المركزية- طرح الثقة بحكومة القاضي نواف سلام... طرح الثقة ببعض الوزراء... إسقاط الحكومة... عناوين تُتداول في الأروقة السياسية كما على صفحات وسائل الإعلام وشاشاتها وأثيرها، عشية انعقاد "جلسة مناقشة الحكومة" التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي على مدى يومَين غداً وبعد غد!

إن مثل هذه الترجيحات دونها تداعيات "كارثية" على الوضع الاقتصادي الهَشّ، كما على الوضع المالي الذي لا يزال يتخبّط بانهيار العام 2009... فكيف لو عطفنا هذَين الوضعَين على الحرب القائمة في الجنوب المؤطَّرة بتهديدات إسرائيلية متصاعدة، بشنّ حرب موسَّعة إن لم يسلّم "حزب الله" سلاحه، في ظل فَرملة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية؟!

ماذا في تداعيات طرح الثقة بالحكومة أو ببعض وزرائها أو إسقاطها... إن حصل؟

الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة يكشف عبر "المركزية" عن تداعيات مثل هذه الخطوة على الوضعَين المالي والاقتصادي، ويقول: من أولى النتائج لسحب الثقة عن الحكومة، هي تحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال. ما يعني أن جميع القرارات المتعلقة بالسياسات التي تتخذها هذه الحكومة ستكون مقيّدة للغاية، الأمر الذي يؤدّي إلى شلل في آلية الإصلاح المالي وسيخلق صدمة هيكلية تؤثر في السياسة المالية، والسياسة النقدية، والسياسة الخارجية.

ويفنّد هذه الانعكاسات على النحو الآتي:

السياسة النقدية: ستفقد حكومة تصريف الأعمال القدرة على تنفيذ سياسات الاحتراز الكلي، وبالتالي لن تملك أي وسيلة للسيطرة على مصرف لبنان. كما ستفتقر الحكومة إلى الغطاء السياسي اللازم لتنسيق سياساتها المتعلقة بالاحتراز الكلي مع مصرف لبنان. ومع الانتقال إلى مرحلة تصريف الأعمال، من المرجّح أن تبرز مخاطر سياسية كبيرة تؤدي إلى خروج رؤوس الأموال الأجنبية، ما يتسبّب في اتساع هامش الفرق بين سعريّ العرض والطلب في المعاملات الرسمية وغير الرسمية. وستتعرّض الليرة اللبنانية لضغوط فورية تدفعها إلى الانخفاض في ظل ظروف تجميع السيولة، وذلك بسبب نقص السيولة في السوق.

 أضف إلى ذلك، ونظراً إلى عجز المصارف التجارية عن ممارسة عملياتها بسبب فقدان الثقة، ستضطر إلى الاحتفاظ بمستويات أعلى من النقد كضمانات لعمليات التبادل التجاري الخارجي، ما سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الاقتصاد.

السياسة المالية: نظراً إلى محدودية صلاحيات حكومة تصريف الأعمال في ما يتعلق بالسياسة المالية، لن يعود بإمكان وزارة المال تقديم مشروع قانون الموازنة وإقراره، أو استحداث واعتماد تدابير مالية جديدة لزيادة إيرادات الدولة. ستتأثر النفقات بالأنماط التي أُقرّت بموجب الموازنة السابقة؛ ونتيجة لذلك، سيتم صرف جميع رواتب القطاع العام والإعانات المالية وفقاً لـ "قاعدة الإثني عشر". ومن شأن هذا الإجراء أن يسرّع وتيرة النفقات بالقيمة الحقيقية ويزيد من الضغوط المالية مع ارتفاع معدلات التضخم.

تجميد السياسة الخارجية: نظراً إلى غياب السلطة المخوَّلة تنفيذ بنود وشروط الـ Extended Fund Facility التابع لصندوق النقد الدولي، لن تتمكن حكومة تصريف الأعمال الجديدة من توقيع اتفاقية نهائية مع الصندوق أو الوفاء بالشروط المسبقة للاقتراض بموجب هذا البرنامج. فعلى سبيل المثال، لن تكون الحكومة قادرة على تنفيذ خطة لمعالجة خسائر القطاع المصرفي، ولا توحيد سعر الصرف بموجب تشريع قانوني. أضف إلى ذلك، ستفتقر الحكومة إلى الصلاحيات اللازمة لإصلاح قوانين المصارف والسرية المصرفية في لبنان بما يتماشى مع المعايير الدولية. وبناءً على ذلك، سيتضرّر التصنيف الائتماني السيادي للبنان، ولن تتمكن حكومة تصريف الأعمال من تقديم تعهّدات طويلة الأجل لسداد الديون. كما ستعجز الجهات الخارجية (المتعددة الأطراف) عن إقراض الحكومة، نظراً إلى عدم قدرتها على استيفاء الشروط المنصوص عليها في اتفاقية "Extended Fund Facility" مع صندوق النقد الدولي.

انكماش القطاع الخاص: سيؤدي تحوّل الحكومة إلى حكومة تصريف الأعمال إلى حالة من الجمود في القطاع الخاص، مما يجعله غير قادر على ضخ استثمارات جديدة. ونتيجة لذلك، لن تعود رؤوس الأموال الأجنبية التي كانت مستثمرة سابقاً في لبنان متاحة لدعم النمو والتنمية. أضف إلى ذلك، ونظراً إلى افتقار الحكومة للثقة وبالتالي المصداقية، ستواجه الشركات المحلية صعوبات متزايدة في إقامة شراكات جديدة أو الحفاظ على الشراكات القائمة مع البنوك أو المؤسسات المالية الأجنبية. كما أن تزايد قلق البنوك الأجنبية بشأن غياب الإيرادات والقدرة على السداد سيؤدي إلى تقلص حجم التمويل الذي توفره هذه البنوك. أيضًا، فإن غياب التنسيق بين المصرف المركزي والمصارف التجارية في ما يتعلق بتمويل التجارة وعمليات تأكيد الاعتمادات المستندية، سيؤدي إلى تدهور العلاقات القائمة بينهما؛ وهو ما سيفضي في نهاية المطاف إلى انخفاض التمويل النقدي، ما يساهم بدوره في توسع حجم الاقتصاد غير الرسمي بشكل أكبر.

المصدر الأصلي