وطنية - أقامت "الجمعية الثقافية اللبنانية البرازيلية" في ساو باولو، برعاية القنصلية العامة للبنان، احتفالا في نادي "مونتي ليبانو" لمناسبة مرور 150 عاما على زيارة إمبراطور البرازيل دوم بيدرو الثاني للبنان، وهي الزيارة التاريخية التي ارتبطت بانطلاق موجات الهجرة اللبنانية إلى البرازيل، وأسست لفصل استثنائي من العلاقات بين البلدين والشعبين.
حضر الاحتفال نائب رئيس الجمهورية البرازيلية جيرالدو ألكمين، الرئيس البرازيلي الأسبق ميشال تامر، ودوم برتراند دي أورليانز إي براغانزا من الأسرة الإمبراطورية البرازيلية، قنصل لبنان العام في ساو باولو رودريك الخوري، أمين شؤون إفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية البرازيلية السفير كارلوس سيرجيو سوبرال دوارتي، ممثل وزارة الخارجية في ولاية ساو باولو السفير نلسون تاباجارا، وأمينة العلاقات الدولية في بلدية ساو باولو أنجيلا غاندرا.
كما شارك القنصل العام للإمارات العربية المتحدة عبدالله شاهين، القنصل العام لقطر المهند الحمادي، وقناصل وممثلون عن كوبا وتركيا وجنوب إفريقيا، إلى جانب أعضاء من السلكين الديبلوماسي والقنصلي ورؤساء الطوائف والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وشخصيات وأبناء الجالية اللبنانية في ساو باولو.
استهل الاحتفال بتلاوة رسالتي تحية من رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس الجمهورية البرازيلية لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تناولتا أهمية المناسبة وعمق العلاقات التاريخية بين لبنان والبرازيل.
وتخلل المناسبة إطلاق طابع بريدي برازيلي رسمي تخليدا للذكرى، يحمل صورة دوم بيدرو الثاني إلى جانب أرزة لبنانية، فيما يظهر في خلفيته مقطع من يوميات الإمبراطور بخط يده، إلى جانب إصدارات تذكارية أخرى بالمناسبة.
كما عُرض فيلم عن زيارة دوم بيدرو الثاني للبنان ولقائه نعمة يافث في الجامعة الأميركية في بيروت، قبل أن يهاجر يافث بعد سنوات قليلة إلى البرازيل، حيث أسس مع عائلته واحدة من أبرز التجارب الاقتصادية والصناعية للمهاجرين اللبنانيين، تاركا إرثا لا تزال آثاره حاضرة في ساو باولو والبرازيل.
الخوري
وألقى قنصل لبنان العام في ساو باولو كلمته بالبرتغالية للمرة الأولى منذ وصوله إلى البرازيل قبل ستة أشهر، موضحًا في مستهلها أن "اختياره التحدث بلغة البلد المضيف لم يكن إتقانا للغة، بل احتراما للغة الرجل العظيم الذي نحتفي به اليوم".
وتحدث الخوري عن "رحلة الإمبراطور إلى لبنان ورحلة المهاجرين اللبنانيين في الاتجاه المعاكس"، وقال: "إن دوم بيدرو الثاني عبر البحر بحثا عن العالم القديم، فيما عبر اللبنانيون بعده البحر نفسه بحثا عن العالم الجديد. لقد وصل هو إلى لبنان زائرا، ووصلوا هم إلى البرازيل مهاجرين".
واستعاد "تضحيات المهاجرين الأوائل الذين تركوا بيوتهم وقراهم وجبالهم، وبعضهم لم يصل إلى نهاية الطريق، قبل أن يبدأ من وصل منهم حياة جديدة، بعيدا من الوطن، بلغة أخرى، وفي أرض أخرى"، وقال: "كان لديهم القليل في الحقائب، لكن الكثير في القلوب، لم تكن لديهم ثروات، كانت لديهم الشجاعة. لم تكن لديهم ضمانات، كانت لديهم أحلام".
