تُعد الأردن وجهة بارزة للسياحة العلاجية، بفضل ينابيعها الغنية بالمعادن ومياه البحر الميت ذات الخصائص العلاجية. وعلى مدى سنوات، عززت الأسعار التنافسية وسهولة الوصول والخبرات الطبية مكانة قطاع الرعاية الصحية الأردني إقليميًا. ومع تطور منظومة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، تعمل الأردن على ترسيخ موقعها كوجهة إقليمية للرعاية الصحية.
يرى فوزي الحموري، رئيس هيئة المديرين والمدير العام في المستشفى التخصصي، أن الحل لا يكمن في المنافسة مع دول المنطقة من حيث رأس المال أو الحجم، بل في تعزيز نقاط القوة التي ميزت الأردن لعقود.
يقول: "الجودة والاعتماد الطبي عنصران أساسيان"، مشيرًا إلى نهج الأردن الريادي في المجالين. في حين يؤدي القطاع الصحي الخاص دورًا محوريًا في تقدم المنظومة الصحية الأردنية، إذ تمثل المستشفيات الخاصة أكثر من %60 من إجمالي المستشفيات في المملكة، وتوفر نطاقًا واسعًا من الإجراءات الطبية المعقدة وخدمات الرعاية المتخصصة، بينما توظف بشكل مباشر أكثر من 40 ألف أردني، وفقًا للحموري.
يُعدّ المستشفى التخصصي أحد المستشفيات الخاصة التي أسهمت في تشكيل قطاع الرعاية الصحية في الأردن لأكثر من 3 عقود.شارك الحموري في تأسيس المستشفى عام 1993 إلى جانب عدد من أفراد عائلته وزملائه الأطباء، وبتمويل ذاتي من المؤسسين بلغ نحو 7.1 مليون دولار.ومنذ افتتاحه، استقبل المستشفى أكثر من 7.5 مليون مريض يمثلون 160 جنسية، وأجرى ما يزيد على 380 ألف عملية جراحية.
فيما توسّع المستشفى التخصصي من 88 سريرًا عند افتتاحه عام 1993، إلى 265 سريرًا بحلول عام 2025، قبل تنفيذه استراتيجية توسع قائمة على الاستحواذ، بتمويل من المساهمين والتدفقات النقدية ذات الصلة.
ففي أكتوبر 2025، استحوذ على مستشفى فرح، الذي اشتهر بولادة أول طفل أنابيب في العالم العربي عام 1987، ولاحقًا في أبريل 2026، تم الاستحواذ على مستشفى الجاردنز الذي يضم 220 سريرًا. ويتخذ المستشفيان من الأردن مقرًا لهما، إلا أنهما مغلقان حاليًا بسبب أعمال التجديد. ومن المتوقع إعادة افتتاحهما في ديسمبر 2026 وفي الربع الأول من عام 2027، على التوالي. وتضم مجموعة المستشفى التخصصي اليوم 3 مستشفيات بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 565 سريرًا.
في النصف الأول من عام 2026، بلغت إيرادات المستشفى التخصصي 31.1 مليون دولار، مقارنة بإيرادات سنوية بلغت 57.8 مليون دولار في عام 2025. ويتوقع الحموري أن تنمو الإيرادات بنسبة تتراوح بين %10 و%15 خلال العام الجاري.
إلا أن التوسع، وفقًا للحموري، لا يقتصر على زيادة عدد الأسرّة، أو توسيع نطاق العمليات فحسب، إذ يؤكد: "لا يقتصر توسعنا على زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يمتد أيضًا إلى الارتقاء بجودة الرعاية الصحية، وتوفير خدمات جديدة مميزة".
ينعكس ذلك على مسيرة نمو استثمارات المستشفى التخصصي في التكنولوجيا؛ ففي يونيو 2026، أطلق أول نظام جراحي روبوتي متعدد الأذرع في الأردن، وبدأ استخدامه في إجراء العمليات الجراحية. كذلك واصل تعزيز قدراته التشخيصية بإدخال جهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي بقوة 3 تسلا، مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأصبح أول مستشفى خاص في الأردن يعتمد تقنية التسلسل الجيني المتقدم (NGS) في مارس 2025. وتُستخدم هذه التقنية في تشخيص أنواع مختلفة من السرطان، والكشف عن الاضطرابات الوراثية النادرة، ودعم العلاجات المخصصة، وتقييم الحالات المرتبطة بالصحة الإنجابية والأمراض الوراثية. يقول الحموري: "نؤمن بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورًا متزايد الأهمية في قطاع الرعاية الصحية، من خلال تعزيز دقة التشخيص، وتحسين مستويات سلامة المرضى".
