
لم يعد أمام الشرعية اللبنانية أي متسع للمناورة أو التباطؤ بعدما تحولت أروقة العاصمة الأميركية واشنطن إلى منصة لفرض واقع سيادي جديد، يربط إنقاذ البلاد بتجفيف كامل للمنابع المالية والعسكرية التي تتغذى منها دويلة “الحزب الإيراني في لبنان”؛ إذ تكشف مصادر دبلوماسية ومالية مطلعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن لغة المجاملات التقليدية قد انتهت بالكامل خلف الأبواب المغلقة، لتستبدل بـ”فيتو مالي” حاسم وجداول زمنية مقيدة، تضع لبنان أمام خيار وحيد لا بديل عنه: الحسم الفوري لإنهاء الحالة الميليشياوية لـ”الحزب” وسائر الميليشيات المسلحة، أو السقوط الحر في مستنقع العزلة والانهيار الشامل.
وتؤكد المعلومات المسربة من كواليس وزارة الخزانة الأميركية، أن وزير الخزانة سكوت بيسنت بدا صارماً خلال لقائه رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر، وكأنه تقصد إحداث “صدمة إيجابية” للنهج السيادي؛ إذ أصرت واشنطن على مكافحة الاقتصاد النقدي الموازي (Cash Economy) وتفكيك قنوات تبييض الأموال المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني و”الحزب”، كشرط إلزامي لا نقاش فيه لإعادة دمج القطاع المصرفي اللبناني في النظام المالي العالمي، أو تحريك أي قروض لإعادة الإعمار والتعافي عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهو المسار الذي تماهى بالكامل مع الفيتو الغربي والعربي المشترك خلال سائر الاجتماعات التي عقدها الوفد اللبناني في واشنطن، من دون أن يعني ذلك التخلي عن لبنان لكن منسوب التفهم للتردد اللبناني والمراوحة في درجاته الدنيا.
هذا الحصار المالي والدبلوماسي المحكم، ينعكس شللاً وتخبطاً غير مسبوق في بنية الممانعة؛ وهو ما ظهر علناً في الخطاب الأخير للأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، الذي اتسم بالتناقض الفاضح واجترار أسطوانة الوعود الكاذبة والعاجزة أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً بعد الانهيار الميداني وسقوط مراكز القيادة والسيطرة التابعة لـ”وحدة بدر” في أنفاق تلال علي الطاهر والمناطق المتاخمة لجنوب الليطاني، واستمرار “الحزب” في التقهقر والتراجع والعجز عن أي رد.
وتشير مصادر مقربة من دوائر رسمية، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “الحزب”، وأمام عجزه العسكري، بات يتوسل الأزمة المعيشية والفقر المتفاقم كطوق نجاة أخير، محاولاً ركوب موجة وجع اللبنانيين لإحداث البلبلة والفوضى، ودفع مسؤوليته المباشرة عن حروبه العبثية التي جرّت الموت والاحتلال إلى المقاعد الخلفية.
غير أن الأوساط السياسية والمواقف الدولية تقاطعت اليوم عند حقيقة واحدة مفادها، أن كل الأعذار لعدم إقدام الدولة والتنفيذ العملي للاتفاقات والالتزامات ببسط السيادة ونوع السلاح قد استُنفدت، ولا خروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بانتزاع الشرعية لزمام المبادرة وحصر القرار والسلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الأمنية، لقطع الطريق نهائياً على الذرائع الإسرائيلية، وبالتزامن، على رهانات “الحزب” العبثية على شراء الوقت وإضاعة هذه الفرصة المتاحة للخلاص.













