وطنية - نعى راعي أبرشية مار مارون في كندا المطران بول – مروان تابت الأباتي بولس نعمان، وقال في كلمة تأبينية: "في لحظة الوداع، تعجز الكلمات أحيانًا عن أن تفي الإنسان حقه، وخصوصًا عندما نودّع رجلاً لم تختصر حياته في سنوات عاشها، ولا في مسؤوليات تقلّدها، بل في رسالة تركت أثرًا في الرهبانية والكنيسة والوطن. اليوم نودّع الأباتي بولس نعمان، ابن الرهبانية اللبنانية المارونية، والراهب الذي جعل من حياته مسيرة بحث عن الله، وخدمة للإنسان، والتزامًا بلبنان الذي أحبّه وحمله في قلبه وفكره وصلاته. كان الأباتي بولس رجلًا روحيًا، لكن روحيته لم تكن منفصلة عن واقع الإنسان. كان يؤمن بأن الإيمان الحقيقي لا يعزلنا عن قضايا الناس، بل يجعلنا أكثر قربًا منهم، وأكثر إحساسًا بآلامهم، وأكثر مسؤولية تجاه مستقبلهم. وفي هذا المعنى، كان لبنان بالنسبة إليه أكثر من وطن، كان رسالة. وكانت المارونية بالنسبة إليه أكثر من هوية، كانت دعوة إلى الشهادة للإنسان والحرية والعيش المشترك. لقد عاش الأباتي بولس زمنًا صعبًا من تاريخ لبنان، وشهد حروبه وانقساماته وأوجاعه، لكنه لم يسمح لهذه التجربة بأن تطفئ في داخله الإيمان بأن لبنان يستحق أن يبقى وطنًا للحرية والكرامة والتعدد. قد نختلف مع بعض قراءاته أو مواقفه، وهذا أمر طبيعي في حياة رجل اختار أن يكون حاضرًا في قضايا وطنه، لكننا لا نستطيع إلا أن نحترم صراحته، وشجاعته، وإيمانه بما كان يقول ويفعل. وفي الرهبانية، لم يكن حضوره إداريًا فقط. كان يحمل همّ الرهبنة ورسالتها، ويؤمن بأن الرهبان مدعوون إلى أن يكونوا في قلب المجتمع، لا على هامشه، وأن الدير ليس مكانًا للابتعاد عن العالم، بل مكانًا لاستمداد القوة الروحية لخدمة العالم. لقد خدم الرهبانية اللبنانية المارونية في زمن كان لبنان فيه بأمسّ الحاجة إلى أصوات تعرف كيف تجمع بين الإيمان والوطن، وبين الصلاة والمسؤولية، وبين التراث والانفتاح على المستقبل. ومن هنا، فإن رحيله يترك فراغًا في أكثر من مكان. يفتقده إخوته الرهبان. وتفتقده الكنيسة. وتفتقده الأجيال التي عرفت فكره وشهادته. ويفتقده لبنان الذي كان حاضرًا في كل مراحل حياته".
وتابع: "أما نحن، أبناء الكنيسة المارونية في لبنان والانتشار، فنرى في رحيله دعوة جديدة إلى استعادة ما كان يؤمن به: أن لبنان لا يحفظه أبناؤه بالشعارات، بل بالإيمان به، وبخدمته، وبالدفاع عن إنسانه وحريته وكرامته. الأباتي بولس، اليوم نودعك بالجسد، لكننا لا نودّع رسالتك. فالراهب لا يرحل عندما ينتقل إلى بيت الآب، إذا كان قد ترك وراءه صلاةً، وفكرًا، وشهادةً، وأناسًا تعلّموا منه معنى الخدمة. نصلّي اليوم كي يستقبلك الرب في ملكوته، حيث لا وجع ولا خوف ولا انقسام، وحيث يجد الراهب الذي أمضى حياته في خدمة الله والإنسان الراحة التي طالما بحث عنها. ولنصلِّ أيضًا من أجل لبنان، ذلك اللبنان الذي أحببته، والذي حملته معك في صلاتك وفكرك وشهادتك. يا رب، أعطِ لبنان السلام الذي طال انتظاره، وأعطِ أبناءه حكمة أن يحفظوا وطنهم، وأعطِ كنيستنا ورهبانيتنا رجالاً يحملون الرسالة نفسها: إيمانًا بلا خوف، ورجاءً بلا يأس، ومحبةً لا تعرف حدودا".
============= ل.خ








