تغيير الوقائع مهمة مستحيلة. ولا جدوى من التنظير الأيديولوجي على حساب الوقائع أو عبر تجاهلها. فلا مهرب من الاحتكام إلى الحكمة الصينية القائلة: "أبحث عن الحقيقة في الوقائع". والوقائع منذ حربي إسناد غزة تم إسناد إيران لا تزال طازجة وملموسة في الواقع. و"كل ما هو واقعي معقول" حسب الفيلسوف هيغل. ففي إسناد غزة تلقى "حزب الله" ضربات شديدة وخسر قائده التاريخي السيد حسن نصر الله ثم خليفته هاشم صفي الدين وقادته العسكريين في الصفين الأول والثاني، بالإضافة إلى التهجير والتدمير وعودة الاحتلال. وهذا ما قاد إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة أميركا كان الطرف المفاوض فيها "الأخ الأكبر" رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالنيابة عن "الحزب". والمفاوضات انتهت في 27 تشرين الثاني 2024 إلى الاتفاق على "وقف الأعمال العدائية" وتطبيق القرار الدولي 1701 ونشر الجيش في الجنوب لسحب سلاح "المقاومة الإسلامية". وكان واضحًا أن الاحتلال فرض شروطه، بحيث استمر في الاعتداءات وبقي "الحزب" يتلقى الضربات من دون رد معتصمًا بما سمي "الصبر الإستراتيجي".

وفي بداية إسناد إيران يوم 2 آذار 2026 تصوّر "الحزب" أن اللعبة بدأت تدور لمصلحته بالاتكال على مواجهة إيران للحرب الأميركية- الإسرائيلية، وأعلن شعار "لا عودة إلى ما كان قبل 2 آذار" وبالتالي أن الموازين والظروف تجاوزت اتفاق 27 تشرين الثاني. لكن مجريات الحرب في لبنان قادت إلى دمار أكبر وتهجير مليون مواطن وتوسع الاحتلال وصولا إلى قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر. وحين قررت الدولة التفاوض بواسطة أميركا على وقف النار، ثم الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن، وإعلان اتفاق "الإطار الثلاثي"، رفض "الحزب" ذلك وأصرّ على ربط لبنان بإيران وانتظار ما تحصل عليه طهران في صفقة مع الرئيس دونالد ترامب.

واليوم عاد "الحزب" الرافض لسحب سلاحه بقرار في مجلس الوزراء وللمفاوضات إلى تحديد ما يقبله: اتفاق 27 تشرين الثاني والقرار 1701. وليس ذلك أمرًا قليل الدلالات، بصرف النظر عن العنجهيات و"الانتصارات الإلهية". فما قاد إلى ذلك الاتفاق هو أجواء "هزيمة" ومحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في خسارة كل شيئ. وهو ينص صراحة على سحب السلاح من "حزب الله"، لا من الجنوب فقط بل من كل لبنان "بدءًا من جنوب الليطاني". ولا فرق بين الهرب إلى الأمام والهرب إلى الوراء في منظار الوقائع. ذلك أن الصورة في لبنان هي جزء من المشهد في المنطقة. فالمسألة هنا هي أن "المقاومة الإسلامية" فشلت في الردع والمواجهة ومنع الاحتلال. والمشهد من غزة إلى سوريا والعراق وصولا إلى الحقيقة في إيران هو أن "محور المقاومة" خسر جغرافيا المقاومة، كما خسرت طهران مشروعها الإقليمي الذي على أساسه كان تأسيس الفصائل الإيديولوجية المرتبطة بالحرس الثوري والمشروع والولاية والمطلوب منها اليوم التخلي عن السلاح. ولا شيئ يضمن نجاح المشروع الأميركي المسمى "سلام ترامب"، لكن من الوهم بعد كل ما حدث من قصف إيراني لدول الخليج تصوّر هذه الدول تقبل قيام نظام أمني إقليمي تديره وتتحكم به إيران في غياب أميركا والغرب. ولا يبدل في الأمر أن "الحزب" يتصرّف، على الرغم من تجريف إسرائيل للقرى في الجنوب وتدمير بنيته العسكرية التحتية، كأنه باقٍ في الجنوب ويستطيع أن يفرض رأيه في أي قوة أوروبية أو غير أوروبية مرشحة لتحل مكان "اليونيفيل" بعد انسحابها في نهاية العالم الحالي. وإذا كانت جلسة المناقشة العامة للحكومة قد كشفت هزال المجلس النيابي وضعف الحكومة وسر الامتناع على مدى ثلاث سنوات عن الدعوة إلى جلسة لمناقشة حربي الإسناد، فإن أكثر ما كشفته هو أن نواب "حزب الله" بدوا مثل "ظاهرة صوتية" رأسمالها الصراخ الفارغ من المعنى. والسؤال هو: "أين يبدأ السيرك وأين ينتهي الشطرنج" كما كان أدلاي ستيفنسون يقوله عن الانتخابات الأميركية.

المصدر الأصلي