واستعاد "مسيرة الباعة المتجولين اللبنانيين الذين انتقلوا من باب إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، حاملين بضائعهم ومعها شيء من لبنان، من لغتهم وعاداتهم وطعامهم وذاكرتهم"، وقال: "إن أولئك الذين وصلوا، ومعهم القليل انتهوا إلى بناء الكثير، فأسسوا أعمالا وعائلات ومجتمعات وساهموا في بناء البرازيل".
واختصر الهجرة بالقول: "لبنان أعطاهم الجذور، والبرازيل أعطتهم المستقبل".
وشبه العلاقة بين البلدين بـ"أرز لبنان وشجرة الباو-برازيل"، متسائلا: "هل البحر يفرّقنا؟ لا. البحر يجمعنا، فالمحيط وضع مسافة بين الأرضين، لكنه وحد مصيريهما".
وتوقف الخوري عند "إرث دوم بيدرو الثاني"، وقال: "ترك درسين ينبغي لكل رجل عام أن يتعلمهما: كرم إمبراطور فتح أبوابه للشعب، وتواضع إمبراطور ذهب للقاء أبسط الناس، فمن يكون عظيما حقا لا ينتظر أن يأتي الآخرون إليه، بل يذهب هو للقائهم. إن الإمبراطور كان كريما إلى حد أنه لم يدعُ مجرد ضيف واحد إلى بيته، بل دعا شعبا كاملا، وحوّل دعوة إلى مصير لأجيال".
وربط الخوري المناسبة بـ"الذكرى الـ106 لإعلان دولة لبنان الكبير، التي تصادف الأول من أيلول"، وقال: "نحتفل بالأرض التي أعطتنا جذورنا، ونشكر الأرض التي أعطتنا أغصانا جديدة. إن اللبنانيين جاؤوا إلى البرازيل يبحثون عن مستقبل، وانتهى بهم الأمر يبنون مستقبل البلد الذي أتوا إليه".
أضاف: "إن اللبنانيين الذين غادروا وطنهم على مدى أجيال بحثا عن مستقبل، باتوا يأتون اليوم إلى البرازيل بحثا أيضًا عن جذورهم، حيث يجدون على الجانب الآخر من المحيط أسماء وعائلات وقصصا لبنانية. وإن أجمل إرث لهذه المسيرة هو الجسر الذي نشأ بين العالمين، جسر لا يهدمه الزمن، ولا يفصله المحيط، ولا تستطيع أي مسافة أن تمحوه. لا تزال قصة لبنان والبرازيل مستمرة، في كل عائلة، وفي كل اسم، وفي كل ذكرى، وفي كل قلب ينبض من أجل لبنان ومن أجل البرازيل".
وتحدث الخوري خلال الاحتفال باللغة العربية أيضا احتراما للبنان، ناقلًا كلمة سفير لبنان لدى البرازيل إلياس نقولا، الموجود في لبنان، وتناولت "أهمية الذكرى وعمق العلاقات التي تجمع البلدين".
تامر
وألقى الرئيس البرازيلي الأسبق ميشال تامر كلمة قال فيها: "إن دوم بيدرو الثاني، المثقف الذي كان يتحدث لغات عدة، لا بد أنه شجع سعادة القنصل على تعلّم اللغة البرتغالية في فترة قصيرة جدا، فالقنصل الخوري كرم البرازيل بتحدثه بالبرتغالية ولبنان بتحدثه بالعربية".
ونوه تامر بـ"التفاعل الذي لقيته الكلمة"، مشيرا إلى "التصفيق المتكرر الذي رافقها، وما يعكسه ذلك من الرابط الاستثنائي القائم بين لبنان والبرازيل عبر التاريخ".
وتحدث عن "تجربته الشخصية"، مستعيدا قصة "والديه اللذين تزوجا في لبنان، ثم هاجرا إلى البرازيل مع ثلاثة أبناء وُلدوا في لبنان، قبل أن ينجبا خمسة أبناء آخرين في البرازيل، وكان هو أصغرهم"، وقال: "إن استذكار زيارة دوم بيدرو الثاني هو في الوقت نفسه استذكار لجميع المهاجرين الذين أتوا إلى البرازيل وساهموا في بنائها".
