بين مسارين لا يلتقيان، يمضي لبنان نحو مرحلة تُشدّ فيها مصائر البلاد بين صورتين متناقضتين. تتجلّى الأولى في حركة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي بين نيويورك وواشنطن، سعيًا إلى استعادة الاستقرار وتحصينه بشبكة من العلاقات الدولية والعربية، والثانية في "هزالة" الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم وما يمثّله، في محاولة لدفش ما تبقّى من الجنوب إلى "التهلكة" في فلك "الحرس الثوري الإيراني" والحوثيين وما لفّ لفيف "الممانعين".

وسط هذا الانقسام المصيري، يدخل لبنان فعليًا في العدّ التنازلي: الحرب أم التفاوض؟ لذا، تتجه الأنظار اليوم إلى واشنطن، حيث يلتقي رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عند الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت واشنطن. في هذا السياق، أشارت مصادر أميركية لـ"نداء الوطن"، إلى إن هناك توافقًا غير مسبوق بين واشنطن وبيروت حول صيغة واحدة للسيادة: دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة مركزية تحتكر قرار الحرب والسلم. وتؤكد المصادر أن الرسالة الأميركية واضحة: كل دعم دبلوماسي أو عسكري أو اقتصادي للبنان بات مرتبطًا باستعادة الدولة سلطتها، ومنع بقاء لبنان ساحة للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

وترى المصادر أن أهمية اللحظة تكمن في تبلور شبه إجماع، للمرة الأولى، بين واشنطن والحكومة اللبنانية والدول العربية والمجتمع الدولي، حول معادلة مفادها أن السيادة لا تكتمل ما دامت هناك جهة عسكرية غير حكومية تملك قرار الحرب. ولا تدّعي الإدارة الأميركية أن تفكيك ترسانة "حزب الله" ممكن بين ليلة وضحاها، إلا أنها تشدد على أن أي خطة جدية لإنعاش لبنان لا يمكن أن تتجاوز هذا الملف أو تؤجله إلى أجل غير مسمى.

التفاوض والاقتصاد ودعم لبنان

وتشمل محادثات واشنطن أيضًا ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما الحدود الجنوبية والوجود العسكري الإسرائيلي، فضلا عن مستقبل الانخراط الأميركي في لبنان. ومن المتوقع أن يشدد سلام على ضرورة استمرار الدور الأميركي وفاعليته، سواء في مواكبة المسار التفاوضي أو في دعم لبنان خلال مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. كما يحضر الملف الاقتصادي بقوة، إذ تشير الاجتماعات المقررة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن التعافي المالي والإصلاحات والمساعدات الخارجية ستكون جزءًا أساسيًا من برنامج الزيارة.

وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" إن الاتصالات المرتقبة مطلع الشهر المقبل يُفترض أن تعيد تحريك المسار الدبلوماسي وصيغة الإطار، لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستوى عسكري أخطر.

لكن، فيما تسابق الدبلوماسية الوقت من واشنطن، تتحرك عقارب الميدان في الاتجاه المعاكس. إذ تكشف مصادر دبلوماسية أميركية لـ"نداء الوطن"، أن مرحلة ما بعد معركة علي الطاهر تشكّل منعطفًا خطيرًا في مسار المواجهة على الجبهة الجنوبية. وبحسب المصادر، تشير التقديرات إلى قرار إسرائيلي بتوسيع نطاق العمليات نحو إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان، وصولا إلى البقاع الغربي، في مسعى لفرض حزام أمني يمتد إلى جنوب سوريا وجبل الشيخ. وتربط المصادر خطورة هذا السيناريو بتعثّر مسار حصر السلاح، محذّرة من أن اتساع رقعة العمليات قد يجرّ لبنان إلى حرب تطال مناطق لم تدخل حتى الآن مباشرة في دائرة المواجهة.

طهران تُحرّك ورقة "الحزب"

ولا يقف التصعيد عند حدود الجبهة الجنوبية. إذ يرى المصدر أن ارتفاع سقف مواقف "حزب الله" لا ينفصل عن السياق الإيراني ولا عن التطورات في اليمن، لافتًا إلى انزعاج طهران من مواقف سلام ورجّي خلال لقائهما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي في نيويورك. ويرى أن التصعيد اللاحق من مسؤولي "الحزب" قد يعكس رغبة إيرانية في إعادة استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط.

قاسم خارج الزمن

وفي قلب هذا الاشتباك بين الدبلوماسية والميدان، جاءت الذكرى الثانية لاغتيال حسن نصرالله وهاشم صفي الدين لتضع "حزب الله" أمام مرآة عامين من الخسائر والتحولات. إلا أن نعيم قاسم أطلّ بخطاب بدا كأنه صادر من خارج هذا الزمن. فأكد أن قيادة "الحزب" هي التي ترسم خطوات المواجهة وتدير تفاصيلها بما لا يمنح إسرائيل مكاسب، مشددًا على ثقته بـ"النصر والتحرير". كما رفض الضغوط لنزع سلاح الميليشيا التي يتزعمها صوريًا، ورسم، في الوقت نفسه، سقفًا سياسيًا لمهمة الجيش اللبناني تحت "شمّاعة" أنه "جيش وطني" ولن يكون أداة لتنفيذ ما تريده إسرائيل أو الخارج.

أما في ملف التفاوض، فهاجم قاسم اتفاق الإطار والمفاوضات المباشرة، معتبرًا أن نتائجها كانت "تحت الصفر". لكن السؤال الذي يفترض أن يطرحه على نفسه هو: أيّ علامة يستحقها "الحزب" بعد حروب الإسناد؟ وأيّ علامة يمنحها لقوة الردع التي أوهم بها نفسه والجنوبيين، من بنت جبيل إلى الخيام وعلي الطاهر؟ وقاسم، الذي لم يسأل دولة ولا شعبًا عندما فتح حروبه الخاسرة والفاشلة، طالب رئيس الجمهورية بأن يكون "حكمًا وجامعًا". وهنا تكتمل المفارقة: من احتكر قرار الحرب من خارج الدولة، يريد اليوم أن يرسم للدولة ورئيسها حدود التفاوض.

المصدر الأصلي