المركزية - يشير تقرير حديث صادر عن مرصد القطاع العام في مؤسسة لابورا إلى تراجع ملحوظ ومستمر في حضور المسيحيين داخل الإدارات الرسمية اللبنانية، ما يعكس خللاً بنيوياً في التوازن الوطني. فبعد أن بلغت نسبتهم نحو 42.5% عام 1990، انخفضت إلى أقل من 26.5% عام 2008، ثم سجّلت 34.8% في القطاع المدني و32.5% في العسكري عام 2019، لتستقر عام 2024 عند حدود 31% فقط.

هذا التراجع لا يقتصر على الأرقام العامة، بل يتجلى في أمثلة ملموسة: تعيينات في مستشفى بيروت الجامعي خلت من أي حضور مسيحي، ومرسوم في وزارة المال شمل 54 محاسباً بينهم ثلاثة مسيحيين فقط، إضافة إلى ترقية واحدة مقابل ستة موظفين من طوائف أخرى في وزارة الطاقة.

فما سبب التراجع المستمر في نسبة حضور المسيحيين في الوظائف العامة؟

رئيس مؤسسة "لابورا"، الأب طوني خضرا، يؤكد لـ"المركزية" أنّ "المشكلة لا تكمن في الأعداد إلا نادراً، باستثناء المؤسسة العسكرية حيث لا يتقدّم المسيحيون إلى الجيش اللبناني. أما في باقي المؤسسات، فلا مشكلة تُذكر. على سبيل المثال، صدرت منذ أسبوعين نتائج قوى الأمن العام، حيث تمّ قبول 750 شاباً لبنانياً، بينهم 375 مسيحياً و375 مسلماً، من أفضل الشباب، ومن دون أي وساطة، فقط وفق العلامات. تقدّم 700 مسيحي و12 ألف مسلم، فإذا نظرنا إلى العدد نجد أنّ هناك مشكلة، لكن إذا نظرنا إلى النتيجة، نرى أنّ القوى الأمنية، مع الشكر الكبير لها، ما زالت محافظة على المناصفة".

ويرى الاب خضرا ان "المشكلة تكمن في التعيينات، وفي غياب الشراكة داخل الدولة وعدم تطبيق القانون"، مشيرًا إلى أن قرارات صادرة عن مجلس شورى الدولة أو المحاكم لا تُنفَّذ، مثل قرار إعادة مديرة الوكالة الوطنية للإعلام إلى مركزها، إضافة إلى نحو 15 حالة مشابهة.

كما يلفت إلى أنّ بعض المراكز تُحجَب عن أشخاص مؤهلين بحجة وجود "شبهة"، فيما يتم تعيين آخرين من طوائف أخرى رغم صدور أحكام قضائية بحقهم. وهو ما يتعارض مع مبدأ الكفاءة والشفافية". ويستشهد بأمثلة، منها رئيس دائرة في بلدية بيروت، والمركز مخصص للموارنة، أٌُبعِد عن مركزه بسبب تهمة، لكن المحكمة برّأته لاحقاً، ومع ذلك لم يُعد إلى موقعه. هذا ظلم واضح".

ويضيف أن "مشاريع دولية، مثل مشروع البنك الدولي الذي خصّص 200 مليون دولار للمزارعين بين مساعدات وقروض، نعلم مسبقاً أنّها ستوزّع وفق المحاصصة، لا الكفاءة.

ويلفت الأب خضر إلى أنّ "المجال مفتوح حاليًا لنحو سبع وظائف مدنية خارج السلك العسكري تقدّم إليها المسيحيون. ففي الجمارك مثلًا، مطلوب 150 موظفًا (وظيفة مدنية)، وقد فُتحت الدورة منذ أسبوعين، بينما لدينا لهذه الوظيفة، منذ أربعة أشهر، 600 شاب مسيحي مسجّل.

كما يطرح تساؤلات حول آلية التوظيف في مطار القليعات، مشدّدًا على ضرورة أن تكون مبنية على الكفاءة لا على المحاصصة السياسية؟ ويضيف: "لدينا مكاتب في القبيات وزغرتا والشمال، وأشخاص مؤهّلون يرغبون في العمل في المطار، فليُفتح المجال أمامهم".

ويشير إلى أن "في مطار بيروت، جرى قبل شهر تعيين موظف جديد في منصب حساس، كان قد بدأ التداول باسمه قبل خمسة أشهر. مع ذلك، أُرهِق مجلس الخدمة المدنية بإعداد الملفات، وانشغل الوزير بنقل الأسماء إلى مجلس الوزراء ومن ثم مناقشتها، قبل أن يُعيَّن في النهاية من اختير مسبقًا لأن طائفته أرادت ذلك".

ويشير الاب خضرا الى ان "منذ تأسيس "لابورا" عام 2008، بدأنا نوجّه الشباب المسيحي إلى الانخراط في مؤسسات الدولة، وحققنا نتائج مهمة. ففي امتحانات القضاة حصلنا على نسبة نجاح بلغت 68%، وفي دورة كتّاب العدل كانت النسبة مرتفعة أيضاً. هذا دليل على أنّ العمل الجاد يؤتي ثماره، وأنّ المنافسة يجب أن تكون على أساس العلامات والكفاءة، لا على أساس الطائفة أو الوساطة. وباعتبارنا مكوّنًا مسيحيًا نساهم في الضريبة وندفع 60% من موازنة الدولة، فإننا نطالب بحقّنا في التوظيف".

ويتابع: "لا نطالب بالمناصفة أو التوازن الطائفي، بل بتعيينات قائمة على الكفاءة والنزاهة، لأنّ ذلك وحده يبني دولة قوية وعادلة. الدولة يجب أن تكون منصفة، وأن تضم أشخاصاً قادرين على العمل بجدية بعيداً عن الفساد والمحاصصة، وألا تتحوّل التعيينات إلى وسيلة لتوزيع المغانم".

ويختم: "كما يقول مار بولس: "التنافس في الصالحات"، ومن يربح فليُهنَّأ، لكن يجب أن يُترك القانون والمؤسسات الرقابية لتقوم بدورها، ومن يشعر بالظلم يمكنه أن يطعن لدى شورى الدولة أو التفتيش المركزي، وإذا كان محقاً سينال حقه".
 

المصدر الأصلي