🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut
🌤️ Beirut
Home
🌤️ Beirut

الرفاعي: التعدي على الشؤون التشريعية والتنفيذية الخاصة بالمؤسسة الدينية يُعد خطًّا أحمر

✍️ الوكالة الوطنية للإعلام

وطنية- بعلبك- أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، إلى أنّ "من أعظم أزمات مجتمعاتنا أن تتحول الوظيفة العامة من مسؤول

وطنية- بعلبك- أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، إلى أنّ "من أعظم أزمات مجتمعاتنا أن تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة الناس إلى مجال للتنافس على النفوذ والحصص، وأن تتقدم العلاقات والمحسوبيات على الكفاءة والاستحقاق؛ فالدولة العادلة لا تميز بين مواطنيها بسبب مناطقهم أو انتماءاتهم، ولا تستبدل شبكة نفوذ بأخرى، بل تفتح أبوابها أمام أصحاب العلم والخبرة والنزاهة، وتجعل القانون مرجعًا للجميع، والمصلحة العامة غايتها، والمساءلة ضمانة لحسن أدائها".

واعتبر ان "إصلاح الإدارة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتغيير القواعد التي تحكم اختيارهم وتقييم أعمالهم. فالمناصب العليا ليست مكافآت سياسية، والوظائف ليست غنائم تتقاسمها القوى النافذة، وإنما أمانات تتطلب المعرفة والخبرة والقدرة على التخطيط وإدارة الأزمات. وحين تصبح الكفاءة معيارًا ثابتًا، تتكامل طاقات المناطق والفئات المختلفة في خدمة الوطن، وتتحول الدولة من ساحة للتنافس على المكاسب إلى مؤسسة تصنع الفرص وتحفظ الحقوق".

وقال: "في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر، تتعاظم المخاوف من اتساع الصراعات وتحولها إلى مواجهة دولية شاملة. للأسف الحرب العالمية الثالثة تظل سيناريو ممكنًا إذا عجزت القوى الكبرى عن بناء آليات فاعلة لإدارة الصراعات. وليس المقصود أن الحرب حتمية، بل أن تراجع الحوار والضوابط الدولية، وتراكم الأزمات، وسوء تقدير العواقب، عوامل تجعل العالم أكثر عرضة لمخاطر يصعب احتواؤها".

وأضاف: "إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم قرارات الحرب هو تقدير عواقبها على الشعوب والمنطقة، واستنفاد فرص التسوية الممكنة، وعدم التعامل مع مصائر الدول كأنها رهانات سياسية. فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تفتح أبوابًا من الفوضى يصعب إغلاقها".

وأردف: "مع حلول الذكرى السنوية الثالثة للسابع من أكتوبر 2023، نقف أمام محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، بما أطلقته من حرب مدمرة على غزة، وما كشفته من عمق المأساة الإنسانية وعجز المجتمع الدولي عن ضمان حماية المدنيين ووقف المعاناة. إنها ذكرى تستدعي قراءة واعية للأحداث ونتائجها، وتذكّرنا بأن فلسطين ليست خبرًا عابرًا ولا قضية يمكن أن تطويها التحولات الدولية، بل قضية شعب له حقوقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير".

وتابع: "في هذه الذكرى، لا يجوز أن تحجب الحسابات السياسية حجم الكارثة التي عاشها أهل غزة؛ من القتل والجرح والنزوح إلى تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس ومقومات الحياة. كما لا يجوز أن تصبح آلام المدنيين أرقامًا تتكرر حتى تفقد أثرها في الضمير الإنساني. إن نصرة فلسطين مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة، تتجلى في إغاثة المنكوبين، وإسناد صمودهم، والدفاع عن حقوقهم، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، بعيدًا عن استهداف المدنيين أو تبرير معاناتهم أيًّا كانت هوياتهم".

