وطنية - عقدت جمعية "المبرّات" الخيرية، ضمن فعاليات المؤتمر التربوي الخامس والثلاثين، ندوة بعنوان "إعادة هندسة التربية: الإنسان، التقنية والأثر"، تناولت التحولات التي يشهدها التعليم في ظل التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وضرورة إعادة النظر في أدوار المعلّم والمتعلّم وغاية العملية التربوية، بما يسهم في بناء إنسان رسالي قادر على التفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية وصناعة الأثر، قدّم لها رئيس قسم علوم الكمبيوتر في جامعة العلوم والآداب اللبنانية الدكتور ياسر فضل الله، وشارك فيها كل من الأستاذ في جامعة القديس يوسف- كلية العلوم التربوية البروفيسور نعمة صفا، استشارية تربوية ومدرّبة محترفة في النمو الشخصي والمهني الدكتورة غنوة عيتاني، الأستاذ في جامعة هارفارد- كلية الدراسات العليا للتربية البروفيسور كريستوفر ديدي، الأستاذة مساعدة في معهد التربية- جامعة كوليدج لندن الدكتورة ليلى كاديوال، وحضرها نخبة من الوجوه الفكرية والتربوية والتعليمية.
صفا
وفي مداخلته بعنوان "إعادة تشكيل هوية المعلّم المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي"، تناول البروفيسور صفا أثر الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، مشيرًا إلى "انتقال بعض الأدوار التعليمية إلى الأنظمة الذكية، وما يفرضه ذلك من إعادة النظر في الممارسات التربوية وفي هوية المعلّم وعلاقته بالمتعلّم".
وحذّر من "التفويض المعرفي الناتج عن الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي، حيث يعمد المتعلّم إلى إسناد مهام التفكير والكتابة وحل المشكلات إلى الأدوات الذكية، بما قد ينعكس على مهارات التفكير والانخراط في التعلّم والتنظيم الذاتي. وفي المقابل، شدّد على أن البعد الإنساني والعاطفي في التربية، القائم على التعاطف وفهم حاجات المتعلّم وخلفيته، يبقى عنصرًا أساسيًا لا تستطيع الآلة أن تحلّ مكانه".
ودعا إلى "الانتقال من علاقة تنافسية بين المعلّم والذكاء الاصطناعي إلى علاقة تكاملية، ضمن تفاعل يجمع المعلّم والمتعلّم والتكنولوجيا، بحيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتدريب الطلاب على التدقيق والتحليل والتفكير النقدي، فيما يتحول المعلّم إلى قائد لعملية التعلّم، ينسّق بين التكنولوجيا والعلاقة الإنسانية"، مؤكدًا أن "الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عاملًا محفزًا لتطوير هوية المعلّم المهنية إذا استُخدم بصورة واعية".
عيتاني
بدورها، تناولت الدكتورة عيتاني في مداخلتها بعنوان "من الامتثال إلى الفاعلية: كيف تبني المنظومة التربوية إنسانًا رساليًا؟" الفجوة بين الأهداف التي تعلنها المؤسسات التربوية وما تكافئه في ممارساتها اليومية، مشيرة إلى "فجوة المكافأة" التي تجعل المدرسة تدعو إلى التفكير النقدي والمبادرة والمسؤولية، بينما تكافئ في كثير من الأحيان الإجابة المتوقعة والالتزام بالتعليمات.
وأكدت أن "بناء الإنسان الرسالي يتطلب إعادة النظر في المنظومة التربوية على مستويات السياسات والمؤسسة والصف، من خلال توفير مرونة أكبر في المناهج والتقويم، وتوزيع المسؤولية، ومنح المعلّم مساحة لاتخاذ القرار المهني، وإعطاء المتعلّم صوتًا حقيقيًا ومساحة للاختيار وتحمل نتائج قراراته".