وبالنسبة له تُقاس قيمة هذه الاستثمارات في نهاية المطاف، بمدى انعكاسها على نتائج المرضى. يقول: "تسهم التكنولوجيا الطبية بصورة مباشرة في تحسين دقة التشخيص، وتعزيز سلامة المرضى"، مشيرًا إلى جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي بقوة 3 تسلا في المستشفى مثالًا على ذلك. يضيف: "يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا، الإسهام في الحد من الأخطاء المرتبطة بوصف الأدوية وجرعاتها أو طريقة استخدامها". فيما يرتبط نظام المعلومات في المستشفى، بقاعدة بيانات دوائية تنبه الأطباء والصيادلة إلى التفاعلات الدوائية المحتملة والجرعات غير المناسبة، بما يعزز سلامة المرضى وجودة الرعاية.
يؤكد فراس عياصره، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة (MiniMed Tender)، وهي منصة رقمية أردنية للتوريد في قطاع الرعاية الصحية تخدم سوقًا يضم 15 ألف منشأة مرتبطة بالقطاع الصحي، تأثير مثيل هذه التطورات في القطاع، يقول: "تعمل المؤسسات مثل المستشفى التخصصي، كمحرك للامتثال على مستوى السوق كله، فعندما تضع مؤسسات رفيعة المستوى معايير دولية صارمة للجودة والعمليات، يعيد الأثر تشكيل المنظومة الخارجية فورًا، ويفرض على الموردين الطبيين وشركاء التكنولوجيا ومزودي الخدمات اللوجستية، ترقية نماذج الامتثال والكفاءة الخاصة بهم، مما يعزز منظومة الرعاية الصحية بشكل عام".
وقد منح النمو المستمر للمستشفى التخصصي دورًا إقليميًا أوسع له، إذ أصبحت الشراكات ركيزة أساسية في استراتيجية المجموعة، بما في ذلك التعاون مع مستشفى رويال فري لندن، ووزارات الصحة في مختلف أنحاء العالم العربي، وشركات التأمين الإقليمية والدولية.
لكن مع توسع خدماتها، وتطور إمكاناتها التكنولوجية، تتطلع المجموعة إلى توسيع حضورها خارج الأردن. يقول الحموري: "في ضوء خبرة المستشفى التخصصي وسمعته المرموقة، إلى جانب تزايد إقبال المرضى إقليميًا ودوليًا، قرر مجلس الإدارة مواصلة استراتيجية التوسع". وبعد بدء المجموعة توسيع حضورها في المملكة، تدرس حاليًا فرص التوسع في دول عربية أخرى خلال العام المقبل.
يرى الحموري، الطبيب الأردني، البالغ من العمر 66 عامًا، أن التوسع الدولي لا يأتي على حساب وطنه الأردن. بل إن التزامه بتعزيز القطاع الصحي في البلاد شكّل التزامًا راسخًا امتد طوال مسيرته المهنية. فبعد تخرجه في كلية الطب بالجامعة الأردنية عام 1985، حصل على درجة الماجستير في تخصص طب الأطفال، قبل انتقاله إلى المملكة المتحدة للحصول على شهادة الزمالة في طب الاطفال من الكلية الملكية البريطانية، وشهادة اختصاص الغدد الصماء والسكري من جامعة برمنغهام. وفي عام 1993، عاد الى الأردن، حيث عمل لفترة وجيزة كأستاذ مساعد في كلية الطب بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وشارك في تأسيس المستشفى التخصصي، ثم عُين رئيس هيئة المديرين والمدير العام في عام 1999.
يقول: "كان تركيزنا آنذاك ينصب على تطوير المستشفى والارتقاء بمستوى أدائه". وبعد 5 سنوات، في عام 2004، انتُخب رئيسًا لجمعية المستشفيات الخاصة، حيث امتدت فترة توليه لهذا المنصب 20 عامًا. يضيف: "بحكم خلفيتي الأكاديمية، لطالما آمنت بأن الجودة هي الأساس الذي تقوم عليه الرعاية الصحية".