ورأى ان "ما يجري في فلسطين والمنطقة يدعونا أيضًا إلى مساءلة واقعنا العربي والإسلامي: لماذا تتكرر الأزمات بينما تتراجع قدرتنا على بناء الاقتصاد وإنتاج المعرفة وتطوير الصناعة؟ ولماذا تتسع هجرة الكفاءات، وتضيق أمام الشباب فرص العمل والمشاركة وصناعة المستقبل؟ ولماذا تعاني مؤسسات كثيرة من الفساد وضعف الإدارة وغياب المساءلة؟ إن مواجهة التدخلات الخارجية والاعتداءات لا تتعارض مع مراجعة أخطائنا الداخلية، بل إن قوة المجتمعات في مناعتها الأخلاقية والمؤسسية والعلمية، وفي قدرتها على حماية مصالحها وصناعة قرارها".

ولفت إلى أن "الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن السلوك اليومي؛ فالصادق في عبادته ينبغي أن يكون صادقًا في معاملته، والأمين في دينه أمينًا في وظيفته، والداعي إلى العدل أولى الناس بالعدل، والناهي عن الفساد أولى الناس بالابتعاد عنه. ولا يكفي أن نحمّل الآخرين مسؤولية أزماتنا فيما نتسامح مع الغش والمحسوبية وإهدار المال العام حين تخدم مصالحنا. إن الإصلاح يبدأ حين نمتلك شجاعة الاعتراف بالخلل، وننتقل من الشكوى إلى العمل، ومن الانفعال إلى التفكير، ومن الكلام عن الفضائل إلى تجسيدها في واقع الناس".

وشدد على أن "من واجب القادة والعلماء والمربين والمثقفين أن يجمعوا بين بناء الإيمان وتنمية الوعي، وبين تعليم القيم وفهم الواقع، وأن يسهموا في إعداد جيل يعرف دينه، ويفهم عصره، ويحترم الاختلاف، ويميز بين الحقيقة والدعاية، ويتمسك بحقوق المظلومين من غير أن يفقد اتزانه أو بصيرته. فالمجتمعات لا تنهض بالعاطفة وحدها، كما لا تستقيم بالمعرفة المجردة من الأخلاق؛ وإنما تحتاج إلى إنسان يجمع بين العلم والمسؤولية، وبين المبادئ والعمل، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الخبرات النافعة".

وأكد أن "طريق الإصلاح يبدأ من الإنسان، لكنه يمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والبلدية والإدارة والدولة. ونحن بحاجة إلى مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، ومساءلة حقيقية، وعمل عربي وإسلامي يوازن بين مواجهة الأخطار الخارجية ومعالجة أسباب الضعف الداخلي. فلنراجع أنفسنا من غير أن نبرئ الظالم، ولنقاوم الظلم من غير أن نعفي أنفسنا من واجب الإصلاح، ولنجعل من الإيمان قوة للبناء، ومن المعرفة طريقًا للنهوض، ومن العدل أساسًا لاستقرار المجتمعات، ومن نصرة المظلومين عهدًا لا تسقطه الأيام ولا تطويه الأحداث".

وقال: "المصلحة الوطنية تقتضي التعاطي مع المؤسسة الدينية كركيزة استقرار وتوازن، بعيداً عن منطق الإدارات التقليدية، فالأصل أن المجلس الشرعي سيد نفسه ومستقل في قراراته. ولن يُقبل بأي حال إعادة إنتاج أزمات الماضي (كتلك التي شهدها عاما 2013 و2014) أو التعدي على صلاحياته. وإذا كان القضاء موضع تقدير واستقلال، فإن استئناس الإدارة بآرائه يُقاس بطبيعتها الاستشارية، كما ظهر جلياً في تعاطي الحكومة مع ملف الرواتب دفعاً وتقسيطاً؛ عليه، فإن التعدي على الشؤون التشريعية والتنفيذية الخاصة بالمؤسسة الدينية يُعد خطًّا أحمر مرفوضًا جملة وتفصيلاً."

وختم الرفاعي: "يشكّل مؤتمر «فقه بناء الدولة»، الذي تقيمه حملة «وتبقى القائد والقدوة» يوم الأحد ٤ تشرين الأول، محطة مهمة لفتح نقاش علمي حول الأسس الشرعية والفكرية لبناء الدولة، والعلاقة بين الفقه والواقع السياسي ومؤسسات الحكم. وتبرز أهمية المشاركة فيه، ولا سيما من العلماء وطلاب العلم والمتخصصين في العلوم السياسية، لما يتيحه من تلاقح بين التأصيل الشرعي والمعرفة السياسية، وإسهام في بناء وعي أعمق بقضايا الدولة والحكم والإصلاح، بما يعزّز قدرة النخب العلمية والفكرية على فهم تحديات الواقع والمشاركة في معالجتها".

