» - وتملك إيران وحدها زرَّ تفجيرها - ألّا يكون قادراً على تشكيل «مانعة صواعق» تحول دون إقحام البلاد في اعصار نار جديد سيكون واقعياً امتداداً لحربيْ 2023 - 2024 و2026 وستنطلق فيه إسرائيل من حيث أنهت مواجهةَ مارس أبريل الماضييْن، أي من الحافة الأمامية للمنطقة الأمنية في الجنوب والتي تصل في بعض أعماقها إلى 10 كيلومترات، وتتيح لتل أبيب توغلاتٍ نحو بلدات ومدن لم يسبق أن دخلتها منذ اجتياح 1982.
وأكثر ما يبدو لبنان الرسمي حريصاً عليه، وفق أوساط سياسية، هو حفْظ بعض الخطوط الحمر في أي حرب جديدة يَقتاد «حزب الله» البلاد إليها لمصلحة إيران، بعدما حَذَّرت الدولةُ وحُذِّرت وعلى طريقة «اللهم أشهد أني بلّغت» من تكرار مغامراتٍ عسكرية لن تجلب سوى المزيد من التدمير والترميد، ونَصَحت ونُصِحت بتنفيذ قراراتِ حصر السلاح بيدها لسدّ أبواب الريح الساخنة المحتمَلة.
والدولةُ اللبنانية، العالقة على خلفية ملف السلاح بين احتماليْن أحلاهما مُر هما حرب إسرائيلية تذهب أبعد من نسختيْ 2024 و 2026 وصِدام داخلي يَصعب تقدير مداه، تُعَوِّلُ على أن تكون ديبلوماسية المفاوضات المباشرة التي انخرطتْ فيها مع تل أبيب بمثابة «بوليصة تأمين» تحدّ ما أمكن من تشظيات أي زجٍ جديد للوطن الصغير في فوهة البركان، وتحمي الحد الأدنى من مقوّمات النهوض من تحت الركام وتمنع تَحَوُّل البلاد برمّتها كومة نار ودمار.
كما أن المفاوضات المباشرة باتت بمثابة «جدار الفصل» الديبلوماسي - السياسي بين جبهة لبنان وجبهة إيران، في حال أفضتْ النافذةُ الضيّقة التي مازالت مفتوحةً أمام طهران إلى تَفاهُم الأخيرة مع واشنطن، خصوصاً بعدما كانت الجمهوريةُ الإسلاميةُ أمعنتْ في تظهير رغبتها في التحكم والسيطرة على المسار الناظم لوقف الحرب في لبنان عبر عملية «ضمٍّ دبلوماسي» عنوةً لملفّه إلى طاولتها مع الولايات المتحدة، وهو ما سارعت بيروت لإحباطه بالتعاون مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، وصولاً إلى استيلاد الاتفاق الاطار الثلاثي (26 يونيو) الذي صار الناظر «نظرياً» لسحْب السلاح - في المبادئ التنفيذية وإن المعلّقة التطبيق - كما لليوم التالي لسكوت المدفع على مختلف المستويات.
ولم تَعُدْ دوائر سياسية تُخْفي قلقَها من أن لبنان الذي يعيش منذ أشهر مرحلةً من التصعيد المخفوض والمحصور جنوباً - بعدما فرض الاتفاق الإطار ومقتضيات إدارة ترامب جبهة إيران انحسار الضربات الإسرائيلية - بات أمام ما يشبه ستاتيكو ما قبل الانفلات الكبير، وسط اعتقادٍ بأن إشارات انكفاء حزب الله عسكرياً أمام إسرائيل كما حصل في تلة علي الطاهر أخيراً، وأيضاً سلوكه التراجعي السياسي داخلياً بوجه السلطة واكتفاؤه بتسجيل مواقفه ضدها ما هو إلا «انحناء أمام العاصفة الصغرى» وتقنين في استخدام ما بقي من احتياطي إستراتيجي عسكري له تَحَسُّباً للعاصفة الكبرى إذا هبّت ضد إيران.
وتسود في الكواليس أجواء أن حزب الله الذي يأخذ على الدولة عدم تَمَكُّنها من وقف اعتداءات إسرائيل جنوباً وفي الوقت نفسه يمتنع عن أي ردّ عليها وينسحب أمام جيشها تحت عنوان «ليست المحافظة على المكان هي الأساس» (كما قال الشيخ نعيم قاسم في آخِر إطلالة له) صار أمام واقعين متشابكين:
- تآكُل قدراته العسكرية، وهو ما يعبّر عنه محو إنجاز تحرير العام 2000 بحيث أن تل أبيب تحتلّ حالياً أكثر من 700 كيلومتر مربع من الجنوب.
- وأولوية تفادي استدراج إسرائيل إلى مواجهةٍ معه، قبل اتضاح أفق جبهة إيران، هو الذي يدرك أن أي حربٍ جديدة لن تُنْهيها إسرائيل قبل أن تنجز المهمة لمرة واحدة وأخيرة.
ومن هنا تبدو الأسابيع الثلاثة الفاصلة عن انتخابات الكنيست الإسرائيلي وبعدها الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، محفوفةً بمخاطر عالية ومخاوف من مفاجآتٍ عسكرية على الجبهة الأمّ إيران تلوح من خلف مؤشراتٍ متدحْرجة إلى أن المسرحَ يتم تجهيزه لشيء ما كبير إذا لم تسلّم إيران بشروط واشنطن في مقترح الحل، من دون أن تكون ساعة الصفر مربوطة بالضرورة بصناديق الاقتراع.
ولا تقلّ خطورةً المخاوف من أن يستبق بنيامين نتنياهو انتخاباته بتوسيع رقعة التصعيد في جنوب لبنان ضمن مسلسل القضم الإستراتيجي لخطوط دفاع حزب الله ومواقعه الحاكمة، وهو ما يجعل جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في الأسبوع الثالث من أكتوبر في تامبا - فلوريدا على المستوى العسكري ذات أهمية بالغة في تثبيت خطوط التواصل في مقابل خطوط التماس التي تزداد السخونة والضغط عليها، وتالياً محاولة الإبقاء على بعض «حلقات الأمان» للدولة وبناها التحتية ولِما أمكن من المناطق اللبنانية، في حال سادت لغة القنابل مجدداً و... لعْنتها.













