فتح الإعلان الإسرائيلي عن تحقيق "سيطرة عملياتية" على تلة علي الطاهر، بالتزامن مع الحديث عن احتمال تقليص القوات الإسرائيلية جنوب الليطاني، بابا واسعا أمام روايات متضاربة بشأن ما جرى وحجم الإنجاز الميداني الذي تحقق.
وبينما يرى فريق أن السيطرة تمثل انتصاراً استراتيجياً ورسالة بشأن مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب، يشكك آخرون في الرواية الإسرائيلية، مؤكدين أن طبيعة ما جرى لا تزال غامضة.

هذا التباين كان محور نقاش بين الكاتب والباحث السياسي بديع يونس، والأكاديمي والباحث السياسي علي مطر، خلال حديثهما إلى "سكاي نيوز عربية".

رسالتان من إسرائيل

قال يونس إن الحديث عن تقليص القوات الإسرائيلية يحمل رسالتين، أولاهما تتعلق بما وصفه بالنصر المتحقق في علي الطاهر، والثانية موجهة إلى الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، ومفادها أن إسرائيل لا تنوي التوسع أو البقاء إذا تأمنت حدودها وانتهى التهديد، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أمني.
وأوضح أن مصطلح "السيطرة العملياتية" يعني إنهاء إمكانية استخدام التلة في استهداف الأراضي الإسرائيلية، بالنظر إلى أهميتها الجيوستراتيجية، حتى لو بقي وجود ميداني لحزب الله شمال الليطاني.

في المقابل، قال مطر إن حجم الإنجاز الإسرائيلي يحتاج إلى مزيد من الفهم والتوضيح، معتبراً أن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال غامضاً.

وأشار إلى وجود معطيات تفيد بأن القوات الإسرائيلية لم تدخل فعلياً إلى المنشآت، وأن المنطقة تضم منشأتين أو أكثر وليس منشأة واحدة، كما أن الفيديو المتداول لم يُظهر سيطرة كاملة. ولفت إلى أن صحفاً لبنانية غير مؤيدة لحزب الله شككت أيضاً في الرواية الإسرائيلية.

من ضخّم أهمية الموقع؟

رأى يونس أن ما جرى يعكس نمطاً معتاداً لدى حزب الله، يقوم على تعظيم قيمة المواقع قبل خسارتها ثم التقليل من أهميتها بعد ذلك.

وأشار إلى أن مصادر قريبة من الحزب تحدثت عن وجود إيراني في علي الطاهر، ووصفت المعركة بأنها "كربلائية"، قبل أن تحدد إسرائيل توقيت الدخول وينسحب عناصر الحزب، ويسقط نحو 15 عنصراً داخل أحد الأنفاق، وفق قوله.
واعتبر يونس أن إسرائيل استفادت من تضخيم أهمية الموقع لتقديم إنجاز يمكن أن يوظفه نتنياهو انتخابياً.

ورفض مطر هذا التوصيف، مؤكداً أن مصادر حزب الله الرسمية لم تقل إن معركة علي الطاهر ستؤدي إلى "حرب كبرى"، وأن مصطلح "الكربلائية" استخدمه صحفيون ومحللون وليس مسؤولو الحزب. ورأى أن إسرائيل هي التي ضخمت حجم المنشأة لإظهار إنجاز قبل الانتخابات، مشدداً على أن أحداً لم يقلل من أهمية الموقع.

السلاح وعلاقة الحزب بالدولة

اعتبر يونس أن ملف علي الطاهر يكشف طبيعة علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية، قائلاً إن الحزب فضّل تسليم الموقع إلى إسرائيل على تسليمه للجيش اللبناني، خشية أن يفتح ذلك الباب أمام نزع سلاحه.

ودعا الدولة إلى اتخاذ قرار حاسم لتطبيق القرارات المتعلقة بالسلاح، معتبراً أن التداخل بين جناحي الحزب السياسي والعسكري يزيد من تورط لبنان.

أما مطر، فقال إن الجيش اللبناني لم يدخل منشآت علي الطاهر لأنها تقع خارج نطاق القرار 1701، ولرغبته في تجنب صراع مع حزب الله لا يخدم لبنان.

وأضاف أن الحزب لم يسلّم الموقع خشية استغلال إسرائيل دخول الجيش لقصفه مجدداً أو التوسع، مشيراً إلى أن حزب الله سلّم منشآت وصواريخ ومعدات للجيش بعد اتفاق 24 تشرين.
تغيّر الموازين وفخ التفاوض

أكد مطر أن حزب الله يدرك تغير موازين القوى لصالح إسرائيل، لكنه يمتنع عن الرد لأن "الظروف لا تسمح"، تاركاً المجال أمام الدولة من دون اعتبار دوره منتهياً.

وأوضح أن الحزب يحتاج، بعد حربين قاسيتين، إلى استعادة قدرته، لكنه لا يعلن الهزيمة لأنها تعني بالنسبة إليه الاستسلام.

في المقابل، قال يونس إن الحزب أمام خيارين: إنهاء دوره العسكري واعتماد الدبلوماسية، أو البقاء مرتبطاً بالقرار الإيراني، بما قد يوسع الاستهدافات الإسرائيلية.

واتفق المتحدثان على أن ملف علي الطاهر يمنح إسرائيل ورقة إضافية في أي مفاوضات مباشرة، لكنهما اختلفا بشأن المسؤولية. وبينما حمّل يونس حزب الله مسؤولية إضعاف موقف الدولة، حذر مطر من أن إسرائيل اعتادت انتزاع تنازلات عبر مسارات التفاوض المباشر، داعياً إلى تحويل المواجهة إلى هدف لبناني مشترك.

المصدر الأصلي