===================

المصدر الأصلي

وطنية- بعلبك- أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، إلى أنّ "من أعظم أزمات مجتمعاتنا أن تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة الناس إلى مجال للتنافس على النفوذ والحصص، وأن تتقدم العلاقات والمحسوبيات على الكفاءة والاستحقاق؛ فالدولة العادلة لا تميز بين مواطنيها بسبب مناطقهم أو انتماءاتهم، ولا تستبدل شبكة نفوذ بأخرى، بل تفتح أبوابها أمام أصحاب العلم والخبرة والنزاهة، وتجعل القانون مرجعًا للجميع، والمصلحة العامة غايتها، والمساءلة ضمانة لحسن أدائها".

واعتبر ان "إصلاح الإدارة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتغيير القواعد التي تحكم اختيارهم وتقييم أعمالهم. فالمناصب العليا ليست مكافآت سياسية، والوظائف ليست غنائم تتقاسمها القوى النافذة، وإنما أمانات تتطلب المعرفة والخبرة والقدرة على التخطيط وإدارة الأزمات. وحين تصبح الكفاءة معيارًا ثابتًا، تتكامل طاقات المناطق والفئات المختلفة في خدمة الوطن، وتتحول الدولة من ساحة للتنافس على المكاسب إلى مؤسسة تصنع الفرص وتحفظ الحقوق".

وقال: "في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر، تتعاظم المخاوف من اتساع الصراعات وتحولها إلى مواجهة دولية شاملة. للأسف الحرب العالمية الثالثة تظل سيناريو ممكنًا إذا عجزت القوى الكبرى عن بناء آليات فاعلة لإدارة الصراعات. وليس المقصود أن الحرب حتمية، بل أن تراجع الحوار والضوابط الدولية، وتراكم الأزمات، وسوء تقدير العواقب، عوامل تجعل العالم أكثر عرضة لمخاطر يصعب احتواؤها".

وأضاف: "إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم قرارات الحرب هو تقدير عواقبها على الشعوب والمنطقة، واستنفاد فرص التسوية الممكنة، وعدم التعامل مع مصائر الدول كأنها رهانات سياسية. فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تفتح أبوابًا من الفوضى يصعب إغلاقها".

وأردف: "مع حلول الذكرى السنوية الثالثة للسابع من أكتوبر 2023، نقف أمام محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، بما أطلقته من حرب مدمرة على غزة، وما كشفته من عمق المأساة الإنسانية وعجز المجتمع الدولي عن ضمان حماية المدنيين ووقف المعاناة. إنها ذكرى تستدعي قراءة واعية للأحداث ونتائجها، وتذكّرنا بأن فلسطين ليست خبرًا عابرًا ولا قضية يمكن أن تطويها التحولات الدولية، بل قضية شعب له حقوقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير".

وتابع: "في هذه الذكرى، لا يجوز أن تحجب الحسابات السياسية حجم الكارثة التي عاشها أهل غزة؛ من القتل والجرح والنزوح إلى تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس ومقومات الحياة. كما لا يجوز أن تصبح آلام المدنيين أرقامًا تتكرر حتى تفقد أثرها في الضمير الإنساني. إن نصرة فلسطين مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة، تتجلى في إغاثة المنكوبين، وإسناد صمودهم، والدفاع عن حقوقهم، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، بعيدًا عن استهداف المدنيين أو تبرير معاناتهم أيًّا كانت هوياتهم".

ورأى ان "ما يجري في فلسطين والمنطقة يدعونا أيضًا إلى مساءلة واقعنا العربي والإسلامي: لماذا تتكرر الأزمات بينما تتراجع قدرتنا على بناء الاقتصاد وإنتاج المعرفة وتطوير الصناعة؟ ولماذا تتسع هجرة الكفاءات، وتضيق أمام الشباب فرص العمل والمشاركة وصناعة المستقبل؟ ولماذا تعاني مؤسسات كثيرة من الفساد وضعف الإدارة وغياب المساءلة؟ إن مواجهة التدخلات الخارجية والاعتداءات لا تتعارض مع مراجعة أخطائنا الداخلية، بل إن قوة المجتمعات في مناعتها الأخلاقية والمؤسسية والعلمية، وفي قدرتها على حماية مصالحها وصناعة قرارها".