وخلصت إلى "ضرورة الانتقال من منظومة تدير سلوك المتعلّم إلى منظومة تبني قدرته على إدارة ذاته، وقراءة الواقع، والمبادرة، وتحمل المسؤولية"، معتبرة أن "الفاعلية الحقيقية تقاس بامتلاك المتعلّم قرارًا وقدرته على التأثير في المسار وتحمل نتائج اختياراته، وطرحت في ختام مداخلتها سؤالًا أساسيًا: "إذا كانت غايتنا بناء إنسان رسالي، فما الذي ينبغي أن تتوقف منظومتنا عن مكافأته؟".
ديدي
ومن خلال مداخلة عبر الفيديو، ركّز البروفيسور ديدي على "أهمية الاستثمار في الذات بوصفه مدخلًا لخدمة الآخرين، من خلال توسيع المعرفة وصقل المهارات وتطوير القدرة على بناء الأفكار والرؤى الخاصة". وأكد أن "المعرفة تصبح أكثر قيمة عندما يعيد الفرد التفكير فيها من خلال تجاربه ومعتقداته ووجهة نظره الشخصية، بدل الاكتفاء بنقل أفكار الآخرين".
وفي هذا السياق، حذّر من "جعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية في عملية التفكير، بحيث يكتفي المتعلّم بجمع أفكار الخبراء والمصادر وتوليفها"، معتبرًا أن "ذلك قد يحرمه من تجربة التعلّم التي تسهم في بناء قدراته وصوته وإبداعه. ودعا إلى أن يبدأ الإنسان من رؤيته الخاصة، ثم يستخدم المصادر الخارجية والذكاء الاصطناعي لتوسيعها وإغنائها، لتكون التكنولوجيا أداة داعمة للتفكير والتعلّم، لا بديلًا عنه، بما يعزز قدرة الفرد على تقديم إسهامات أصيلة وذات معنى".
كاديوال
وفي مداخلة ثانية عبر الفيديو، تناولت الدكتورة كاديوال مفهوم التربية المسؤولة، مؤكدة "ضرورة انتقال التعليم من إعداد أفراد يمتلكون المهارات إلى تنشئة أفراد رساليين يرون في معارفهم مسؤولية تجاه المجتمع والعالم، وفي عملهم رسالة تتجاوز حدود المهنة".
وميّزت "بين التعليم الذي تقاس قيمته بالمنفعة والجدوى الاقتصادية، والتعليم الذي ينمّي حُسن التقدير والقدرة على التمييز بين ما هو عادل وغير عادل، مشيرة إلى أهمية تناول قضايا البيئة والحروب والأزمات والتكنولوجيا والتفاوتات الاجتماعية، وتشجيع المتعلّمين على فهم الواقع والتفكير في إمكانات التغيير".
وأكدت أن "التربية المسؤولة تقوم على الحوار والتفكّر والبحث وطرح الأسئلة، وتنمية روح الجماعة والمسؤولية تجاه المجتمع، والتوازن بين البعدين المادي والروحي، وحماية البيئة، واحترام التنوع والانفتاح على العالم، وتنمية التفكير النقدي والقدرة على مواجهة التضليل".
كما أشارت إلى أن "التربية لا تقوم على اكتساب المعرفة فقط، بل تتطلب أحيانًا التخلّي عن التعلّم عبر مراجعة الأفكار وأنماط التفكير التي قد تلحق الضرر بالإنسان، للوصول إلى معرفة أكثر عدالة ومسؤولية".
وأجمعت المداخلات على أن إعادة هندسة التربية لا تعني إدخال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى العملية التعليمية فحسب، بل تستدعي إعادة تعريف غاية التعليم وأدوار أطرافه وطبيعة المعرفة وموقع الإنسان فيها، بما يحقق التكامل بين الإنسان والتقنية والأثر، ويحوّل المدرسة من مساحة لاكتساب المعرفة والامتثال إلى بيئة لبناء إنسان واعٍ، ناقد، مسؤول، مبادر، وقادر على تحويل معرفته إلى أثر ورسالة في المجتمع والعالم.
=== و.خ