وأشار إلى أن "والده، المولود عام 1898، ينتمي إلى الجيل الذي لبّى، بالمعنى الرمزي، الدعوة التي فتح بها الإمبراطور أبواب البرازيل أمام المهاجرين اللبنانيين".
وتحدث تامر عن "خصوصية التجربة البرازيلية في استقبال المهاجرين ودمجهم"، وقال: "أي دولة في العالم يمكن أن تسمح لشخص من الجيل الأول من المهاجرين، كما هي حالتي، بأن يصل إلى رئاسة الجمهورية؟ إنها البرازيل".
كما استعاد تامر علاقته الشخصية بلبنان، متحدثا عن "إحدى زياراته لبلدة بتعبورة في قضاء الكورة، حيث أُطلق اسمه على أحد الشوارع عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية، قبل أن تعدل التسمية بعد توليه رئاسة الجمهورية"، معتبرا "هذه المبادرة تعبيرا عن عمق المودة والروابط التي تجمع لبنان والبرازيل".
وتحدث عن "الأزمات التي مر بها لبنان"، وقال: "لا يمكن تدمير قوة الشعب اللبناني، فاللبنانيون يواصلون دائما إعادة بناء وطنهم".
ودعا إلى "السلام، ولا سيما في لبنان"، لافتا إلى أن "الشعب اللبناني يستحق السلام"، مؤكدا "استعداد البرازيل الوقوف إلى جانبه من أجل تحقيقه".
ألكمين
من جهته، نوه نائب رئيس الجمهورية البرازيلية جيرالدو ألكمين بـ"تاريخ الجالية اللبنانية وحضورها الواسع في مختلف ميادين الحياة البرازيلية، من الاقتصاد والسياسة إلى الثقافة والفن والأدب"، مشيدا بـ"الدور الذي أداه اللبنانيون وأحفادهم في بناء البرازيل".
وأكد ألكمين "عمق العلاقات التي تجمع البلدين"، مجددا "دعم البرازيل للبنان وسيادته ولإحلال السلام فيه وفي المنطقة".
دوارتي
وتحدث أمين شؤون إفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية البرازيلية عن "العلاقات المميزة بين لبنان والبرازيل والدور المهم للجالية اللبنانية في بناء البلاد"، متوقفا عند "التعاون بين البلدين في محطات عدة، لا سيما خلال الأزمات وعمليات المساعدة والإجلاء، ومستوى التنسيق الذي ساهم في نجاح العمليات التي نفذتها البرازيل في لبنان".
غاندرا
من جهتها، أشادت أمينة العلاقات الدولية في بلدية ساو باولو بـ"الدور الكبير للجالية اللبنانية في بناء ساو باولو والبرازيل، وبإسهاماتها في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، فضلًا عن بصمتها الواضحة في المطبخ والحياة الاجتماعية البرازيلية".
ممثل نادي "مونتي ليبانو"
بدوره، تحدث ممثل نادي "مونتي ليبانو" عن "اعتزازه بالمساهمة في كل حدث من شأنه تعزيز الحضور اللبناني في البرازيل وتعميق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين".
واختتم الاحتفال بجولة على المعرض، الذي ضم مجموعة صور ووثائق تخص زيارة الإمبراطور، ومنها سيفه الخاص الذي رافقه اثناء الزيارة.
بيان
وأعلنت "الجمعية الثقافية اللبنانية البرازيلية في بيان، أن "رئيستها لودي بريص كانت مساهمة أساسية في تنظيم المناسبة، ووجّه إليها الرئيس اللبناني تحية في رسالته تقديرًا لجهودها. كما حيا الخوري، قبل إلقاء كلمته، بريص وشقيقتها نهى، منوها بتفانيهما وعملهما المتواصل من أجل لبنان، ومشيرا إلى أنه يعرف كيف لا تنامان الليل ليكون لبنان، من خلال نشاطاتهما، بأبهى صورة".
وشكرت لجمعية لـ"قنصل لبنان العام رعايته الحدث، ونادي مونتي ليبانو استضافته ودعمه للمناسبة".
============= ن.ح