ولفت إلى أن "الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن السلوك اليومي؛ فالصادق في عبادته ينبغي أن يكون صادقًا في معاملته، والأمين في دينه أمينًا في وظيفته، والداعي إلى العدل أولى الناس بالعدل، والناهي عن الفساد أولى الناس بالابتعاد عنه. ولا يكفي أن نحمّل الآخرين مسؤولية أزماتنا فيما نتسامح مع الغش والمحسوبية وإهدار المال العام حين تخدم مصالحنا. إن الإصلاح يبدأ حين نمتلك شجاعة الاعتراف بالخلل، وننتقل من الشكوى إلى العمل، ومن الانفعال إلى التفكير، ومن الكلام عن الفضائل إلى تجسيدها في واقع الناس".

وشدد على أن "من واجب القادة والعلماء والمربين والمثقفين أن يجمعوا بين بناء الإيمان وتنمية الوعي، وبين تعليم القيم وفهم الواقع، وأن يسهموا في إعداد جيل يعرف دينه، ويفهم عصره، ويحترم الاختلاف، ويميز بين الحقيقة والدعاية، ويتمسك بحقوق المظلومين من غير أن يفقد اتزانه أو بصيرته. فالمجتمعات لا تنهض بالعاطفة وحدها، كما لا تستقيم بالمعرفة المجردة من الأخلاق؛ وإنما تحتاج إلى إنسان يجمع بين العلم والمسؤولية، وبين المبادئ والعمل، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الخبرات النافعة".

وأكد أن "طريق الإصلاح يبدأ من الإنسان، لكنه يمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والبلدية والإدارة والدولة. ونحن بحاجة إلى مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، ومساءلة حقيقية، وعمل عربي وإسلامي يوازن بين مواجهة الأخطار الخارجية ومعالجة أسباب الضعف الداخلي. فلنراجع أنفسنا من غير أن نبرئ الظالم، ولنقاوم الظلم من غير أن نعفي أنفسنا من واجب الإصلاح، ولنجعل من الإيمان قوة للبناء، ومن المعرفة طريقًا للنهوض، ومن العدل أساسًا لاستقرار المجتمعات، ومن نصرة المظلومين عهدًا لا تسقطه الأيام ولا تطويه الأحداث".

وقال: "المصلحة الوطنية تقتضي التعاطي مع المؤسسة الدينية كركيزة استقرار وتوازن، بعيداً عن منطق الإدارات التقليدية، فالأصل أن المجلس الشرعي سيد نفسه ومستقل في قراراته. ولن يُقبل بأي حال إعادة إنتاج أزمات الماضي (كتلك التي شهدها عاما 2013 و2014) أو التعدي على صلاحياته. وإذا كان القضاء موضع تقدير واستقلال، فإن استئناس الإدارة بآرائه يُقاس بطبيعتها الاستشارية، كما ظهر جلياً في تعاطي الحكومة مع ملف الرواتب دفعاً وتقسيطاً؛ عليه، فإن التعدي على الشؤون التشريعية والتنفيذية الخاصة بالمؤسسة الدينية يُعد خطًّا أحمر مرفوضًا جملة وتفصيلاً."

وختم الرفاعي: "يشكّل مؤتمر «فقه بناء الدولة»، الذي تقيمه حملة «وتبقى القائد والقدوة» يوم الأحد ٤ تشرين الأول، محطة مهمة لفتح نقاش علمي حول الأسس الشرعية والفكرية لبناء الدولة، والعلاقة بين الفقه والواقع السياسي ومؤسسات الحكم. وتبرز أهمية المشاركة فيه، ولا سيما من العلماء وطلاب العلم والمتخصصين في العلوم السياسية، لما يتيحه من تلاقح بين التأصيل الشرعي والمعرفة السياسية، وإسهام في بناء وعي أعمق بقضايا الدولة والحكم والإصلاح، بما يعزّز قدرة النخب العلمية والفكرية على فهم تحديات الواقع والمشاركة في معالجتها".