وبالتعاون مع وزارة الصحة الأردنية، ومديرية الخدمات الطبية الملكية، وغيرها من الجهات ذات الصلة، أسهم الحموري في تأسيس مجلس اعتماد المؤسسات الصحية عام 2007، ليكون من أوائل الجهات المستقلة والوطنية من نوعها في الشرق الأوسط، للارتقاء بجودة الخدمات الصحية المقدمة للأردنيين والمرضى الدوليين على حد سواء. وكان المستشفى التخصصي أول مستشفى يحصل على اعتماد المجلس عام 2008، كما حافظ على اعتماد اللجنة الدولية المشتركة (JCI) منذ ذلك الحين.
في حين يكتسب هذا التركيز على الجودة والمعايير الصارمة أهمية خاصة، مع تسارع وتيرة الاستثمار والمنافسة، في قطاع الرعاية الصحية على المستوى الإقليمي، حيث يجرى حاليًا في دول مجلس التعاون الخليجي، تنفيذ أكثر من 160 مشروعًا في قطاع الرعاية الصحية، بقيمة تُقدّر بنحو 53.2 مليار دولار. وتشمل مستشفيات ومراكز تخصصية وبنية تحتية داعمة، وفقًا لاستطلاع بي دبليو سي التاسع والعشرون لانطباعات الرؤساء التنفيذيين في منطقة الشرق الأوسط لعام 2026.
يقول أمجد حماد، رئيس مجلس إدارة شركة جاه للرعاية الصحية، والمؤسس والشريك الإداري لدى شركة (Baraka Prosperity Partners)، وهي منصة استثمارية يقودها مجموعة من الأطباء ومشغلي الرعاية الصحية: "يشهد قطاع الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحولًا من مرحلة التوسع إلى مرحلة بناء منظومة مؤسسية أكثر رسوخًا". ويضيف: "ضُخت استثمارات ضخمة، لا سيما في دول الخليج، في البنية التحتية والتكنولوجيا، لكن التحدي الأهم يتمثل في مدى قدرة هذه المنظومات على تقديم رعاية عالية الجودة ومتسقة، واستقطاب الكفاءات الطبية المتخصصة والاحتفاظ بها، ودمج مختلف مستويات الرعاية بكفاءة".
وفي ظل هذا المشهد التنافسي، وخلال الفترة 2025-2026 عزز الأردن قدرته الاستيعابية في قطاع الرعاية الصحية بإضافة 577 سريرًا إلى المستشفيات، وإعادة تأهيل 49 مركزًا صحيًا، وإنشاء 14 منشأة جديدة، إلى جانب توسيع نطاق الوصول إلى خدمات الرعاية المتخصصة والتطبيب عن بُعد، وذلك كجزء من برنامج التوسع الذي تنفذه وزارة الصحة.
لكن البنية التحتية والخدمات المقدمة، ليست سوى جزء من المعادلة، حيث يشير حماد إلى أن الأردن يتمتع بمقومات تميزه في هذا السياق. وبينما تتمتع دول الخليج بقدرة استثمارية كبيرة، يستند الأردن إلى مزايا تنافسية راسخة، تشمل: كوادر طبية عالية الكفاءة، وقطاعًا خاصًا متطورًا للرعاية الصحية، وقاعدة راسخة من ثقة المرضى في المنطقة. يوضح قائلًا: "لا ينبغي للأردن منافسة دول الخليج من حيث حجم البنية التحتية، بل عليه التنافس على الخبرة السريرية والتخصص والقيمة".
يأتي ذلك في ظل اشتداد المنافسة على استقطاب المرضى في أنحاء المنطقة؛ حيث ارتفعت عائدات السياحة في الأردن باستثناء النقل الدولي بنسبة %7.6 في عام 2025 لتصل إلى 7.8 مليار دولار. كما حققت السياحة العلاجية، بما في ذلك الاستجمام والاستشفاء، نحو مليار دولار، واستقطبت حوالي 230 ألف مريض أجنبي. مع ذلك، انخفض إجمالي عائدات السياحة بنسبة %5.3 على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026، ليصل إلى 3.5 مليار دولار، ما يسلط الضوء على الضغوط الأوسع التي تواجه القطاع.
بالنسبة إلى الحموري، تكمن الإجابة في مزيد من التعاون. يوضح: "سعينا إلى ترسيخ قناعة لدى قادة المستشفيات، بأن المنافسة لا تتعارض مع التعاون. فمن الممكن التنافس فيما بيننا، وفي الوقت نفسه العمل معًا على تعزيز قطاع الرعاية الصحية في الأردن بشكل عام".
