لبنان 15-09-2026 | 06:00

هل لسقوط "علي الطاهر" ارتداداتٌ إقليمية أيضاً؟

صحيحٌ أنّ القمة-الحصن تقع في لبنان. لكنّ امتدادات احتلالها قد تكون أوسع من حدود البلد المحاصَر.

هل لسقوط "علي الطاهر" ارتداداتٌ إقليمية أيضاً؟
مشهد من تفجير إسرائيل لبعض أنفاق تلة علي الطاهر. (أ ف ب)

كان يُعدّ من أقوى الحصون؛ لا في البلاد وحسب، بل في القارّة ككلّ.

 

بنت بلجيكا حصن إيبين إيميل بين سنتي 1932 و1935 قرب مدينة لييج لصدّ هجوم ألمانيّ محتمل بعد وصول النازية إلى الحكم. بالفعل، في 10 أيار/مايو 1945، شنّ النازيون هجوماً على الحصن، فسقط في غضون 24 ساعة تقريباً. كان الهجوم مباغتاً وحصل عبر إنزال جوي، حيث استُخدمت الطائرات الشراعية للمرة الأولى في هكذا عمليات. لم يكن المهاجمون بحاجة إلى تحييد جميع الجنود داخله. مع الإنزال المفاجئ وتعطيل المدفعية، استسلم معظمهم سريعاً، بالرغم من أنهم كانوا يفوقون المهاجمين عدداً بما لا يقلّ عن 10 مرات. اعتقل النازيون حينها أكثر من ألف جندي.

 

يعيد سقوط تلّة "علي الطاهر" في لبنان هذا الحدث إلى الأذهان، بالنظر إلى نقاط التشابه بينهما. فالحصنان يقعان على تلة ويضمان شبكة متقاربة الطول من الأنفاق تحت الأرض وتبلغ نحو 5 كيلومترات. طبعاً صمدت تلّة "علي الطاهر" أكثر بكثير من صمود ابن إيمايل، لكنّ النقطة المشتركة الأهمّ بينهما تكمن في أنّ ما تقدمه الحصون بمواجهة قوى عسكرية تملك إمكانات أكبر بكثير من إمكانات المدافعين، هي أقل من المتصوّر. في جميع الأحوال، يطرح سقوط "علي الطاهر" أسئلة عن إمكانية إطلاقه ارتداداته إقليميّة، لا محلّيّة وحسب.

 

من "علي الطاهر" إلى إيران

 

بين تشرين الأول/تشرين الثاني (أكتوبر/نوفمبر) 2024، أي خلال الغزو الإسرائيلي الأول للبنان عقب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، أوقف الإسرائيليون الحرب البرّيّة في أقلّ من شهرين. سيطروا على قرى الحافة الأمامية من الجنوب، عقب استهداف واسع لمخازن الصواريخ التابعة لـ "حزب الله". حصل هذا الاستهداف بشكل موسّع في سبتمبر/أيلول 2024، خصوصاً في الثالث والعشرين منه. حين توقفت الحرب في 27 تشرين الثاني من السنة نفسها، بدا أن إسرائيل حقّقت معظم أهدافها: إضعاف "حزب الله" ومنعه من شنّ هجوم آخر شبيه بـ "طوفان الأقصى" ضد الجليل.

 

زاوية أخرى للتفجيرات في علي الطاهر (أ ف ب عن الجيش الإسرائيلي)

 

 

لكن لاحقاً، أمكن قراءة أنّ تلك الحرب هدفت أيضاً إلى الإعداد لحرب الاثني عشر يوماً ضد إيران، بغية تقليل قدرة الحزب على شنّ هجمات صاروخية انتقامية وكسر ما وصفه البعض بأنه "حلقة النار" ضد إسرائيل. ما إذا كان احتلال "علي الطاهر" إعداداً لحملة عسكرية إسرائيلية جديدة ضد إيران يستحق المراقبة وإن كان الرابط ضعيفاً هذه المرة. على سبيل المثال، لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتمتع باليد العليا في قرار الحرب والسلم على إيران، ومن غير المحتمل أن يتخلى عن القيادة قبل الانتخابات النصفية، بالحد الأدنى. حتى إسقاط "علي الطاهر" جاء بالقضم والتدرّج خشية إغضاب الإدارة الأميركية. كذلك، إنّ معظم القدرات الصاروخية لدى الحزب مدمّر أصلاً.

 

من "علي الطاهر" إلى اليمن

 

النقطة الثانية التي تستحق المراقبة هي ما إذا كان هجوم الحوثيين المفاجئ في اليمن باتجاه ساحله الجنوبي الغربي المطل على مضيق باب المندب مجرد تعويض عن سقوط "علي الطاهر". في الظاهر، المعادلة واضحة: لم تمنع أميركا الإسرائيليين من السيطرة على واحد من أهم مواقع الحزب في لبنان، بالتالي، لن تمنع طهران الحوثيين من تهديد الملاحة في باب المندب ورفع الكلفة على الاقتصاد العالمي. مجدداً، ليس بالضرورة أن يكون هذا الاحتمال كبيراً. قد يكون تهديد باب المندب مجرد رد إيراني على فاعلية الحصار البحري الأميركي ضدها. تَمثّلَ ذلك بتقليل صادرات الطاقة لديها، والأسعار المعقولة لبرميل النفط قبل الهجوم الحوثي الأخير، واستمرار ارتفاع التضخم في إيران، وبشكل عام، فقدانها التدريجي لـ "تسليح" مضيق هرمز.

 

حوثيون خلال تعبئة في صنعاء، 10 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ب)

 

 

مع ذلك، لا يمكن تماماً تجاهل وجود انتقام إيراني محتمل من الأميركيين في اليمن. فهو لا يترك إسقاط "علي الطاهر" من دون انتقام، خصوصاً بعدما استثمرت إيران كثيراً في دعاية الدفاع عن التلة الاستراتيجية، تحت طائلة إسقاط "مذكرة التفاهم" مع الأميركيين. في الوقت نفسه، لا يعرّضها الانتقام في اليمن لضربات إسرائيلية قد تطال مواقع حساسة أو قيادات رفيعة المستوى، لو قرّرت ضرب إسرائيل لاحتلالها التلّة.

 

كما أنّ أسرار معركة "علي الطاهر" ستحتاج إلى فترة لتتكشّف، كذلك قد يكون الأمر بالنسبة إلى تداعياتها الإقليمية المحتملة. لكنّ الأخيرة قد تكون أسرع إلى الظهور في المدى المنظور.

 

مقالات
إلغاء عقوبة الإعدام، نعم... ولكن
إلغاء عقوبة الإعدام، نعم... ولكن
لبنان حين يعود إلى بيته
لبنان حين يعود إلى بيته
المفاوضات الثلاثية مستمرة
المفاوضات الثلاثية مستمرة
لماذا تتوقع إسرائيل هجوماً إيرانياً عليها؟
لماذا تتوقع إسرائيل هجوماً إيرانياً عليها؟
بين هرمز وباب المندب يضيع اليمن
بين هرمز وباب المندب يضيع اليمن

المصدر الأصلي