===================

المصدر الأصلي

وطنية- بعلبك- أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، إلى أنّ "من أعظم أزمات مجتمعاتنا أن تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة الناس إلى مجال للتنافس على النفوذ والحصص، وأن تتقدم العلاقات والمحسوبيات على الكفاءة والاستحقاق؛ فالدولة العادلة لا تميز بين مواطنيها بسبب مناطقهم أو انتماءاتهم، ولا تستبدل شبكة نفوذ بأخرى، بل تفتح أبوابها أمام أصحاب العلم والخبرة والنزاهة، وتجعل القانون مرجعًا للجميع، والمصلحة العامة غايتها، والمساءلة ضمانة لحسن أدائها".

واعتبر ان "إصلاح الإدارة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتغيير القواعد التي تحكم اختيارهم وتقييم أعمالهم. فالمناصب العليا ليست مكافآت سياسية، والوظائف ليست غنائم تتقاسمها القوى النافذة، وإنما أمانات تتطلب المعرفة والخبرة والقدرة على التخطيط وإدارة الأزمات. وحين تصبح الكفاءة معيارًا ثابتًا، تتكامل طاقات المناطق والفئات المختلفة في خدمة الوطن، وتتحول الدولة من ساحة للتنافس على المكاسب إلى مؤسسة تصنع الفرص وتحفظ الحقوق".

وقال: "في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر، تتعاظم المخاوف من اتساع الصراعات وتحولها إلى مواجهة دولية شاملة. للأسف الحرب العالمية الثالثة تظل سيناريو ممكنًا إذا عجزت القوى الكبرى عن بناء آليات فاعلة لإدارة الصراعات. وليس المقصود أن الحرب حتمية، بل أن تراجع الحوار والضوابط الدولية، وتراكم الأزمات، وسوء تقدير العواقب، عوامل تجعل العالم أكثر عرضة لمخاطر يصعب احتواؤها".

وأضاف: "إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم قرارات الحرب هو تقدير عواقبها على الشعوب والمنطقة، واستنفاد فرص التسوية الممكنة، وعدم التعامل مع مصائر الدول كأنها رهانات سياسية. فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تفتح أبوابًا من الفوضى يصعب إغلاقها".

وأردف: "مع حلول الذكرى السنوية الثالثة للسابع من أكتوبر 2023، نقف أمام محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، بما أطلقته من حرب مدمرة على غزة، وما كشفته من عمق المأساة الإنسانية وعجز المجتمع الدولي عن ضمان حماية المدنيين ووقف المعاناة. إنها ذكرى تستدعي قراءة واعية للأحداث ونتائجها، وتذكّرنا بأن فلسطين ليست خبرًا عابرًا ولا قضية يمكن أن تطويها التحولات الدولية، بل قضية شعب له حقوقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير".

وتابع: "في هذه الذكرى، لا يجوز أن تحجب الحسابات السياسية حجم الكارثة التي عاشها أهل غزة؛ من القتل والجرح والنزوح إلى تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس ومقومات الحياة. كما لا يجوز أن تصبح آلام المدنيين أرقامًا تتكرر حتى تفقد أثرها في الضمير الإنساني. إن نصرة فلسطين مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة، تتجلى في إغاثة المنكوبين، وإسناد صمودهم، والدفاع عن حقوقهم، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، بعيدًا عن استهداف المدنيين أو تبرير معاناتهم أيًّا كانت هوياتهم".

ورأى ان "ما يجري في فلسطين والمنطقة يدعونا أيضًا إلى مساءلة واقعنا العربي والإسلامي: لماذا تتكرر الأزمات بينما تتراجع قدرتنا على بناء الاقتصاد وإنتاج المعرفة وتطوير الصناعة؟ ولماذا تتسع هجرة الكفاءات، وتضيق أمام الشباب فرص العمل والمشاركة وصناعة المستقبل؟ ولماذا تعاني مؤسسات كثيرة من الفساد وضعف الإدارة وغياب المساءلة؟ إن مواجهة التدخلات الخارجية والاعتداءات لا تتعارض مع مراجعة أخطائنا الداخلية، بل إن قوة المجتمعات في مناعتها الأخلاقية والمؤسسية والعلمية، وفي قدرتها على حماية مصالحها وصناعة قرارها".

