وضعت الحصيلة الرقمية والسياسية لجلسة المناقشة العامة في مجلس النواب التوازنات الداخلية أمام واقع جديد، مكرسةً تحولاً بنيوياً في إدارة السلطة والقرار؛ فقد نجحت الحكومة في انتزاع تجديد الثقة بها للمرة الثالثة على التوالي، مثبّتةً شرعيتها الدستورية والسياسية في مواجهة محاولات الهز والانقلاب البرلماني التي قادتها أجنحة المحور الممانع وحلفاؤه.

المفارقة الرقمية الصادمة التي شهدتها ساحة النجمة تمثلت في نيل الحكومة 68 صوتاً، لتثبت عملياً قدرتها الفائقة على الحفاظ على وزنها النيابي والسياسي الراسخ، مقارنة بنيلها 69 صوتاً في جلسة تموز 2025، على الرغم من الانقلاب الجذري في المشهد السياسي والتحالفات التي أحاطت بعملية التصويت هذه المرة.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الانتصار البرلماني للحكومة في الدلالات العميقة لموقف “الحزب”؛ ففي تموز من العام الماضي، اختار نواب كتلة “الحزب” التصويت ومنح الثقة للحكومة، انطلاقاً من حسابات خاطئة بأن منح الحكومة صك الثقة يمثل بطاقة أمان تضمن حيادها، أو تتيح لهم القدرة على مصادرة واستتباع وتوجيه بوصلة قراراتها السيادية.

أما في جلسة المناقشة العامة الأخيرة، فقد وجد “الحزب” نفسه عاجزاً عن ليّ ذراع التوجهات الحكومية، فاختار الانكفاء والانسحاب من القاعة ومحاولة حجب الثقة عبر الامتناع المقنّع عن التصويت؛ بيد أن هذا الفيتو الممانع سقط بالأغلبية النيابية التي صوّتت بصلابة لتجديد البيعة للحكومة ولقراراتها السيادية التاريخية.

هذا التحول يجعل من الموقف السياسي للحكومة اليوم أكثر تحرراً وندّية وأهمية استراتيجية عما كان عليه في السنة الماضية؛ إذ خرجت الحكومة من العباءة الابتزازية لـ”الحزب”، متسلحةً بتفويض نيابي سيادي عارم يبادر ويغطي سلة قراراتها التاريخية. بالتالي، إن تجديد الثقة للمرة الثالثة بحكومة نواف سلام ليست تمديداً تقنياً لعمر الحكومة، بل هو استفتاء وطني وتشريعي حاسم يمنح الحصانة المطلقة للقرارات التاريخية الصادرة في 5 و7 آب وقرار 2 آذار، والمتمحورة بالكامل حول حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ونزع السلاح غير الشرعي وحل التنظيمات العسكرية الخارجة عن القانون، والتمسك المطلق بحصرية قرار السلم والحرب والتفاوض الدبلوماسي بيد الدولة وحدها من دون شريك.

مجريات جلسة المناقشة العامة ونتائجها تؤكد أن الساعة اللبنانية تجاوزت إلى غير رجعة زمن الإملاءات الإقليمية ومسارات طهران الفاشلة؛ فالحكومة التي ورثت تركة ثقيلة ودولة مفلسة ومنهارة بفعل سياسات العهد العوني الكارثية، وحوصرت بنيران حروب مفروضة لم يخترها اللبنانيون، تقف اليوم مدعومة بجبهة سيادية برلمانية صلبة نجحت في تعرية المزايدات الباهتة وتفكيك الأفخاخ الواهمة.

من هنا، باتت السلطة التنفيذية اليوم أمام التفويض الأقوى للانتقال الشجاع من مرحلة اتخاذ القرارات التاريخية إلى إنفاذها الفعلي على الأرض، مدعومة بمناخ دولي وعربي متقاطع؛ ما يؤكد أن قطار بسط السيادة الكاملة قد انطلق، وأن الاستثمار في الدولة ومؤسساتها العسكرية هو الممر الإلزامي الوحيد لخلاص لبنان واللبنانيين وإعادة بناء الجمهورية القوية.

المصدر الأصلي