فيما يتجاوز دور المستشفى التخصصي نطاق السياحة العلاجية، ليشمل الاستجابة الإنسانية أيضًا؛ فبعد اندلاع الحرب بغزة في أكتوبر 2023، أصبح المستشفى عضوًا مؤسسًا في مبادرة صحة غزة، التي أطلقت في فبراير2024، لتضم اليوم أكثر من 50 منظمة إنسانية. منذ ذلك الحين، أرسل المستشفى فرقًا طبية إلى غزة، وقدم الإمدادات والمعدات الطبية الأساسية، وأسهم في تدريب المتطوعين. كما أطلقت المبادرة التعليم الطبي الافتراضي للطلاب النازحين، وفقًا للحموري.
وعقب إنشاء الأردن "الممر الطبي الأردني" لإجلاء الأطفال من قطاع غزة للعلاج في الأردن، كان المستشفى التخصصي أول مستشفى يستقبل المرضى الذين تم إجلاؤهم. ومنذ ذلك الحين، أسهم مع عدد من المستشفيات الأردنية في علاج ما يزيد عن 800 طفل، إلى جانب تقديم الدعم لما يقارب 1,900 شخص من أفراد عائلاتهم المرافقين.
كما قدم المستشفى التخصصي الدعم للمرضى المتضررين من النزاعات في سوريا واليمن وليبيا والعراق، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية، ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها من الجهات الإنسانية.
أما المرحلة المقبلة لدى الحموري، فقد تشهد مزيدًا من التحولات في قطاع الرعاية الصحية الأوسع في العالم العربي، مدفوعًا بمجموعة من العوامل، أبرزها التغيرات الديموغرافية، والضغوط المالية، والتحولات الجيوسياسية، وتسارع وتيرة التكنولوجيا. ومع تحسن مستويات الرعاية الصحية، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، تشهد المنطقة زيادة في أعداد كبار السن، ما يعزز الطلب على خدمات الرعاية الصحية، والكفاءات الطبية المتخصصة، والمستشفيات، والتكنولوجيا، وفقًا للحموري. وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية التعاون في ظل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتحديات الجيوسياسية.
بينما يشير الحموري إلى أن المستشفى التخصصي يتواصل بصورة منتظمة مع قادة قطاع الرعاية الصحية في الدول المجاورة لبحث فرص تبادل الموارد والخبرات، فضلًا عن أن التعليم والتدريب يمثلان مجالًا آخر للتعاون وتطوير الكفاءات.
أما عن التحول الرقمي، فمن شأنه أن يصبح أكثر أهمية من ذي قبل. يقول: "نحتاج إلى تعاون أكبر في مجالات التطبيب عن بُعد والرعاية الصحية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، مع توظيف التكنولوجيا لتحسين الخدمات، وتقليل هدر الموارد البشرية والمالية". مع ذلك، ومع ازدياد اعتماد الرعاية الصحية على التكنولوجيا، يؤكد على ضرورة جعل الابتكار متجذرًا في احتياجات المرضى: "في نهاية المطاف، على الابتكار أن يظل مدفوعًا باحتياجات المريض. لكن علينا أن نتساءل: ما الذي قد يُحسّن نتائج المرضى بشكل حقيقي؟ وكيف يمكنهم الاستفادة من التكنولوجيا؟"
كذلك يسلط الضوء على التحول الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية في السعودية، بوصفه نموذجًا يمكن لدول عربية أخرى الاستفادة منه. ويشير إلى أن المملكة عملت على توحيد المستشفيات العامة تحت مظلة شركة قابضة (شركة الصحة القابضة)، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في إدارة المستشفيات، بالتوازي مع توسيع نطاق التغطية بالتأمين الصحي. يقول: "هذه تجارب يمكن الاستفادة منها، وتطبيقها في دول أخرى في العالم العربي".
بذلك، يرى الحموري أن التعاون الإقليمي ينبغي أن يصب في هدف أوسع، يتمثل في تحقيق التغطية الصحية الشاملة. يوضح بقوله: "تُعد التغطية الصحية الشاملة، أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي تسعى الدول إلى تحقيقها بحلول عام 2030. نحن طموحون، في الأردن وفي مختلف أنحاء العالم العربي، إلى توسيع نطاق التغطية الصحية، وضمان إتاحة خدمات رعاية صحية عالية الجودة للجميع".
نُشرت هذه القصة ضمن عدد سبتمبر من مجلة فوربس الشرق الأوسط، الذي يضم قائمة أقوى قادة الرعاية الصحية في المنطقة لعام 2026: المؤسسين | التنفيذيين.











