كتب المحامي ميشال فلاّح:
كان أيلول يأتي إلى بيروت مختلفاً. يخفّ وهج الصيف قليلاً، ويتسلّل إلى الليل نسيم البحر، وتبدأ المدينة، في الرابع عشر من الشهر، باستقبال عيدٍ لم يكن يحتاج إلى كثير من الزينة كي يُرى. كان يكفي أن يحلّ المساء، وأن ترتفع العيون نحو التلال المحيطة ببيروت، حتى تظهر النيران واحدة بعد أخرى، كأن الجبال تتبادل فيما بينها خبراً قديماً لم تشأ أن تنساه. إنه عيد ارتفاع الصليب.
في الذاكرة المسيحية، ليس الصليب احتفالاً بالألم، بل بتحوّل الألم إلى رجاء، والموت إلى قيامة. فالخشبة التي كانت علامة عذاب صارت في الإيمان المسيحي علامة خلاص ومحبة وانتصار. ويقترن العيد في الرابع عشر من أيلول بتقليد كنسي قديم مرتبط بتكريم خشبة الصليب وبكنيسة القيامة في أورشليم.
أما في لبنان، فقد خرج العيد منذ قرون من جدران الكنيسة إلى الجبال والساحات والبيوت.وكانت النار أجمل لغاته. يربط التقليد الشعبي إشعالها بقصة القديسة هيلانة والعثور على الصليب، إذ تناقلت الروايات أن النيران أُوقدت على المرتفعات لنقل البشارة من مكان إلى آخر. ومهما تعددت تفاصيل الرواية، فإن المؤكد أن هذه العادة ضاربة في القدم في لبنان. فقد وصف رحالة أوروبيون، منذ القرنين السادس عشر والثامن عشر، الجبال اللبنانية ليلة العيد وقد امتلأت بالنيران، حتى بدت البلاد كتلة من الضوء.
ويمكن تخيّل بيروت في أواخر القرن التاسع عشر وهي تستقبل تلك الليلة. مدينة لا تزال صغيرة قياساً إلى بيروت التي ستولد لاحقاً. أحياء تتوسع خارج السور القديم، وبيوت ذات سطوح وقرميد، وكنائس تدق أجراسها في الأشرفية والجميزة والمصيطبة ورأس بيروت وما حولها. ومع حلول الظلام، كانت النار تشتعل في المناطق المرتفعة، فيما تلوح نيران أخرى من قرى المتن وبعبدا وكسروان، فيبدو الأفق وكأنه يحمل عقداً من الضوء حول المدينة.
وكان للصغار حصتهم الكبرى من العيد. قبل أيام، يبدأ جمع الحطب والأغصان والأعشاب اليابسة. يصبح إعداد النار مشروع الحي كله تقريباً. يتنافس الصبية على من جمع أكثر، ثم تأتي ليلة الثالث عشر من أيلول، فتُشعل الأكوام، ويجتمع حولها الكبار والصغار. في القرى عُرفت هذه النار في بعض المناطق باسم «القبّولة»، وكانت ترافقها الصلوات والفرح والزغاريد والتصفيق.
لكن خلف الفرح الشعبي كان ثمة معنى أعمق. فالنار لم تكن نار إحراق، بل نار إعلان. ضوء يقول إن العتمة ليست الكلمة الأخيرة. وفي البيوت، كان للعيد طعمه أيضاً. تروي التقاليد الشعبية أن النساء كنّ يصنعن من العجين صلباناً صغيرة تُحمل إلى الكنيسة لتُبارك، ثم تعود إلى المنازل لتوضع بين الغلال والمؤونة طلباً للبركة. وعلى الموائد حضرت أطعمة بسيطة من ذاكرة الريف اللبناني: القمح المسلوق، والزلابية، والمعكرون بالسكر أو الدبس وغيرها.
وكان عيد الصليب أيضاً موعداً مع الفصول. فاللبناني الذي عاش قريباً من الأرض قرأ السنة بالأعياد. ومن هنا جاء المثل الشعبي: «عيّد وطلّاع، صلّب ونزّال». فالصليب كان يشير، في الذاكرة الزراعية، إلى بدء العودة من المرتفعات والاستعداد للخريف ومواسمه. وكانت «الصليبيات»، أي مراقبة أحوال الطقس في الأيام التالية للعيد، جزءاً من الموروث الذي استعان به الفلاحون لاستشراف طقس السنة ومواسمها.
ومع دخول القرن العشرين واتساع بيروت، ثم انتشار الكهرباء وتغيّر شكل الأحياء وأنماط الحياة، تبدّلت أشياء كثيرة. صارت المدينة أعلى وأكثر ازدحاماً، وتراجعت مساحات الحقول والبساتين أمام الإسمنت، لكن ليلة الصليب بقيت تقاوم النسيان.
حتى منتصف القرن العشرين، ظل ممكناً أن يكون العيد مناسبة يتداخل فيها جرس الكنيسة مع أصوات الحي، والصلاة مع اجتماع العائلة، والنار مع ذاكرة الجدود. لم يكن الناس بحاجة إلى تفسير لاهوتي طويل للصليب، كانوا يعرفونه من حياتهم نفسها: مرضاً يُحتمل، وغياباً يُصبر عليه، وتعباً يُقدَّم بصمت، ثم أملاً بأن وراء الجلجلة قيامة.
وربما لهذا التصق عيد الصليب بلبنان على نحو خاص. فهذا البلد عرف، أكثر مما ينبغي، معنى أن يحمل الإنسان أثقاله ويبقى واقفاً. وحين كانت النار تشتعل فوق تلاله في ليلة أيلول، لم تكن تقول إن اللبنانيين لا يتألمون. كانت تقول شيئاً أكثر تواضعاً وأشد جمالاً: إنهم، كلما أظلمت الطريق، كانوا يشعلون فوق التلة ناراً... كي يتذكروا أن بعد الصليب قيامة.