ولفت إلى أن "الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن السلوك اليومي؛ فالصادق في عبادته ينبغي أن يكون صادقًا في معاملته، والأمين في دينه أمينًا في وظيفته، والداعي إلى العدل أولى الناس بالعدل، والناهي عن الفساد أولى الناس بالابتعاد عنه. ولا يكفي أن نحمّل الآخرين مسؤولية أزماتنا فيما نتسامح مع الغش والمحسوبية وإهدار المال العام حين تخدم مصالحنا. إن الإصلاح يبدأ حين نمتلك شجاعة الاعتراف بالخلل، وننتقل من الشكوى إلى العمل، ومن الانفعال إلى التفكير، ومن الكلام عن الفضائل إلى تجسيدها في واقع الناس".

وشدد على أن "من واجب القادة والعلماء والمربين والمثقفين أن يجمعوا بين بناء الإيمان وتنمية الوعي، وبين تعليم القيم وفهم الواقع، وأن يسهموا في إعداد جيل يعرف دينه، ويفهم عصره، ويحترم الاختلاف، ويميز بين الحقيقة والدعاية، ويتمسك بحقوق المظلومين من غير أن يفقد اتزانه أو بصيرته. فالمجتمعات لا تنهض بالعاطفة وحدها، كما لا تستقيم بالمعرفة المجردة من الأخلاق؛ وإنما تحتاج إلى إنسان يجمع بين العلم والمسؤولية، وبين المبادئ والعمل، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الخبرات النافعة".

وأكد أن "طريق الإصلاح يبدأ من الإنسان، لكنه يمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والبلدية والإدارة والدولة. ونحن بحاجة إلى مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، ومساءلة حقيقية، وعمل عربي وإسلامي يوازن بين مواجهة الأخطار الخارجية ومعالجة أسباب الضعف الداخلي. فلنراجع أنفسنا من غير أن نبرئ الظالم، ولنقاوم الظلم من غير أن نعفي أنفسنا من واجب الإصلاح، ولنجعل من الإيمان قوة للبناء، ومن المعرفة طريقًا للنهوض، ومن العدل أساسًا لاستقرار المجتمعات، ومن نصرة المظلومين عهدًا لا تسقطه الأيام ولا تطويه الأحداث".

وقال: "المصلحة الوطنية تقتضي التعاطي مع المؤسسة الدينية كركيزة استقرار وتوازن، بعيداً عن منطق الإدارات التقليدية، فالأصل أن المجلس الشرعي سيد نفسه ومستقل في قراراته. ولن يُقبل بأي حال إعادة إنتاج أزمات الماضي (كتلك التي شهدها عاما 2013 و2014) أو التعدي على صلاحياته. وإذا كان القضاء موضع تقدير واستقلال، فإن استئناس الإدارة بآرائه يُقاس بطبيعتها الاستشارية، كما ظهر جلياً في تعاطي الحكومة مع ملف الرواتب دفعاً وتقسيطاً؛ عليه، فإن التعدي على الشؤون التشريعية والتنفيذية الخاصة بالمؤسسة الدينية يُعد خطًّا أحمر مرفوضًا جملة وتفصيلاً."

وختم الرفاعي: "يشكّل مؤتمر «فقه بناء الدولة»، الذي تقيمه حملة «وتبقى القائد والقدوة» يوم الأحد ٤ تشرين الأول، محطة مهمة لفتح نقاش علمي حول الأسس الشرعية والفكرية لبناء الدولة، والعلاقة بين الفقه والواقع السياسي ومؤسسات الحكم. وتبرز أهمية المشاركة فيه، ولا سيما من العلماء وطلاب العلم والمتخصصين في العلوم السياسية، لما يتيحه من تلاقح بين التأصيل الشرعي والمعرفة السياسية، وإسهام في بناء وعي أعمق بقضايا الدولة والحكم والإصلاح، بما يعزّز قدرة النخب العلمية والفكرية على فهم تحديات الواقع والمشاركة في معالجتها".

===================

المصدر الأصلي

💬 Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment!

Leave a Comment