المركزية – يشهد باب المندب تحولات دراماتيكية مع إحكام الحوثيين قبضتهم على الساحل الغربي والجزر الاستراتيجية، ما يفتح جبهة ضغط جديدة على الملاحة الدولية ويضاعف النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا التطور يضع السعودية والخليج أمام خيارات صعبة بين التصعيد العسكري المكلف أو الدخول في تفاهمات مع طهران، فيما ترى إسرائيل أن الخطر يمتد إلى أمن البحر المتوسط.

ومع استمرار الهجمات الحوثية على البنية التحتية للطاقة في السعودية، تتزايد الضغوط على الرياض لاحتواء تداعيات الملف اليمني على أمنها واقتصادها، في وقت تتخوف فيه القاهرة من انعكاسات الاضطراب على قناة السويس. هكذا يتحول المضيق إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات اللاعبين المحليين، ما يجعل مستقبل الملاحة في البحر الأحمر رهينة موازين القوة المتغيرة. فإلى أين يمكن ان يؤدي هذا التطور؟

المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يؤكد لـ"المركزية" أن "ملف اليمن يقوم على نقطتين أساسيتين: الأولى، التقدم السريع للحوثيين خدمةً للمشروع الإيراني، حيث تسعى إيران بعد الانتخابات الأميركية إلى التفاوض مع واشنطن على قاعدة أمن الممرات البحرية والطاقة، أي تمرير الغاز والنفط. والثانية، أن هذا التقدم بغض النظر عن السيناريوهات المتداولة، قد يكون نتيجة خيانات داخل بعض القيادات المنتشرة في المخا والبيضاء التابعة للحرس الجمهوري أو المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، وكأن هناك اتفاقًا مسبقًا على إخلاء المنطقة وتسليمها للحوثيين. السيناريو الآخر يشير إلى أن الانسحاب التكتيكي كان يهدف إلى كشف الحوثيين وإخراجهم من الأنفاق والجبال نحو المراكز البحرية، بحيث انسحبت القوات تكتيكيًا لفتح المجال أمام الطيران والقصف. أما السيناريو الثالث فيقول أن الضعف والارتباك داخل القوى العسكرية المنتمية لتشكيلات سياسية متعددة سهّلا عملية الاختراق نتيجة غياب القيادة الموحدة والموقف السياسي الواحد".

ويشير العزي الى ان "الحوثيين استغلوا عوامل عدة: خلافات المجلس الانتقالي، العلاقة المتوترة مع طارق صالح، التباين الإماراتي‑السعودي، غياب التحضير لمعركة باب المندب من قبل الحكومة اليمنية، إضافة إلى إدراكهم أن الأميركي يسيطر على خليج هرمز ولن يسمح بتغلغل على شاطئ المخا. الهجوم كان مفاجئًا ومدعومًا روسيًا وإيرانيًا، وكل طرف يحاول استخدامه كورقة تفاوضية مع واشنطن".

ويضيف: "السعودية من جانبها لم تعتبر أن المشكلة تمس أمنها المباشر في المخا، بل رأت أنها تهديد عالمي يتعلق بخطوط الإمداد والنفط والغاز، ما يضر بالتحالف الدولي والولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا. لذلك جاء ردها على مستويين: الصمت والتحضير لخطوات داخلية، وانتظار المواقف الدولية. أولويات الرياض تتركز على تحرير تعز والبيضاء، حماية خميس مشيط، وتعزيز العلاقة مع القبائل.

في المقابل، الحوثي يسعى لتثبيت وجوده عبر الحواجز والتحصينات وتدفق السلاح، لكن نجاحه مرهون بقدرته على الصمود لشهر على الأقل، وإلا سيتعرض لضربة قد تعيد خلط الأوراق.

داخليًا، طارق صالح، الذي يقود قوات المقاومة الوطنية وتضم 12 لواء، انسحب تكتيكيًا من المخا، معتبرًا أن ما جرى كان نتيجة خيانة من قبل بعض الالوية، ثم زار على إثرها السعودية".

ويعتبر العزي ان "الاتصالات بين الملك سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تثمر موقفًا واضحًا، إذ اكتفى ترامب بالقول إن واشنطن على علم بما حدث، وأن الحوثيين أكدوا عدم نيتهم ضرب المصالح الأميركية أو تعطيل الملاحة. هذا الموقف يعكس ارتباك الإدارة الأميركية التي لم تحسم بعد ملف هرمز، وبالتالي لا ترغب بفتح جبهة جديدة في باب المندب قبل الانتخابات النصفية.

في السياق الأوسع، باب المندب يشكل تهديدًا للتجارة العالمية ولمصر وإسرائيل والخليج، وليس للسعودية وحدها. لذلك تترقب واشنطن مدى فاعلية التحالف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، وهل سيتحول إلى قوة فعلية على الأرض أم يبقى مجرد اتفاق على الورق. نجاح هذا التحالف سيعني أن الرياض وجدت بدائل عن واشنطن، أما فشله فسيعزز الطرح الأميركي بأنها عرضت الحماية منذ البداية".

ويرى ان "المعركة اليوم مفتوحة على كل الجبهات، كما أشار رشاد العليمي، وهي معركة وجود بين الحوثي والدولة اليمنية. التحدي يكمن في قدرة الدولة على توحيد القوى المتفرقة لمواجهة الحوثي وتحرير المناطق المحتلة، خصوصًا أن سقوط تعز وحضرموت يعني عمليًا سقوط اليمن بيد الحوثيين"، لافتًا الى ان "التجربة السابقة في الحُدَيدة واتفاق ستوكهولم أظهرت أن الغرب كان يضغط على الحكومة اليمنية والتحالف العربي، متجاهلًا خروقات الحوثي. لكن المشهد اليوم مختلف، فإيران باتت أضعف وتبحث عن صفقة مع واشنطن لضمان استمرار نظامها".

ويختم العزي: "الأيام المقبلة ستحدد الموقف العربي والدولي، وهل ستتجاوز دول الخليج خلافاتها لتشكيل جبهة موحدة ضد الحوثي، باعتبار أن الخطر لم يعد محليًا بل عالميًا يمس أمن الممرات البحرية ونقل الطاقة".

المصدر الأصلي