من هيمنة الدولار إلى أفول جيل الطفرة السكانية
من هيمنة الدولار إلى أفول جيل الطفرة السكانية
Saturday, 12-Sep-2026 07:10

في حوار لافت بين البروفيسور الصيني جيانغ شيويه تشين والإعلامي الهندي راج شاماني، تمزَّق القناع عن "النظام العالمي الحالي". لم يعُد الأمر يتعلّق بحرب باردة أو قطبية جديدة، بل بشبكات متقاربة في مكان ومتقاطعة في مكان آخر: شبكات مال، قوى خفية، وأنانية أجيال حكمت العالم لعقود. الغرب يتراجع لكنّه متغطرس. والشرق يصعد لكنّه مثقل بأزمات ديموغرافية واقتصادية. وبينهما يقف العالم على مفترق: إمّا إعادة هيكلة نحو نظام عالمي جديد، أو انهيار بطيء إلى الهاوية.

يناقش شيويه تشين في حلقة البودكاست مع شاماني زَيف النظام العالمي الحالي وأسلوب الهيمنة الذي تتبعه الولايات المتحدة عبر شبكات المال والقوى الخفية. كما يوضح أنّ الغرب يعاني من التراجع والغطرسة بسبب أنانية جيل الطفرة السكانية وحماية مصالحهم، في حين تواجه القوى الصاعدة الأخرى أزمات ديموغرافية واقتصادية حادة.

1- هيمنة الولايات المتحدة: ليست قوّة... بل شبكة

يشرح البروفيسور جيانغ أنّ قوّة الولايات المتحدة لم تكن يوماً في الجيوش فقط. إنّما قوّتها الحقيقية في 3 شبكات:

- شبكة المال: الدولار، الفيدرالي، وول ستريت، وصندوق النقد، كأدوات عقاب ومكافأة.

- شبكة السرد: الإعلام، الجامعات، مراكز الفكر التي تصنع "الشرعية" الأخلاقية للهيمنة.

- شبكة القوى الخفية: تحالفات المصالح بين السياسيّين والشركات الكبرى واللوبيات التي تحمي مصالحها، حتى لو كان الثمن حروباً وأزمات.

النتيجة: عالم تُدار أزماته لا تُحل، لأنّ الأزمة نفسها مصدر ربح.

2- غرب متغطرس... لكنّه يتراجع

سبب التراجع، بحسب جيانغ، ليس الصين ولا روسيا. إنّما أنانية جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers)، لأنّه جيل استنزف ثروات الدولة في معاشات وامتيازات، وحمى مصالحه على حساب الأجيال القادمة. فكانت النتيجة بنية تحتية متهالكة، ديون متراكمة، وانقسام مجتمعي. لكن بدل المراجعة، يختار الغرب "الغطرسة": المزيد من العقوبات، المزيد من التدخّل، والمزيد من إنكار الواقع.

3 - القوى الصاعدة: صعود بثمن باهظ

الصين، الهند، دول الجنوب العالمي... كلها تواجه الفخ عينه.

- أزمة ديموغرافية: شيخوخة سريعة، انخفاض مواليد، وعبء معاشات.

- أزمة اقتصادية: ديون، فقاعات عقارية، واعتماد على التصدير لأسواق متعبة أصلاً.

- أزمة شرعية: كيف تقنع شعبك بالتضحية من أجل "صعود وطني"، بينما هو يريد وظيفة وبيتاً وزواجاً؟

الصعود هنا ليس انتصاراً سهلاً. هو سباق مع الزمن قبل أن تنفجر الأزمات الداخلية.

يقدِّم البودكاست حواراً تحليلياً يناقش زَيف النظام العالمي الحالي، وتأثير شبكات المال والقوى الخفية على الحكومات خلال العقود القادمة. ويشير المحللون إلى أنّ الغرب يعاني من التراجع والغطرسة، بينما تواجه القوى الأخرى أزمات ديموغرافية واقتصادية عميقة. الحرب تلقي بظلالها على الآفاق الاقتصادية العالمية وتعيد تشكيل أولويات السياسات.

فقد أدّى الصراع في الشرق الأوسط إلى توقف زخم النمو. وهناك حاجة إلى انتهاج سياسات سليمة وتعزيز التعاون العالمي لاحتواء الأضرار. وفي ظل سيناريو حاد، حيث تمتد فيه الاختلالات في إمدادات الطاقة إلى العام المقبل، وتصبح توقعات التضخُّم أقل ثباتاً بكثير، وتتشدَّد الأوضاع المالية بحدّة، سينخفض النمو العالمي إلى 2% هذا العام والعام المقبل، بينما سيتجاوز التضخّم الـ6%.

وعلى رغم من الأخبار الأخيرة عن الوقف الموقت لإطلاق النار، فقد وقع بعض الضرر بالفعل، ولا تزال مخاطر التطورات السلبية مرتفعة. وسيختلف تأثير الصراع من بلد لآخر. وكما حدث في طفرات أسعار السلع الأولية السابقة، فإنّ البلدان المستوردة لها معرَّضة بشدّة للخطر.

ومن المرجّح أن تكون الاقتصادات منخفضة الدخل، والاقتصادات النامية هي الأكثر تضرُّراً، وخصوصاً تلك التي تعاني من مواطن ضعف ولديها احتياطيات محدودة.

وستواجه البلدان المصدّرة للطاقة في منطقة الخليج تداعيات اقتصادية نتيجة تضرُّر البنية التحتية، اضطرابات الإنتاج، القيود على التصدير، وضعف السياحة وأنشطة قطاع الأعمال. وستنخفض تحويلات العاملين في الخارج إلى البلدان التي يفد منها العاملون إلى المنطقة.

النظام يفك نفسه

ما قاله جيانغ وشاماني يختصر لحظة تاريخية: النظام العالمي الحالي لا يسقط بفعل عدو خارجي، بل يذوب من الداخل. فالولايات المتحدة تخنق العالم بشبكاتها، لكنّها تخنق نفسها بديونها وأنانية نخبتها. فيما القوى الصاعدة تريد التغيير، لكنّها تحمل أمراض الشيخوخة والاقتصاد الهش عينها.

العالم الجديد لن يولد من خطاب "تعدُّد الأقطاب". لكنّه سيولد عندما تنهار خرافة أنّ هناك "مركزاً" يوزّع الشرعية والمال والعدالة. وحتى ذلك الحين، ستظل الشعوب هي مَن تدفع فاتورة زَيف النظام: بالحروب، التضخم، والانتظار. والسؤال الذي تركه اللقاء معلّقاً: مَن سيبني البديل؟ ومَن سيدفع ثمنه؟

المصدر الأصلي