دخلت الولايات المتحدة في مرحلة إقصاء مصرفي مباشر لإيران، وذلك من خلال مطاردة حسابات بنكية تستخدمها طهران في الخفاء، من خلال وكلاء وشركات وسيطة.

والحسابات الإيرانية التي تستهدفها واشنطن، تستخدم في تحويل أموال بيع النفط المهرب إلى كيانات تابعة للنظام الإيراني، واستخدام جانب منها في استيراد معدات، منها عسكرية وأخرى متعلقة بتطوير البرنامجين النووي والصاروخي.

وبدأت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على بنوك، تضمنت غرامات وتضييقًا على استخدامها نظام "سويفت" الأميركي، لعدم اتباعها إجراءات التدقيق الصادرة عن المؤسسات المالية الأميركية على التحويلات التي تستغلها إيران في التهرب من العقوبات.

وتعمل واشنطن من خلال هذا التتبع المصرفي، المصحوب بالعقوبات على بنوك في عدة دول، على رفع المخاطر على هذه المصارف التي سمحت لحسابات تدور حولها شبهات بتحويل الأموال الخاصة ببيع النفط الإيراني، بعد الالتفاف على العقوبات، إلى كيانات محسوبة على النظام في الداخل والخارج، وإرغامها على إغلاق هذه الممرات المالية.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت مؤخرًا أن شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لها عقدت اجتماعًا ضم مؤسسات مالية عالمية، في إطار جهود واشنطن لتعزيز عملية "Economic Outcast"، وهي المبادرة التي أطلقتها مؤخرًا بهدف زيادة عزلة إيران والحد من قدرتها على تمويل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وقالت الوزارة في بيان، إن الاجتماع زود المؤسسات المالية بالمعلومات والأدوات اللازمة لتعطيل مصادر الإيرادات وشبكات المشتريات المرتبطة بالنظام الإيراني، بما يسهم في تشديد الضغط الاقتصادي على طهران.

التفاف إيراني
ويقول الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمد المذحجي، إن طهران حاولت خلال السنوات الماضية الالتفاف على العقوبات، خاصة المصرفية منها، من خلال استخدام البنوك في الدول الصديقة، من بينها الصين وروسيا، أو عبر حلقات الشركات الوسيطة والواجهة، لصرف الأموال التي لا يمكن الحصول عليها من خلال النظام الأمريكي "سويفت" بسهولة.

وأضاف المذحجي لـ"إرم نيوز"، أن إيران احترفت الالتفاف على العقوبات من خلال هذه البنوك التي تحصل على مصاريف إدارية ونسب تحويل أكبر من المعتاد مقابل تسهيل العمليات وعدم تعقيد الصرف، وحققت من وراء ذلك تنفسًا ماليًا كبيرًا لها، وهو ما تريد واشنطن إنهاء كل مساراته نهائيًا.

وذكر أن هناك بنوكًا أوروبية وأيضًا بريطانية ساعدت إيران في ذلك، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها مؤخرًا، بسبب عدم التدقيق في الحسابات التي تدور حولها شبهات، في وقت سددت طهران نسبًا كبيرة وصلت إلى 30% من التحويلات الخاصة بعمليات بيع النفط لإدارات هذه المصارف.
وأشار المذحجي، إلى أن هذه البنوك سهلت على طهران القيام بعمليات تحويل من حسابات دون القيام بالتدقيق المطلوب، وفي ظل عمل هذه الشبكة على توفير قنوات مالية للنظام المصرفي الإيراني، ذهبت الخزانة الأميركية إلى إغلاق هذا الباب، وتستهدف بتغريم البنوك التي لا تلتزم بقواعد التدقيق في الحسابات المشتبه في مساعدتها لإيران.

واستكمل بالقول إن الولايات المتحدة كانت تغض الطرف عن هذه العمليات المصرفية في سنوات سابقة، ولكن مع استراتيجيتها بعزل إيران عن النظام المالي العالمي، تمضي في تغريم البنوك التي لا تلتزم بالتعامل الفعلي في عدم التدقيق حول الحسابات المشبوهة أو التي يتم من خلالها القيام بعمليات تحويل لصالح كيانات تابعة للنظام الإيراني.

استهداف الوسطاء
فيما يؤكد الباحث في الاقتصاد الدولي، منير يونس، أن واشنطن تسعى في المرحلة الجديدة إلى تجاوز العقوبات التقليدية المفروضة على المصارف والكيانات الإيرانية، عبر ملاحقة البنوك الأجنبية والحسابات المراسلة التي تتيح لطهران الوصول غير المباشر إلى الدولار والتحويلات الدولية.
وبيّن يونس لـ"إرم نيوز"، أن عملية مطاردة الحسابات، يدور جانب أساسي منها في إطار أنه بدلًا من التركيز على المصرف الإيراني المعاقب وحده، تستهدف الولايات المتحدة كل مؤسسة مالية وسيطة تساعد في تمرير الأموال أو تسويتها أو إخفاء مصدرها عبر شركات واجهة وشبكات تجارية وحسابات في دول ثالثة.

وتستخدم الخزانة الأميركية في ذلك، وفق يونس، العقوبات الثانوية وإجراءات مكافحة غسل الأموال والتهديد بقطع المصرف المعني عن الحسابات المراسلة في الولايات المتحدة، وهذه عقوبة شديدة؛ لأن فقدان العلاقة المصرفية بالدولار يحد عمليًا من قدرة أي بنك على تنفيذ التجارة والتحويلات الدولية.

وقد شملت الحملة الأميركية الأخيرة مؤسسات وشبكات في تركيا وروسيا ودول أخرى، في إطار ما سمته واشنطن "عملية المنبوذ الاقتصادي".

واعتبر يونس، أن واشنطن تريد بذلك أيضًا جعل التعامل مع أي أموال مرتبطة بإيران مخاطرة كبيرة للمصارف حول العالم، بما يدفعها إلى قطع العلاقات بنفسها.

وخلص إلى أن النتيجة المرجحة ليست وقف التدفقات الإيرانية بالكامل، بل دفعها نحو قنوات أكثر كلفة وسرية، مثل شركات الواجهة والتسويات بالعملات المحلية والذهب والأصول الرقمية، وهو ما يزيد الكلفة على جميع الأطراف.

المصدر الأصلي